حب الأوطان الجزء الثالث

صدى الذكريات في أروقة الجامعة

بقلم مريم الحسن

كانتْ الشمسُ تُلقي بأشعتِها الذهبيةِ على أروقةِ جامعةِ القاهرةِ العريقةِ، تُبرزُ جمالَ تصميمِها الكلاسيكيِّ، وتُنعشُ ذاكرةَ الأجيالِ التي عبرتْ بواباتِها. في أحدِ الممراتِ الواسعةِ، حيثُ تتناثرُ رائحةُ الكتبِ القديمةِ، والقهوةِ المُعدّةِ بإتقانٍ، كانَ يقفُ الدكتورُ خالدُ، أستاذُ الأدبِ العربيِّ، بشعرهِ الأشيبِ المبعثرِ، ونظراتِهِ الفاحصةِ التي تُخفي خلفَها بحرًا منَ الخبرةِ والحكمةِ.

خالدٌ، الرجلُ الذي كرّسَ حياتهُ لدراسةِ الشعرِ العربيِّ، ولِفهمِ أسرارِ اللغةِ وأبعادِها، كانَ يلملمُ أوراقَ محاضرتهِ الأخيرةِ عنْ دواوينِ المتنبي. كانَ يُحبُّ هذا الرجلَ العظيمَ، ويُحبُّ كيفَ استطاعَ أنْ يُترجمَ عنفوانَ اللغةِ ورقتها في آنٍ واحدٍ. لكنَّ اليومَ، لمْ تكنْ أفكارُهُ مُستقرةً في عوالمِ الأدبِ. كانَ هناكَ شبحٌ يطاردُهُ، شبحٌ منْ ماضٍ قريبٍ، ولكنهُ كانَ يبدو وكأنهُ عصرٌ بأكملهِ.

"يا خالدُ،" قالَ لهُ زميلهُ الدكتورُ سميرٌ، وهوَ يقتربُ منهُ بخطواتٍ متثاقلةٍ، "ما زلتَ هنا؟ ظننتُ أنكَ ستغادرُ فورَ انتهاءِ المحاضرةِ."

التفتَ خالدٌ نحو سميرٍ، وابتسمَ ابتسامةً باهتةً. "بعضُ الأفكارِ تحتاجُ إلى المزيدِ منَ التأملِ يا سميرُ. حديثُنا عنْ الشعرِ يُثيرُ في نفسي أسئلةً عميقةً."

"أسئلةٌ عنْ الحبِّ والغرامِ؟" سألَ سميرٌ بنبرةٍ مازحةٍ، ثمَّ استدركَ قائلاً: "أمْ عنْ هذهِ الجامعةِ التي تبدو وكأنها تعيشُ في عالمٍ خاصٍ بها؟"

"عنْ كليهما،" أجابَ خالدٌ بصوتٍ خفيضٍ، "عنْ هذا العالمِ الذي بُنيَ على أسسٍ منْ العلمِ والمعرفةِ، ولكنهُ لمْ يُخَلَّصْ منْ تقلباتِ القلوبِ."

كانَ سميرٌ يعرفُ صديقهُ جيدًا. كانَ خالدٌ دائمًا ما يبحثُ عنْ المعنى العميقِ في كلِّ شيءٍ، وكانَ يُدركُ أنَّ هناكَ شيئًا يُشغلُ بالَ صديقهِ. "هلْ تقصدُ شيئًا محددًا؟" سألَ بنبرةٍ ودودةٍ.

"أفكرُ في رحيلِ ابنةِ أخي، سارةَ،" قالَ خالدٌ، وكأنَّهُ كانَ ينتظرُ هذهِ اللحظةَ ليُعبّرَ عنْ ما يشعرُ بهِ. "لقدْ سافرتْ إلى الخارجِ للدراسةِ، وهذا أمرٌ يُفرحُني، ولكنهُ يُثيرُ في نفسي شعورًا غريبًا."

سارةُ، الفتاةُ الشابةُ ذاتُ العينينِ العسليتينِ اللتينِ تُشعَّانِ بالذكاءِ والطموحِ، كانتْ قدْ تخرّجتْ منَ نفسِ هذهِ الجامعةِ قبلَ عامينِ. كانتْ طالبةً متميزةً، شغوفةً بالأدبِ، وكانَ خالدٌ يراها وكأنها ابنتهُ. لقدْ اعتادَ على وجودِها في حياتهِ، على نقاشاتِها الثاقبةِ، وعلى شغفِها بالمعرفةِ.

"إنها خطوةٌ كبيرةٌ في حياتِها،" قالَ سميرٌ محاولاً أنْ يُطمئنَ صديقهُ. "وسوفَ تعودُ إلينا بأفضلِ مما ذهبتْ بهِ."

"أتمنى ذلكَ،" قالَ خالدٌ، "لكنَّ القلبَ لهُ لغةٌ مختلفةٌ. لقدْ كانتْ سارةُ دائمًا ترى فيَّ الأبَ والأخَ والصديقَ. والآنَ، حينَ تغيبُ، أشعرُ بأنَّ جزءًا منْ عالمي قدْ فقدَ بريقَهُ."

تذكرَ خالدٌ الأيامَ التي كانتْ فيها سارةُ تُرافقُهُ في أروقةِ الجامعةِ، تبحثُ عنْ كتبٍ نادرةٍ، وتُناقشُهُ في آخرِ المستجداتِ الأدبيةِ. كانتْ تُضيءُ المكانَ بوجودِها، وتُبهجُ قلبهُ بابتسامتِها.

"هلْ كانتْ لديكَ مشاعرٌ أخرى تجاهَها غيرُ مشاعرِ العمِّ؟" سألَ سميرٌ بنبرةٍ هادئةٍ، مدركًا أنَّ الأمرَ قدْ يكونُ أكثرَ تعقيدًا.

