حب الأوطان الجزء الثالث

رسالة الحب والعهد القديم

بقلم مريم الحسن

بدأت فاطمة، كريمة آل الزهيري، بقراءة الرسالة، وصوتها يرتعش في البداية، ثم اكتسب ثباتاً وقوة، مع كل كلمةٍ تقرأها. كانت سطور الرسالة، تحمل عبق الماضي، ورائحة الحب الصادق، الذي لم يتأثر بمرور الأيام، ولا بالبعد، ولا بالصعاب.

"إلى غاليتي، سارة، يا نبض فؤادي، ويا سرّ سعادتي. أكتب إليكِ من أرضٍ بعيدة، حملتني إليها الأقدار، بحثاً عن رزقٍ، وعن مستقبلٍ يليق بكِ، وباسم عائلتنا. ولكن، مهما ابتعدت، ومهما أخذتني دروب الحياة، فقلبي وروحي معكِ، يا حبيبتي."

تساءلت فاطمة، كريمة آل الزهيري: هل هذا هو الحب الذي تتحدث عنه الروايات؟ حبٌّ قويٌّ، ثابتٌ، لا يتزعزع؟

"يا سارة، لو تعلمين حجم الشوق الذي يعتصر قلبي، وحجم الحنين إلى ابتسامتكِ، وإلى صوتكِ. ولكن، لم أذهب وحدي. لقد ذهبتُ مع أخي، سالم. وسوف أعمل جاهداً، لأعوضه عن ضلاله، ولأعيده إلى الطريق الصحيح. وسأعمل جاهداً، لأبني لنا مستقبلاً، يبعدنا عن أي ضيق، وعن أي عار."

هنا، شعرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، بأن العقدة بدأت تنفك. كانت تعتقد أن سالم قد ابتعد عن العائلة، وأنه كان سبباً في المشاكل. لكن الرسالة، تكشف عن جانبٍ آخر، جانبٌ من المحاولة، ومن المحبة الأخوية، رغم الضلال.

"ولكن، يا سارة، لقد علمتُ، قبل سفري، أنكِ تحملين في أحشائكِ، زهرةً من زهورنا. وهذا يملأ قلبي أملاً، ويزيدني إصراراً. لقد أعددتُ لكِ، ولابنتنا، ولابننا، كنوزاً، وأملاكاً، ترثون بها، وتعيشون بها عيشةً هنيئة. ولكني، إن حالت الأقدار دون عودتي، أو دون أن تتاح لي فرصةٌ لإرسال ما أعددتُ، فإن وصيتي واضحةٌ في قلبي. لا بد أن يبقى اسم الزهيري، نقياً، قوياً."

"فيا حبيبتي، إن قدر لنا أن تعودي إلينا، أو أن يعود أبناؤنا، بعد غيابٍ طويل، فاجعلي هذه الرسالة، شاهداً على حبي، وعلى عهدي. وإن رأيتِ منهم، بعد سنين، سلوكاً طيباً، وأخلاقاً رفيعة، فقد أردتُ أن أوصيكِ، وبشكلٍ خاص، بأن لا تنسي بأن لجدي، الحاج مصطفى، أخاً. وأن هذا الأخ، رغم ما بدر منه، فقد كان له قلبٌ، وله ذرية. وإن كان سليمان، هو من حمل اسم العائلة، وحافظ عليها، فإن سالم، هو من حمل عبئاً، وضلالاً، وربما، كان بحاجةٍ إلى يدٍ حانية، بدلاً من التخلي عنه."

توقفت فاطمة، كريمة آل الزهيري، للحظة، تتنفس بصعوبة. كانت الرسالة تحمل بعداً إنسانياً عميقاً، بعداً يتجاوز الصراعات المادية، والبحث عن الحقوق.

"لقد أعددتُ، يا سارة، شيئاً خاصاً، لمن سيأتي بعدي، ممن سيحمل اسمي، وسيواجه تحدياتٍ كبيرة. أعددتُ وثائق، وكنوزاً، مخبأةً في مكانٍ لن يعرفه إلا من يحمل قلباً صادقاً، وإيماناً قوياً. ولكن، إن حدث وظهرت ذرية سالم، وكانت ذات خلقٍ كريم، فقد يكون لجدهم، سالم، نصيبٌ في هذا الإرث، ولو جزءٌ بسيطٌ، يكفيهم، ويريهم أن الحب، والمغفرة، هما أساس عائلتنا."

"وإن طال غيابي، يا حبيبتي، ولم أعد، فلتستري على ما قد تراه العيون من نقصٍ في الإرث. ولتحافظي على سمعة العائلة، وعلى نقاء اسمنا. ولكن، لا تنسي، أبداً، أن الحب، هو أقوى من كل شيء. وأن الله، هو الحكم العدل. وأنا، أترك لكِ، في هذا الصندوق، خاتماً، وقطعةً من مجوهراتٍ عزيزة. احتفظي بها، لتكون شاهداً على وعدي، وعلى حبي الأبدي."

