حب الأوطان الجزء الثالث
سَكَارَى الظِّلالِ
بقلم مريم الحسن
تَجَهَّمَ الصَّبَاحُ عَلَى وَجْهِ "عَائِدٍ" كَمَا تَجَهَّمَتْ جَبِينُهُ الأَبِيضُ وَهُوَ يُحَدِّقُ فِي الفَرَاغِ المُتَّسِعِ أَمَامَ نَافِذَةِ غُرْفَتِهِ. لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الصَّبَاحُ كَغَيْرِهِ؛ فَقَدْ تَكَرَّرَتْ أَمَامَ عَيْنَيْهِ لَيْلَةُ الأَمْسِ فِي طُوفَانٍ مِنَ الذِّكْرَيَاتِ المُؤْلِمَةِ. الأَصْوَاتُ العَالِيَةُ، ضَحِكَاتُ الرِّجَالِ وَهُمْ يَقْتَسِمُونَ لُقَمَ الحَيَاةِ، وَنَظَرَاتُ "خَالِدٍ" المُتَلَفِّتَةُ، كُلُّ ذَلِكَ كَانَ يَتَجَدَّدُ فِي ذَاكِرَتِهِ كَشَرِيطٍ سِينَمَائِيٍّ لَا يَعْرِفُ لِلتَّوَقُّفِ سَبِيلًا. شَعَرَ بِأَنَّهُ كَثِيرًا مَا ضَاقَ بِأَجْوَاءِ البَيْتِ، وَأَنَّهُ كَثِيرًا مَا بَحَثَ عَنْ مَنْفَذٍ، لَكِنَّهُ لَمْ يَتَخَيَّلْ يَوْمًا أَنَّ ذَلِكَ المَنْفَذَ سَيَكُونُ فِي بَاطِنِ لَيْلٍ مُرْهَقٍ، يَحْمِلُ مَعَهُ شَرَابًا يُنْسِيهُ هُمُومَ الدُّنْيَا، وَيُحَوِّلُهُ إِلَى سَكْرَانٍ غَيْرِ مُدْرِكٍ لِمَا حَوْلَهُ.
تَذَكَّرَ كَيْفَ بَدَأَ كُلُّ شَيْءٍ؛ بِلَمْحَةٍ بَرِيقٍ فِي عَيْنَيْ "خَالِدٍ"، وَبِوَعْدٍ مُغْرٍ بِأَنَّهُ سَيَجِدُ فِيهِ رَاحَةً لِقَلْبِهِ المُتَعَبِ. كَانَ "عَائِدٌ" يَعَانِي مِنْ ضُغُوطٍ كَبِيرَةٍ فِي عَمَلِهِ، وَمِنْ شُعُورٍ بِالعَزْلَةِ، فَقَدْ بَدَا لَهُ أَنَّ أَقْرَبَ النَّاسِ إِلَيْهِ لَمْ يَعُودُوا يُدْرِكُونَ حَجْمَ مَا يَجُولُ فِي خَاطِرِهِ. وَفِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مِنَ الضَّعْفِ، ظَهَرَ "خَالِدٌ" كَنَجَاةٍ، كَمَنْقِذٍ مِنْ غَرَقٍ مُحَقَّقٍ. لَكِنَّ تِلْكَ النَّجَاةَ كَانَتْ مُزَيَّفَةً؛ سَبَبًا لِغَرَقٍ أَشَدَّ.
تَشَدَّدَتْ قَبْضَةُ "عَائِدٍ" عَلَى حَافَّةِ النَّافِذَةِ، كَأَنَّهُ يُحَاوِلُ التَّمَسُّكَ بِشَيْءٍ صُلْبٍ فِي عَالَمٍ بَدَا لَهُ أَنَّهُ يَتَفَتَّتُ. لَمْ تَكُنْ المُشْكِلَةُ فَقَطْ فِي الشَّرَابِ نَفْسِهِ، بَلْ فِي الشُّعُورِ بِالذَّنْبِ وَالخَجَلِ الَّذِي لَازَمَهُ بَعْدَ ذَلِكَ. لَاحَظَ كَيْفَ أَنَّهُ بَدَأَ يَتَجَنَّبُ أَعْيُنَ أُمِّهِ، كَيْفَ بَدَأَ يَتَخَلَّقُ الأَعْذَارَ لِتَأَخُّرِهِ، وَكَيْفَ أَنَّهُ بَدَأَ يَشْعُرُ بِالضِّيقِ عِنْدَمَا يَتَحَدَّثُ مَعَ "لَيْلَى". لَقَدْ سَرَقَ الشَّرَابُ مِنْهُ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنَ الوَعْيِ؛ سَرَقَ مِنْهُ رَاحَتَهُ، وَسَرَقَ مِنْهُ قُدْرَتَهُ عَلَى مُوَاجَهَةِ نَفْسِهِ وَمَنْ يُحِبُّ.
