الزوجة المختارة
همسةٌ في صحراء الروح
بقلم ليلى الأحمد
كانت نسمةٌ باردةٌ، لكنها لم تخفف حرارةَ العرقِ المتصببِ على جبينِ ليلى. وقفتْ عند حافةِ الرمالِ الذهبيةِ، ترقُبُ الأفقَ البعيدَ حيثُ تتلاشى الشمسُ خلفَ تلالٍ صامتةٍ، تاركةً وراءها لوحةً من الألوانِ تتدرجُ من البرتقاليِ الملتهبِ إلى البنفسجيِ العميقِ. لم يكنْ هذا المشهدُ الذي استدعى ليلى إلى هذهِ البقعةِ النائيةِ من البلادِ، بل كانَ الثقلَ الذي استقرَّ في صدرِها، ثقلَ مسؤوليةٍ مفروضةٍ، وأملٍ واهٍ تتشبثُ بهِ.
"هل أنتِ مستعدةٌ يا ابنتي؟"
جاءَ الصوتُ العميقُ لعبدِ الرحمنِ، جدِّها، كأنَّهُ صدىً من زمنٍ غابرٍ. التفَتَتْ ليلى، فوجدتْهُ واقفاً خلفَها، ترتسمُ على وجهِهِ التجاعيدُ التي حفرتها السنونُ، لكنَّ عينيهِ كانتا تحملانِ بريقاً من الحكمةِ والقوةِ. كانَ عمودَ العائلةِ، ومرساةَ تقاليدِهم، وفي عينيهِ، رأتْ ليلى وعداً بالنجاةِ، أو ربما، نذيراً بالفشلِ.
"نعم يا جدي، مستعدةٌ، قدرَ استطاعتي." أجابتْ ليلى بصوتٍ ترتجفُ حروفُهُ قليلاً. كانَ لفظُ "مستعدةٌ" يزنُ أضعافَ ما تعنيهِ، فهو لا يتعلقُ بعبورِ صحراءٍ جسديةٍ، بل باجتيازِ بحرٍ من التوقعاتِ والآمالِ.
وضعَ عبدُ الرحمنِ يدهُ على كتفِ ليلى، دفئُها غمرَ ذراعَها. "القدرُ يسيرُ في دروبٍ لا نعلمُها، ولكنَّ الثباتَ على الحقِّ، وحسنَ الظنِّ باللهِ، هما بوصلتُنا. تذكري ما قلتُهُ لكِ دائماً، قلوبُ البشرِ مرآةُ أعمالِهم، فاجعلي عملَكِ نقياً، وقلبَكِ طاهراً."
تنهدتْ ليلى بعمقٍ، تحاولُ استيعابَ كلماتِ جدِّها، وهي تتذكرُ سببَ وجودِها هنا. قبلَ شهرٍ، تلقتْ خبرَ مرضِ والدتِها المفاجئِ، ثمَّ الأدهى، خبرَ مرضِ عمِّها، الزوجِ الوحيدِ لأختِ جدِّها، والذي كانَ يعيشُ وحيداً في هذهِ البقعةِ النائيةِ، لرعايتِها. لم يكنْ العمُّ سليمانُ مجردَ رجلٍ عجوزٍ، بل كانَ عمودَ أسرةٍ بأكملِها، ورثَ ثروةً لا بأسَ بها، لكنَّهُ لم ينجبْ. وعلمتْ ليلى، من خلالِ همساتٍ متناقلةٍ، أنَّ العمَّ سليمانَ قدْ تركَ وصيةً غريبةً: زواجُ أحدِ أبناءِ أخواتِهِ، أو أحدِ أحفادِهنَّ، من فتاةٍ من عائلةٍ معروفةٍ بالصلاحِ والتقوى، مقابلَ أنْ يرثَ هذا الزوجُ نصفَ ثروتهِ، معَ شرطٍ إضافيٍّ: أنْ تستقرَّ الزوجةُ معه في بيتِهِ الريفيِّ الكبيرِ، وأنْ تعتنيَ بهِ وتُحسِنَ إليهِ.
كانَ هذا الشرطُ هوَ العقدةَ التي عقدتْ ليلى. كانتْ هيَ الفتاةَ الوحيدةَ التي استوفتْ شروطَ العائلةِ، ووالدتُها، هيَ الأختُ الوحيدةَ المتبقيةَ لجدِّها، وكانتْ هيَ الابنةُ الوحيدةَ التي تستطيعُ تحملَ مسؤوليةٍ كهذهِ. كانَ الأمرُ بمثابةِ فرضٍ، وقبولِهِ يعني التضحيةَ بكثيرٍ من أحلامِها.
