حب الأوطان الجزء الثالث
شذى الزهور في حديقة الماضي
بقلم مريم الحسن
كانتْ رائحةُ الوردِ البلديِّ تفوحُ في الأجواءِ، مُمتزجةً بعطرِ الليلِ الهادئِ، تُنعشُ القلبَ وتُبهجُ الروحَ. في حديقةِ منزلِهمِ القديمِ، الذي ورثتْهُ عنْ جدتِها، وقفتْ ليلى، فتاةُ العشريناتِ، ذاتُ الشعرِ الأسودِ الطويلِ الذي يُداعبُ خديها، والعينينِ الواسعتينِ اللتينِ تُشبهانِ لونَ السماءِ الصافيةِ. كانتْ ترتدي ثوبًا فضفاضًا بلونِ السماءِ، يُبرزُ نقاءَها ورقتها.
كانتْ ليلى تُحبُّ هذهِ الحديقةَ، تُحبُّ كيفَ تُعيدُ إليها ذكرياتِ طفولتها، وذكرياتِ جدتِها التي كانتْ تُحبُّ الاعتناءَ بالزهورِ. كلُّ زهرةٍ في هذهِ الحديقةِ تحملُ قصةً، وكلُّ ورقةٍ تحملُ ذكرى. كانتْ هذهِ الحديقةُ عالمَها الخاصَّ، ملاذَها الآمنَ منْ صخبِ الحياةِ.
في تلكَ الليلةِ، كانتْ ليلى تُرتِّبُ أزهارَ الياسمينِ في فازةٍ زجاجيةٍ، حينَ سمعتْ صوتَ سيارةٍ تقتربُ منَ المنزلِ. لمْ يكنْ لديها زوّارٌ متوقعونَ، فأثارَ ذلكَ فضولَها. خرجتْ إلى الشرفةِ، ورأتْ سيارةَ أحمدَ، ابنَ عمِّها، تقفُ أمامَ البوابةِ.
أحمدُ، الشابُّ الذي عرفتْهُ منذُ نعومةِ أظفارِها، والذي كانَ دائمًا مصدرَ الأمانِ والدعمِ لها. كانَ يكبرُها ببضعِ سنواتٍ، وكانَ يُعاملُها دائمًا كأختٍ صغيرةٍ. ولكنهُ في الآونةِ الأخيرةِ، بدأتْ تشعرُ بتغييرٍ في نظراتِهِ، بتغييرٍ في تعاملِهِ.
فتحَ أحمدُ بابَ السيارةِ، ونزلَ منها. كانَ يرتدي ملابسَ أنيقةً، ويحملُ في يدِهِ باقةً منَ الوردِ الأحمرِ. اقتربَ منَ المنزلِ، وبمجردِ أنْ رأتْهُ ليلى، ابتسمتْ ابتسامةً واسعةً.
"مساءُ الخيرِ يا أحمدَ،" قالتْ وهيَ تقتربُ منهُ، "لمْ أتوقعْ زيارتَكَ."
"مساءُ الخيرِ يا ليلى،" قالَ أحمدُ بصوتٍ دافئٍ، "مررتُ بالصدفةِ، ورأيتُ أضواءَ المنزلِ مُضاءةً، فأحببتُ أنْ أطمئنَّ عليكِ."
"وهلْ أحتاجُ إلى منْ يطمئنَّ عليَّ؟" قالتْ ليلى بمرحٍ، وهيَ تأخذُ الوردَ منْ يدِهِ. "أنا هنا في حديقتي الجميلةِ."
"حديقتُكِ دائمًا ما تكونُ مصدرَ الجمالِ والراحةِ،" قالَ أحمدُ وهوَ ينظرُ حولَهُ، مُستمتعًا بالجوِّ العليلِ ورائحةِ الزهورِ. "أتذكرُ كيفَ كنا نلعبُ هنا في الصغرِ؟"
"نعم،" قالتْ ليلى وهيَ تبتسمُ، "كنا نُخفي كنوزًا تحتَ هذهِ الشجرةِ."
"وكنوزُكِ اليومَ هيَ هذهِ الزهورُ الجميلةُ،" قالَ أحمدُ، وعيناهُ لمْ تفارقْ وجهَها. "ما زلتِ تُحبينَ الاعتناءَ بها؟"
"بالطبعَ،" أجابتْ ليلى، "إنها تُذكرني بجدتي، وبأيامٍ كانتْ فيها الحياةُ أبسطَ وأجملَ."
"كانتْ جدتُكِ امرأةً رائعةً،" قالَ أحمدُ، "ولقدْ ورثتِ منها الكثيرَ منَ الصفاتِ الجميلةِ."
شعرتْ ليلى بخدَّيها يتوردانِ قليلًا. كانتْ نظراتُ أحمدَ في هذهِ اللحظةِ مختلفةً، تحملُ شيئًا منَ الإعجابِ، وشيئًا منَ الحنانِ الذي لمْ تكنْ تتوقعهُ.
"هلْ انتهى عملُكَ لليومِ؟" سألتْ ليلى، مُحاولةً أنْ تُغيّرَ مسارَ الحديثِ.