تَذَكَّرَ وَعْدَهُ الَّذِي قَطَعَهُ لِوَالِدِهِ قَبْلَ سَنَوَاتٍ؛ وَعْدٌ بِأَنْ يَكُونَ رَجُلًا صَالِحًا، رَجُلًا يُفَاخِرُ بِهِ. كَانَ ذَلِكَ الوَعْدُ كَالشَّعْلَةِ الَّتِي أَنْقَذَتْهُ مِنْ ظُلُمَاتِ المَاضِي. لَكِنَّهُ الآنَ، بَدَا كَأَنَّهُ يُطْفِئُ تِلْكَ الشَّعْلَةَ بِيَدِهِ. لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرَى مَعْلَمَ الوَجْهِ لِـ "لَيْلَى" فِي خَيَالِهِ؛ كَانَ يَخْشَى أَنْ يَرَى فِيهَا خَيْبَةَ الأَمَلِ، أَوْ الأَسْوَأ مِنْ ذَلِكَ، الاِزْدِرَاءَ. كَانَتْ "لَيْلَى" نَقَاءً طَاهِرًا، تَتَجَسَّدُ فِيهَا كُلُّ الصِّفَاتِ الحَسَنَةِ الَّتِي كَانَ يَحْلُمُ بِهَا فِي زَوْجَتِهِ. وَهُوَ، بِفِعْلِهِ هَذَا، كَانَ يُلَوِّثُ ذَلِكَ النَّقَاءَ بِحُضُورِهِ المُشَوَّه.
قَرَّرَ "عَائِدٌ" أَنْ يُقَابِلَ "خَالِدًا" مَرَّةً أُخْرَى. لَمْ يَكُنْ قَدْرَهُ عَلَى مُقَاوَمَةِ الإِغْرَاءِ؛ بَلْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ إِنْ لَمْ يُوَاجِهِ الأَمْرَ، فَسَوْفَ يَغْرَقُ أَكْثَرَ. ذَهَبَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي كَانَا يَلْتَقِيَانِ فِيهِ، وَقَدْ شَعَرَ بِشَيْءٍ مِنْ الخَوْفِ وَقَدَرٍ مِنَ الأَمَلِ. وَجَدَ "خَالِدًا" جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ مُتَشَابِكِ الأَرْجُلِ، وَفِي يَدِهِ كَأْسٌ لَا يَخْفَى مَا فِيهَا. لَمْ يُحَاوِلْ "خَالِدٌ" التَّظَاهُرَ بِالبَرَاءَةِ. بَدَأَ مُبَاشَرَةً: "أَهْلًا بِكَ يَا صَدِيقِي. بَدَا عَلَيْكَ الإِرْهَاقُ. أَلَمْ تَنْعَمْ بِنَوْمٍ هَنِيءٍ؟"
أَخَذَ "عَائِدٌ" نَفَسًا عَمِيقًا، وَقَالَ بِصَوْتٍ مُتَرَدِّدٍ: "خَالِدٌ، أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ ذَلِكَ بَعْدَ الآنَ." ضَحِكَ "خَالِدٌ"، ضَحْكَةً خَالِيَةً مِنَ الأُنْسِ، وَقَالَ: "لِمَاذَا؟ هَلْ خِفْتَ عَلَى نَفْسِكَ؟ أَوْ عَلَى مَنْ تُحِبُّ؟" "عَائِدٌ" رَفَعَ رَأْسَهُ، وَشَدَّ عَلَى أَعْصَابِهِ، وَقَالَ: "كُلَاهُمَا. لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّ الأَمْرَ سَيُصْبِحُ هَكَذَا. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّهَا مُجَرَّدُ لَحْظَةٍ نَنْسَى فِيهَا هُمُومَنَا." "خَالِدٌ" أَمْسَكَ بِكَأْسِهِ، وَشَرِبَ جُرْعَةً، ثُمَّ قَالَ: "لَكِنَّهَا لَيْسَتْ مُجَرَّدَ لَحْظَةٍ. إِنَّهَا طَرِيقٌ. طَرِيقٌ نَجِدُ فِيهِ أَنْفُسَنَا بَعِيدًا عَنِ الضُّغُوطِ وَالمَسْؤُولِيَّاتِ. هَلْ تَعْلَمُ كَمْ هِيَ مُرْهِقَةٌ الحَيَاةُ؟ كَمْ هِيَ ثَقِيلَةٌ الأَثْقَالُ؟ هَذَا الشَّرَابُ يُخَفِّفُ عَنَّا." "لَكِنَّهُ يُدَمِّرُنَا!" صَرَخَ "عَائِدٌ" وَقَدْ فَقَدَ السَّيْطَرَةَ قَلِيلًا. "أَنَا لَا أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ رَجُلًا يَخْفَى فِي الظِّلَالِ. أُرِيدُ أَنْ أَكُونَ رَجُلًا يَعِيشُ فِي النُّورِ."