"ختاماً، يا سارة، يا نور عيني، أرجو لكِ ولأبنائنا، كل الخير والصحة والسعادة. وإن عاد سالم، يوماً، وطلب الصفح، فاعلمي أنه قد غيّر حاله، وأن الله قد تاب عليه، فكوني له عوناً. وإن لم يعد، فليكن ذكره، ذكرى عبرةٍ، لا ذكرى عار. أحبكِ، يا سارة، إلى الأبد."

"توقيع، سليمان الزهيري."

أنهت فاطمة، كريمة آل الزهيري، القراءة. ساد صمتٌ عميقٌ. كانت الرسالة تحمل حكمةً، ورحمةً، وحباً، يفوق كل التوقعات. لقد كان سليمان، ليس مجرد رجلٍ يبحث عن ثروة، بل كان رجلاً عظيماً، يحمل قلباً كبيراً.

"يا جدي،" قالت فاطمة، كريمة آل الزهيري، وعيناها تلمعان بالدموع، "هذه الرسالة تغير كل شيء. سليمان، كان رحيماً. لقد أراد أن يعطي سالم فرصةً. وكان يأمل أن يعود، وأن يصحح مساره."

"وهذا ما أردتُ أن أوضحه لكم،" قال الشيخ أحمد، وعيناه تترقرق بالدموع. "لم يكن جدنا، سليمان، قاسياً، بل كان حكيماً. أراد أن يحافظ على نقاء العائلة، ولكن دون أن ينسى أخاه، ودون أن يترك ذريته في العراء. لقد ترك مفتاحاً، مفتاحاً للرحمة، وللمغفرة."

"ولكن،" تابع الشيخ أحمد، "ماذا عن أبناء سالم؟ وماذا عن ادعاءاتهم؟ هل هي مجرد محاولةٍ للحصول على المال؟ أم أنهم يحملون في قلوبهم شيئاً من صلاح؟"

نظرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، إلى أحمد، ابن عمها. كان وجهه يعكس خليطاً من الحيرة، والتأمل.

"لقد ذكرت الرسالة،" قال أحمد، "أن هناك كنوزاً، ووثائق، مخبأةً، لن يعرفها إلا من يحمل قلباً صادقاً. هل يمكن أن يكون أبناء سالم، قد وجدوا هذه الكنوز؟"

"هذا ما سنحاول معرفته،" قال الشيخ أحمد. "وقد وعدتُكم، أن هناك شيئاً آخر، سيُكشف عنه في وقته. والآن، أعتقد أن الوقت قد حان."

أشار الشيخ أحمد إلى قطعة المجوهرات، والخاتم، اللذين كانا في الصندوق. "هذه، هي ما تركه جدي سليمان، كدليلٍ على صدق كلماته، وعلى عهده. لقد ترك هذه، لجدتي سارة، لتكون شاهداً على حبه. ولكن، لقد أوصى أيضاً، بأنها، والخاتم، قد يكونان مفتاحاً لمكانٍ آخر، لمكانٍ يحوي كل ما أعددته لأبنائنا، ولذريته. ولكن، بشرطٍ واحد."

"ما هو الشرط، يا جدي؟" سألت فاطمة، كريمة آل الزهيري.

"الشرط،" قال الشيخ أحمد، وهو ينظر إلى عينيها، "هو أن يتحقق شرطٌ آخر. شرطٌ يتعلق بالحفاظ على نقاء العائلة، وعلى قيمها. وأن يكون هذا الإرث، في يدٍ أمينة، تستطيع أن تحافظ عليه، وأن تنشره بالخير. وأن تتزوج، يا فاطمة، من رجلٍ صالح، يكون شريكاً لكِ في هذه المسؤولية. وأن تتزوج، يا أحمد، من امرأةٍ صالحة، تكون سنداً لك."

شعرت فاطمة، كريمة آل الزهيري، بقلبها يخفق بقوة. هل كان جده، سليمان، يتوقع هذه اللحظة؟ هل كان يرى المستقبل؟

"لقد كانت وصية سليمان، هي أن تكون هذه المجوهرات، والخاتم، دليلاً، ومفتاحاً. ولكن، لم يكن يعلم، أن أبناء سالم، سيظهرون في هذا الوقت. وأننا، سنكون أمام مفترق طرقٍ حاسم. والآن، علينا أن نختار، بين التمسك بماضينا، أو فتح صفحةٍ جديدة، تحمل في طياتها، الأمل، والمسؤولية."

كانت الرسالة، قد أضاءت جانباً مظلماً من التاريخ، ولكنها أيضاً، ألقت بمسؤوليةٍ جديدة، على أكتاف الجيل الحاضر. كان الحب، والرحمة، والقيم، هي الركائز، التي يجب أن يبنى عليها المستقبل.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%