"نعم،" أجابَ أحمدُ، "وأحببتُ أنْ أرى هذهِ الحديقةَ مرةً أخرى. إنها تُعيدُ إليَّ ذكرياتٍ جميلةً."
"ذكرياتٍ معكِ؟" سألتْ ليلى بنبرةٍ تحملُ شيئًا منَ المزاحِ.
"معكِ، ومعَ الماضي الجميلِ،" قالَ أحمدُ، وعيناهُ تتجولانِ في الحديقةِ. "أتذكرُ كيفَ كنا نجلسُ هنا، ونحنُ صغارٌ، ونحلمُ بالمستقبلِ؟"
"نعم،" قالتْ ليلى، "وكنتَ دائمًا تقولُ إنكَ ستُصبحُ مهندسًا عظيمًا، وتبني مدنًا جميلةً."
"ولقدْ فعلتُ،" قالَ أحمدُ بفخرٍ، "ولكنَّ أجملَ بناءٍ هوَ بناءُ أسرةٍ سعيدةٍ."
توقفتْ ليلى عنِ ترتيبِ الزهورِ، ونظرتْ إلى أحمدَ. كانَ يتحدثُ عنْ الأسرةِ، وعنِ المستقبلِ، وكانَ ينظرُ إليها وكأنها جزءٌ منْ هذا المستقبلِ.
"هلْ أنتَ تخطبُ؟" سألتْ ليلى بخجلٍ، مُدركةً أنها تتجاوزُ الحدودَ.
ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً أوسعَ، وبدا في عينيهِ شيءٌ منَ الترددِ. "لمْ أجدْ بعدُ منْ تستحقُّ هذا اللقبَ."
"ولماذا؟" سألتْ ليلى، مُستغربةً، فهو رجلٌ ناجحٌ، طيبُ القلبِ، ويُحبُّ عائلتَهُ.
"ربما لأنني أبحثُ عنْ حبٍّ صادقٍ،" قالَ أحمدُ، "حبٍّ يُشبهُ حبَّ أجدادِنا، حبٍّ يقومُ على الاحترامِ والوفاءِ، حبٍّ يُرضي اللهَ."
"وما هيَ صفاتُ هذهِ الفتاةِ التي تبحثُ عنها؟" سألتْ ليلى، وما زالَ الخجلُ يرتسمُ على وجهِها.
"أبحثُ عنْ قلبٍ نقيٍّ، وعنْ روحٍ طيبةٍ، وعنْ فتاةٍ تُشاركُني رؤيتي للحياةِ، وتُقدِّرُ قيمَ العائلةِ والدينِ،" قالَ أحمدُ، وعيناهُ تُركزانِ على ليلى. "فتاةٌ تُشبهُ هذهِ الحديقةَ، جميلةٌ، نقيةٌ، وتُزهرُ بالمحبةِ."
في تلكَ اللحظةِ، شعرتْ ليلى بأنَّ قلبَها يخفقُ بشدةٍ. هلْ كانَ أحمدُ يتحدثُ عنها؟ هلْ كانتْ هيَ الفتاةُ التي يبحثُ عنها؟
"أتمنى أنْ تجدَها يا أحمدَ،" قالتْ ليلى بصوتٍ خفيضٍ، وهيَ تشعرُ بالارتباكِ والسعادةِ في آنٍ واحدٍ.
"ربما أكونُ قدْ وجدتها بالفعلِ،" قالَ أحمدُ، وبدا في صوتهِ شيءٌ منَ الجرأةِ التي لمْ تعهدْها فيهِ.
صمتتْ ليلى، ولمْ تستطعْ أنْ تنطقَ بكلمةٍ. كانتْ كلماته تُثيرُ في نفسِها مشاعرَ مختلطةً. كانَ حبٌّ قديمٌ ينمو ببطءٍ، وكانَ الآنَ يُزهرُ في حديقةِ الذكرياتِ.
"لقدْ تأخرَ الوقتُ،" قالَ أحمدُ، مُتدركًا أنَّهُ قدْ تجاوزَ الحدودَ بعضَ الشيءِ. "يجبُ أنْ أذهبَ الآنَ. ولكنَّني سآتي مرةً أخرى قريبًا، إذا سمحتِ لي."
"أهلًا بكَ في أيِّ وقتٍ،" قالتْ ليلى، وعيناها ما زالتْ تتحدثُ عنْ الكثيرِ.
وقفَ أحمدُ، ونظرَ إلى ليلى للمرةِ الأخيرةِ. كانتْ تبدو كأنها لوحةٌ فنيةٌ، كأنها زهرةٌ نادرةٌ. ابتسمَ لها ابتسامةً دافئةً، ثمَّ استدارَ وغادرَ.
وقفتْ ليلى في الحديقةِ، تُمسكُ بباقةِ الوردِ التي أعطاها إياها. كانتْ رائحةُ الوردِ تُثيرُ في نفسِها شعورًا غريبًا، شعورًا بالسعادةِ والأملِ. هلْ كانتْ هذهِ بدايةَ قصةِ حبٍّ جديدةٍ؟ هلْ كانَ حبٌّ في أرضِ الماضي سينمو ليُزهرَ في حاضرِهم؟