شَعَرَ "عَائِدٌ" بِالدَّمِ يَتَدَفَّقُ فِي عُرُوقِهِ بِغَضَبٍ مُسْتَعِرٍ. لَمْ يَكُنْ يُحَارِبُ "خَالِدًا" فَقَطْ، بَلْ كَانَ يُحَارِبُ الشَّيْطَانَ الَّذِي اسْتَوْطَنَ نَفْسَهُ. نَظَرَ إِلَى "خَالِدٍ" بِشَيْءٍ مِنَ الاِزْدِرَاءِ، وَقَالَ: "أَنْتَ لَسْتَ مِثْلِي. أَنَا لَدَيَّ شَيْءٌ أَكْبَرُ لِأَجْلِهِ. لَدَيَّ أَهْلٌ، وَلَدَيَّ امْرَأَةٌ أُحِبُّهَا." خَفَّتَ ضِحْكَةُ "خَالِدٍ" قَلِيلًا، وَتَرَدَّدَ عَلَى شَفَتَيْهِ شَيْءٌ مِنْ التَّعَجُّبِ. "وَهَلْ تَظُنُّ أَنَّ هَؤُلَاءِ سَيُحِبُّونَكَ وَأَنْتَ فِي هَذِهِ الحَالَةِ؟" سَأَلَ بِسُخْرِيَةٍ. "أَظُنُّ أَنَّكَ أَخْطَأْتَ البَحْثَ عَنِ الرَّاحَةِ. هَذِهِ الحَلِيبَةُ هِيَ الرَّاحَةُ الحَقِيقِيَّةُ. مَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَى، فَلْيَشْرَبْ."
خَرَجَ "عَائِدٌ" مِنْ ذَلِكَ المَكَانِ وَقَدْ أَثْقَلَتْهُ كَلِمَاتُ "خَالِدٍ". لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ مَا إِذَا كَانَ قَدْ قَاوَمَ أَوْ لَمْ يُقَاوِمْ. كُلُّ مَا يَعْلَمُهُ أَنَّهُ مَا زَالَ يَشْعُرُ بِالفَرَاغِ، وَأَنَّهُ مَا زَالَ يُحَسُّ بِالحَاجَةِ إِلَى شَيْءٍ يُذْهِبُ عَنْهُ الأَلَمَ. وَمَعَ ذَلِكَ، كَانَتْ هُنَاكَ بَذْرَةٌ صَغِيرَةٌ مِنَ الأَمَلِ قَدْ زُرِعَتْ فِي قَلْبِهِ. كَانَتْ بَذْرَةَ المَقَاوَمَةِ. كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ يَسْقُطُ مَرَّةً أُخْرَى، لَكِنَّهُ لَنْ يَسْتَسْلِمَ. سَوْفَ يُحَاوِلُ، وَيُحَاوِلُ، حَتَّى يَجِدَ الطَّرِيقَ الصَّحِيحَ، الطَّرِيقَ الَّذِي يُرْضِي رَبَّهُ، وَيُسْعِدُ أَهْلَهُ، وَيُبْقِي عَلَى نَقَاءِ "لَيْلَى".