"لقدْ أعددنا كلَّ شيءٍ يا ليلى. ستكونُ هناكَ خادمةٌ ترعى شؤونَ المنزلِ، والطباخةُ ستأتي يومياً. دورُكِ هوَ القربُ منهُ، وحسنُ صحبتِهِ، وإشعارُهُ بالأمانِ." قالَ عبدُ الرحمنِ، وصوتُهُ يحملُ نبرةَ تأكيدٍ.
نظرتْ ليلى إلى القصرِ الريفيِّ الذي يبدو كأنهُ خارجٌ من صفحاتِ كتابٍ قديمٍ. مبنى حجريٌّ ضخمٌ، تحيطُ بهِ أشجارُ النخيلِ الشاهقةُ، وحدائقُ واسعةٌ تبدو مهملةً بعضَ الشيءِ. كانتْ هذهِ هيَ وجهتُها، وهذهِ هيَ الحياةُ الجديدةُ التي تنتظرُها.
"منْ هوَ الزوجُ يا جدي؟" سألتْ ليلى، صوتُها بالكادِ مسموعٌ. كانتْ تعلمُ أنَّ أحدَ أبناءِ عمومتِها، أو أبناءِ خالاتِها، سيتولى الأمرَ، ولكنَّها لم تعرفْ الاسمَ قط.
ابتسمَ عبدُ الرحمنِ ببطءٍ. "هذا هوَ الجزءُ الأهمُّ يا ليلى. لقدْ تمَّ الاختيارُ. إنهُ شابٌّ من عائلةٍ كريمةٍ، معروفٌ بدينِهِ وخلقِهِ، ورعٌ لوالديهِ، وإنْ كانَ قدْ تأخرَ في الزواجِ. اسمهُ… أحمد."
أحمد. الاسمُ ترددَ في أذنَي ليلى كصدىً غيرِ مألوفٍ. لم يكنْ لديها أيُّ تصورٍ عن هذا الرجلِ. هلْ هوَ شابٌّ صغيرٌ؟ أمْ رجلٌ في منتصفِ العمرِ؟ هلْ هوَ راضٍ عن هذا الزواجِ، أمْ أنهُ يرى فيهِ مجردَ واجبٍ؟
"عائلةُ أحمدٍ؟" استفسرتْ ليلى.
"عائلةٌ طيبةٌ، منْ أهلِ الخيرِ والصلاحِ. والدُهُ، الشيخُ إبراهيمُ، لهُ مكانتُهُ في المجتمعِ، وأمُّهُ، السيدةُ فاطمةُ، امرأةٌ صالحةٌ بارةٌ بآلِها. سيعاملُكِ كما يجبُ أنْ تُعاملي، وأنا واثقٌ منْ ذلك."
حاولتْ ليلى أنْ تتلمسَ أيَّ شعورٍ تجاهَ هذا الاسمِ الجديدِ، ولكنَّ قلبَها بقيَ ساكناً. لم تشعرْ لا بخوفٍ ولا بترحيبٍ. مجردُ فراغٍ ينتظرُ أنْ يُملأ.
"لقدْ أعددنا لكمْ جناحاً خاصاً في القصرِ، وسيتمُّ عقدُ القرانِ غداً بحضورِ عددٍ قليلٍ منَ الأقاربِ. وبعدَها، ستبدأُ حياتُكُما معاً." قالَ عبدُ الرحمنِ، ثمَّ أضافَ بنبرةٍ أشدَّ جديةً: "أتمنى أنْ تتذكري، يا ليلى، أنَّ هذهِ ليستْ مجردَ صفقةٍ ماليةٍ. إنها فرصةٌ لإصلاحِ ما فسدَ، ولإحياءِ روحِ التآخي والمحبةِ في العائلةِ. وربما، هيَ بدايةُ قصةٍ أجملُ مما نتخيلُ."
نظرَ عبدُ الرحمنِ إلى ليلى بعينينِ تحملانِ الأملَ والحكمةَ. ثمَّ أردفَ: "أنا متعبٌ الآنَ. سأتركُكِ تستريحينَ. سأبعثُ لكِ بالخادمةِ الجديدةِ، وهيَ ستُعطيكِ كلَّ التفاصيلِ. استودعتُكِ اللهَ."
تركَ عبدُ الرحمنِ ليلى وحدَها، وهيَ تقفُ على حافةِ الغروبِ، وصوتُ جدِّها لا يزالُ يترددُ في أذنَيها. همسةٌ في صحراءِ روحِها، بدايةُ فصلٍ جديدٍ، قصةُ "الزوجةِ المختارةِ" التي بدأتْ تتشكلُ في صمتِ الصحراءِ، تحتَ سماءٍ تزينتْ بنجومِ المساءِ الأولى. أدارتْ ليلى وجهَها نحو القصرِ، وبدأتْ تسيرُ بخطواتٍ متثاقلةٍ، تحملُ معها ثقلَ الماضي، وحيرةَ المستقبلِ، وأملاً صغيراً في قلبِها.