حب الأوطان الجزء الثالث
عاصفة الشك في بحر الأماني
بقلم مريم الحسن
في قلبِ مدينةٍ صاخبةٍ، حيثُ تتلاقى خطوطُ الحياةِ المتعرجةُ، كانَ الدكتورُ خالدُ يتجولُ في مكتبهِ، مُرتديًا ثوبَ الأستاذِ الجامعيِّ المعتادِ. كانتْ عيناهُ الغائرتانِ تُخفيانِ قلقًا دفينًا، وكانَ تفكيرُهُ يَسبحُ في دوامةٍ منْ التساؤلاتِ. حوارُهُ معَ صديقِهِ سميرٌ، وما دارَ بينهما منْ حديثٍ عنْ سارةَ، قدْ أشعلَ فيهِ نارَ الشكِّ والترددِ.
"هلْ حقًا تستحقُّ سارةُ هذا الحبَّ؟" كانَ يترددُ السؤالُ في أروقةِ عقلهِ. "هلْ أنا أهلٌ لأنْ أُقدمَ لها هذا الحبَّ؟"
تذكرَ عمرَهُ، ستينَ عامًا، وتذكرَ سنواتِ الخبرةِ التي أمضاها في دراسةِ الأدبِ، وتذكرَ كيفَ كانَ ينظرُ إلى سارةَ دائمًا كابنةٍ. هذا الفارقُ العمريُّ كانَ يُشكلُ حاجزًا كبيرًا في عقلهِ، حاجزًا منَ التقاليدِ والأعرافِ.
"ولكنْ،" كانَ صوتٌ خفيٌّ يُهمسُ في داخلهِ، "الحبُّ لا يعرفُ العمرَ، ولا يعرفُ المسافاتِ. الحبُّ شعورٌ أسمى، يأتي منَ اللهِ."
كانَ يتذكرُ كلماتِ سارةَ، كيفَ كانتْ تتحدثُ عنْ شغفِها بالأدبِ، عنْ طموحِها، وعنْ إيمانِها بالقيمِ الأصيلةِ. كانَ يرى فيها روحًا شبيهةً بروحهِ، روحًا تبحثُ عنِ المعنى، عنِ الجمالِ.
"لقدْ سافرتْ إلى الخارجِ،" قالَ لنفسِهِ، "وهذا يعني أنها تسعى لبناءِ مستقبلِها. هلْ سأكونُ جزءًا منْ هذا المستقبلِ، أمْ سأبقى مجردَ ذكرى بعيدةٍ؟"
كانَ يخشى أنْ يُقدمَ على خطوةٍ قدْ تُفسدُ العلاقةَ النقيةَ التي تربطُهُ بسارةَ. كانَ يخشى أنْ يُنظرَ إليهِ كمُستغلٍّ، أو كمُغرٍّ لفتاةٍ صغيرةٍ. هذهِ الأفكارُ كانتْ تُشكلُ عبئًا ثقيلًا على صدرِهِ.
في صباحِ اليومِ التالي، ذهبَ خالدٌ إلى الجامعةِ، مُحاولًا أنْ يجدَ في أجواءِ العلمِ والمعرفةِ بعضَ الراحةِ. لكنَّهُ وجدَ نفسهُ مُشتتَ الذهنِ، لا يستطيعُ التركيزَ في محاضراتِهِ. كانَ كلُّ شيءٍ يُذكّرُهُ بسارةَ.
"كيفَ لي أنْ أُخبرَها؟" سألَ نفسَهُ، "وكيفَ ستكونُ ردُّ فعلِها؟"
تذكرَ كيفَ كانتْ تنظرُ إليهِ بعينينِ مليئتينِ بالاحترامِ والحبِّ. هلْ كانَ هذا مجردُ حبٍّ للأستاذِ، أمْ أنهُ كانَ يحملُ شيئًا أعمقَ؟
في الظهيرةِ، وبينما كانَ يتناولُ غداءَهُ في كافتيريا الجامعةِ، رأى سميرًا يقتربُ منهُ.
"كيفَ حالُكَ يا خالدُ؟" سألَ سميرٌ، "ما زلتَ تفكرُ في سارةَ؟"
"نعم،" أجابَ خالدٌ بتنهيدةٍ، "الأمرُ يُقلقُني كثيرًا. أشعرُ بأنني في دوامةٍ لا تنتهي."
"لا تدعْ القلقَ يُسيطرُ عليكَ،" قالَ سميرٌ، "الحبُّ شعورٌ جميلٌ، وليسَ فيهِ ما يُعيبُ. المهمُّ هوَ الصدقُ والنقاءُ."
"ولكنْ، هناكَ فروقاتٌ كثيرةٌ،" قالَ خالدٌ، "فارقُ العمرِ، وفارقُ المكانةِ. هلْ تُدركينَ أنَّ المجتمعَ لنْ يقبلَ بذلكَ؟"
"المجتمعُ لا يصنعُ الحبَّ، يا خالدُ،" قالَ سميرٌ بحكمةٍ، "والحبُّ الصادقُ، إذا كانَ مبنيًا على أسسٍ سليمةٍ، يستطيعُ أنْ يتجاوزَ كلَّ هذهِ العقباتِ."
"ولكنْ، ماذا لوْ لمْ تكنْ سارةُ تُبادلني نفسَ المشاعرِ؟" سألَ خالدٌ، وكانَ صوتُهُ مليئًا بالخوفِ. "ماذا لوْ كانَ الأمرُ مجردَ وهمٍ منْ جانبي؟"
"هذا هوَ الخطرُ الوحيدُ،" قالَ سميرٌ، "أنْ تُقدمَ على خطوةٍ لمْ تكنْ مُستعدةً لها. ولكنْ، كيفَ ستعرفُ إلا إذا حاولتَ؟"
"المحاولةُ قدْ تُفسدُ كلَّ شيءٍ،" قالَ خالدٌ، "فقدْ أخسرُ صداقتها، وأخسرُ مكانتي في حياتِها."
"وإذا لمْ تُحاولْ، فقدْ تخسرُ فرصةَ حياةٍ قدْ تكونُ أسعدَ ما في حياتِكَ،" قالَ سميرٌ، "والأهمُّ منْ كلِّ ذلكَ، أنْ تطلبَ منَ اللهِ أنْ يُرشدَكَ في طريقِكَ."
نظرَ خالدٌ إلى سميرٍ، وشعرَ ببعضِ الارتياحِ. لقدْ كانَ سميرٌ دائمًا صديقًا وفيًّا، ونِ