حب الأوطان الجزء الثالث

سِهَامُ النَّدَمِ

بقلم مريم الحسن

تَجَلَّتْ الحَقِيقَةُ لـ "عَائِدٍ" كَأَفْعَى تَنْفُثُ سُمَّهَا فِي عُرُوقِ الوَاقِعِ. كَانَ الجُلُوسُ أَمَامَ "لَيْلَى"، وَقَدْ غَشِيَتْ عَيْنَيْهَا دُمُوعُ الأَلَمِ، أَكْثَرَ إِيْلَامًا مِنْ أَيِّ شَيْءٍ شَعَرَ بِهِ مِنْ قَبْلُ. كَانَتْ كَلِمَاتُهُ تَتَقَاطَعُ فِي حَلْقِهِ، تُحَاوِلُ الخُرُوجَ، لَكِنَّهَا تَعُودُ كَسِهَامِ النَّدَمِ تُصِيبُ قَلْبَهُ. تَرَكَّزَتْ كُلُّ أَلْفَاظِهِ فِي هَذِهِ اللَّحْظَةِ، أَرَادَ أَنْ يَنْطِقَ بِالحَقِّ، لَكِنَّهُ خَافَ عَلَى ذَلِكَ النَّقَاءِ الَّذِي يَتَجَلَّى فِي وَجْهِهَا.

"أَنَا... أَنَا... لَمْ أَكُنْ أُرِيدُ ذَلِكَ," بَدَأَ "عَائِدٌ"، وَصَوْتُهُ يَخْرُجُ مُتَقَطِّعًا كَأَنَّهُ يَجْرُفُهُ سَيْلٌ هَائِلٌ. "لَقَدْ كُنْتُ أَشْعُرُ بِضَغْطٍ شَدِيدٍ، وَرُبَّمَا... رُبَّمَا بَعْضُ الحُزْنِ. وَرَأَيْتُ فِي... فِي ذَلِكَ السِّرَابِ رَاحَةً." "أَيُّ سِرَابٍ يَا عَائِدٌ؟" سَأَلَتْ "لَيْلَى"، وَقَدْ زَادَ الاِسْتِفْهَامُ مِنْ قَلَقِهَا. "أَتَتَحَدَّثُ عَنِ الشَّرَابِ؟" لَمْ يَسْتَطِعْ "عَائِدٌ" أَنْ يُنْكِرَ. هَزَّ رَأْسَهُ ببطءٍ، مُعْتَرِفًا بِالصَّمْتِ. كَانَ ذَلِكَ الاِعْتِرَافُ أَثْقَلَ مِنْ كُلِّ الأَوْزَانِ الَّتِي حَمَلَهَا. "نَعَمْ. بَدَأَ الأَمْرُ بِشَيْءٍ قَلِيلٍ، ثُمَّ... ثُمَّ أَصْبَحَ شَيْئًا أَكْثَرَ. كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّنِي أَقْوَى مِنْ ذَلِكَ."

شَعَرَ بِيَدِ "لَيْلَى" تَنْفَلِتُ مِنْ يَدِهِ بِبُطْءٍ، كَأَنَّهَا تَنْفَلِتُ مِنْ بَرْدِ الثَّلْجِ. لَمْ تُعَاتِبْهُ، لَمْ تَصْرُخْ. كَانَ صَمْتُهَا هُوَ مَا أَفْزَعَهُ أَكْثَرَ. كَانَ يَرَى فِي عَيْنَيْهَا حُزْنًا عَمِيقًا، حُزْنًا لَا يَنْمَحِي. بَدَا كَأَنَّهَا تَرَى رَجُلًا آخَرَ، رَجُلًا لَمْ تَعْرِفْهُ مِنْ قَبْلُ.

"لَمْ أَتَخَيَّلْ أَبَدًا أَنَّكَ قَدْ تَفْعَلُ ذَلِكَ يَا عَائِدٌ," قَالَتْ بِصَوْتٍ خَافِتٍ، تَرْدِيدٌ لِأَلَمٍ عَمِيقٍ. "أَنَا... أَنَا لَا أَعْرِفُ مَاذَا أَقُولُ." "أَعْلَمُ أَنَّكِ مُخَيَّبَةُ الأَمَلِ. وَأَنَا... أَنَا أَتَأَسَّفُ. أَتَأَسَّفُ لِأَنِّي خَيَّبْتُ ظَنَّكِ، وَخَيَّبْتُ ظَنَّ نَفْسِي." كَانَتْ كَلِمَاتُ "عَائِدٍ" تَرْخُصُ أَمَامَ حَجْمِ خَطَئِهِ.

"المُشْكِلَةُ لَيْسَتْ فِي خَيْبَةِ الأَمَلِ يَا عَائِدٌ," قَالَتْ "لَيْلَى"، وَبَدَأَتْ تَتَحَرَّكُ مِنْ مَكَانِهَا، تَقِفُ أَمَامَ النَّافِذَةِ، تَنْظُرُ إِلَى سُقُوطِ المَطَرِ. "المُشْكِلَةُ أَنَّكَ لَمْ تُشَارِكْنِي مَا تَمُرُّ بِهِ. لَقَدْ اِخْتَرْتَ أَنْ تَحْمِلَ عِبْئَكَ وَحْدَكَ، وَأَنْ تَجِدَ رَاحَتَكَ فِي مَكَانٍ لَا يَجْلِبُ إِلَّا الضَّيَاعَ." "كُنْتُ أَخَافُ," اعْتَرَفَ "عَائِدٌ"، وَقَدْ بَدَا أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ مَعَ نَفْسِهِ أَكْثَرَ مِنْهَا. "كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تَرَى هَذِهِ الجِهَةَ المَظْلِمَةَ مِنِّي. كُنْتُ أَخَافُ أَنْ تُبْعِدِينِي." "هَلْ تُصَدِّقُ أَنِّي قَدْ أَفْعَلُ ذَلِكَ؟" سَأَلَتْ "لَيْلَى"، وَقَدْ اِلتَفَتَتْ إِلَيْهِ، وَبَدَتْ عَيْنَاهَا تَتَوَهَّجَانِ بِالدَّمِوعِ. "بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ؟"

"عَائِدٌ" نَظَرَ إِلَيْهَا، وَرَأَى فِيهَا حُبًّا لَا يَنْطَفِئُ. رَأَى أَنَّهَا لَمْ تَسْتَسْلِمْ لِلْيَأْسِ، بَلْ كَانَتْ تُحَاوِلُ أَنْ تَنْقَذَهُ. "لَا. لَمْ أُصَدِّقْ. لَكِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ يُوَسْوِسُ لِي. كَانَ يَقُولُ لِي إِنَّكَِ سَتَكْرَهُينِي، إِنَّكِ سَتَبْغُضِينِي."

"لَا. لَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ." قَالَتْ "لَيْلَى"، وَتَقَدَّمَتْ نَحْوَهُ، وَأَخَذَتْ بِيَدِهِ مَرَّةً أُخْرَى. كَانَتْ يَدُهُ بَارِدَةً، لَكِنَّ لَمْسَتَهَا كَانَتْ تَبُثُّ الدِّفْءَ فِي قَلْبِهِ. "أَنَا أُحِبُّكَ يَا عَائِدٌ. وَحُبِّي لَكَ لَنْ يَنْقُصَ بِسَبَبِ خَطَأٍ. كُلُّنَا نُخْطِئُ. المُهِمُّ هُوَ أَنْ نَتَع

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%