تجهمَ وجهُ خالدٍ قليلًا. "إنَّ سارةَ فتاةٌ نادرةٌ، يا سميرُ. طيبةُ القلبِ، رفيعةُ النفسِ، وذكيةٌ بما يكفي لتُبهرَ أيَّ رجلٍ. لقدْ رأيتُ فيها كلَّ الصفاتِ التي يتمناها أيُّ رجلٍ في شريكةِ حياتِهِ."

"إذنْ، أنتَ تُحبُّها؟" سألَ سميرٌ مباشرةً، مُدركًا أنَّ هذا هوَ جوهرُ الموضوعِ.

تنهدَ خالدٌ بعمقٍ. "الحبُّ يا سميرُ مفهومٌ معقدٌ. هلْ هوَ مجردُ إعجابٍ بجمالِ الروحِ والعقلِ، أمْ هوَ شعورٌ أعمقُ وأشدُّ؟"

"بالنسبةِ لي،" قالَ سميرٌ، "الحبُّ هوَ الاحترامُ المتبادلُ، والأمانُ، والرغبةُ في بناءِ حياةٍ مشتركةٍ. الحبُّ الحلالُ، الذي يُرضي اللهَ ويرضي القلبَ."

"الحبُّ الحلالُ،" رددَ خالدٌ الكلمةَ بهدوءٍ، وكأنها كلمةٌ غريبةٌ لمْ يسمعْها منْ قبلُ. "لقدْ كانتْ سارةُ دائمًا مُحافظةً، تُدركُ حدودَ الشرعِ وقيمَ الدينِ. ولهذا السببِ، كنتُ دائمًا أشعرُ بالراحةِ بقربِها."

"وهلْ كنتَ تخشى أنْ تتجاوزَ هذهِ الحدودَ؟" سألَ سميرٌ.

"لا، لمْ أكنْ أخشى،" أجابَ خالدٌ، "بلْ كنتُ أُدركُ أنها هيَ منْ تُحافظُ على هذهِ الحدودِ. كانتْ تُشبهُ الياسمينةَ التي تُزهرُ في حديقةٍ مُحكمةٍ، تُعطي عطرَها دونَ أنْ تُفسدَ شيئًا."

"ولماذا لمْ تُبوحْ لها بمشاعركَ؟" سألَ سميرٌ، وقدْ شعرَ بأنَّ القصةَ تقتربُ منْ نهايتِها، ولكنْ بنهايةٍ مُعلقةٍ.

"كيفَ لي ذلكَ؟" قالَ خالدٌ بنبرةٍ تحملُ كثيرًا منَ الألمِ، "إنها ابنةُ أخي. هذا الفارقُ العمريُّ، وهذا القربُ العائليُّ، يجعلُ الأمرَ مستحيلاً. كنتُ أخشى أنْ أُفسدَ هذهِ العلاقةَ النقيةَ، وأنْ أخسرَها إلى الأبدِ."

"لكنَّ ما تشعرُ بهِ ليسَ خطأً،" قالَ سميرٌ، "الحبُّ شعورٌ يأتي منَ اللهِ. والمهمُّ هوَ كيفَ نتعاملُ معَ هذهِ المشاعرِ. قدْ تكونُ سارةُ تشعرُ بنفسِ الشيءِ، ولكنها تخشى أنْ تُبدي ذلكَ خوفًا منْ ردِّ فعلكَ."

"مستحيلٌ،" قالَ خالدٌ، "سارةُ لا تفكرُ في هذهِ الأمورِ. إنها فتاةٌ طموحةٌ، تُركزُ على مستقبلِها. وبالفعلِ، لقدْ ذهبتْ للدراسةِ في الخارجِ."

"ربما ذهبتْ لتبني لها مستقبلًا، ثمَّ تعودُ لتبني عشَّ أحلامِها،" قالَ سميرٌ بحكمةٍ، "يا خالدُ، الحياةُ فرصٌ، والفرصُ لا تتكررُ دائمًا. إذا كنتَ تُحبُّها، فدعْها تعرفُ ذلكَ، ولكنْ بطريقةٍ تُرضي اللهَ، وبطريقةٍ لا تُحرجُ أحدًا."

وقفَ خالدٌ صامتًا، يفكرُ في كلماتِ صديقهِ. كانَ قلبهُ يؤلمهُ، ولكنْ بداخلهِ شيءٌ منَ الأملِ بدأَ ينبعثُ. ربما كانتْ هناكَ طريقةٌ. ربما كانَ ما زالَ هناكَ وقتٌ.

"سأفكرُ في الأمرِ يا سميرُ،" قالَ خالدٌ بنبرةٍ فيها شيءٌ منَ الترددِ. "شكرًا لكَ على حديثِكَ."

"على الرحبِ والسعةِ يا صديقي،" قالَ سميرٌ، ووضعَ يدَهُ على كتفِ خالدٍ، "لا تجعلْ الخوفَ يُسيطرُ على قلبِكَ. فالحبُّ الصادقُ، مهما كانَ صعبًا، يمكنُ أنْ يجدَ طريقَهُ."

تركَ سميرٌ خالدًا وحدهُ في الممرِ، والشمسُ قدْ بدأتْ تميلُ نحو الغروبِ، تُلقي بظلالٍ طويلةٍ على الأروقةِ. كانَ خالدٌ يشعرُ بأنَّهُ في مفترقِ طرقٍ. هلْ يُطيعُ صوتَ العقلِ الذي يُحذّرُهُ منَ المخاطرِ، أمْ يُطيعُ صوتَ القلبِ الذي يُنادي باسمِ سارةَ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%