الزوجة المختارة

بوحٌ سرّي ورياحٌ غيّرت مجرى

بقلم ليلى الأحمد

اجتمعتْ أسرةُ السيدِ أحمدَ في مجلسِ الرجالِ، تعلو وجوهَهم نسماتُ القلقِ الممزوجِ بالترقبِ. كانتْ "ليلى" قدْ استأذنتْ والدتَها، ثمّ اختفتْ خلفَ بابِ غرفتها، تحملُ في صدرِها أثقالَ حديثٍ باتَ يُثقلُ روحَها. لمْ تكنْ تتخيّلُ أبدًا أنْ يصلَ بها الحالُ إلى هذا الموقفِ، حيثُ تُصبحُ هيَ نفسها محورَ نقاشٍ يرتدُّ صداهُ في جنباتِ البيتِ.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ "يوسفُ" قدْ أتمَّ صلاتَهُ، وفتحَ المصحفَ مستعيدًا آياتٍ تُطمئنُ القلبَ، وتُذكرُ بأنَّ اللهَ معَ الصابرينَ. لمْ يكنْ يخفي عنْ نفسهِ حجمَ التحديِّ الذي يلوحُ في الأفقِ، لكنَّ إيمانَهُ العميقَ كانَ لهُ سندًا. كانتْ صورَةُ "ليلى" تترددُ في مخيلتِهِ، بريقُ عينَيها الهادئِ، وابتسامتُها الرقيقةُ التي اكتسبتْ معانيَ جديدةً لديهِ.

جلسَ السيدُ أحمدُ، والدمعةُ الخافتةُ تلعبُ في محجرِ عينِهِ، وقالَ بصوتٍ يعتصرُهُ الأسى: "أيها الأخوةُ، يا أبناءَ عمومتي. جئتُكم اليومَ بقلبٍ يعتصرهُ الألمُ، وبأمرٍ باتَ يُثقلُ كاهلي. ابنتي "ليلى" ... لقدْ باتَ أمرُها في ذمةِ اللهِ، ثمَّ في عُهدتِكم. ولكنْ، لقدْ طرأتْ أمورٌ غيّرتْ وجهَ المسارِ الذي رسمناهُ لها."

تنهدَ عمُّهُ الأكبرُ، السيدُ خالدٌ، بحكمةٍ وهدوءٍ: "يا أبا "حسامٍ"، نحنُ نثقُ بكَ وبحكمتِكَ. قلْ ما عندكَ، فكلُّنا أبٌ واحدٌ لـ "ليلى". ما الذي يُعكّرُ صفوَ أمرٍ كانَ من المفترضِ أنْ يكونَ سارًّا لنا جميعًا؟"

استجمعَ السيدُ أحمدُ قواهُ، وقالَ: "إنَّ "سعيدًا"، خطيبَ ابنتي، لمْ يعدْ كما كانَ. لقدْ علمتُ منْ مصادرَ موثوقةٍ، بلْ منْ شهودٍ عيانٍ، أنَّهُ يتورطُ في أمورٍ لا تليقُ برجلٍ مسلمٍ، ورجلٍ ذي مكانةٍ. إنَّهُ يدخلُ في صفقاتٍ مشبوهةٍ، ويتعاملُ معَ أشخاصٍ ذوي سُمعةٍ سيئةٍ. وقدْ تأكدتُ منْ ذلكَ مرارًا وتكرارًا. قلبي لا يطاوعني أنْ أُسلِّمَ ابنتي لمنْ قدْ تكونُ نهايتُهُ وخيمةً."

خيمَ صمتٌ ثقيلٌ على المجلسِ. كانَ الخبرُ صادمًا، وخاصةً وأنَّ زفافَ "ليلى" و"سعيدٍ" باتَ قريبًا. قامَ السيدُ خالدٌ، ومشى بخطواتٍ بطيئةٍ نحو السيدِ أحمدَ، ووضعَ يدَهُ على كتفهِ: "الحمدُ للهِ أنَّكَ علمتَ بالأمرِ قبلَ فواتِ الأوانِ. دينُنا يُحذّرُنا منْ تزويجِ الفتياتِ ممنْ لا يُرضى دينُهُ وخُلُقُهُ. ولكنْ، ماذا عنْ "سعيدٍ" نفسه؟ هلْ واجهتَهُ؟ هلْ سمعتَ منهُ؟"

أجابَ السيدُ أحمدُ بحسرةٍ: "لقدْ حاولتُ مرارًا، ولكنَّهُ يتهربُ مني، ويدّعي الانشغالَ. وباتَ وجودُهُ في المنزلِ يكادُ ينعدمُ. أما سمعتُ منهُ، فقدْ قالَ لي ذاتَ مرةٍ، عندما أبديتُ لهُ بعضَ التحفظاتِ: "يا عمي، الحياةُ فيها مكاسبُ ومخاطرُ. أنا رجلٌ أُديرُ أعمالي، ولا وقتَ لديَّ للثرثرةِ. ثقْ بي، أنا أعرفُ ما أفعلُ." كلامٌ لمْ يُسمنْ ولمْ يُغنِ من جوعٍ."

تحدثَ شابٌ منْ آلِ السيدِ أحمدَ، يُدعى "عليٌّ"، وهوَ ابنُ عمٍّ قريبٍ لـ "ليلى"، وكانَ معروفًا بذكائهِ وحذرِهِ: "يا عمي، لقدْ سمعتُ همساتٍ عنْ "سعيدٍ" قبلَ أشهرٍ، ولكنّي لمْ أُعرها اهتمامًا كبيرًا، ظننتُها مجردَ أقاويلَ. ولكنْ الآنَ، وبعدَ كلامِكَ، بدأتُ أرى الصورةَ تتضحُ. هلْ لديكَ دليلٌ قاطعٌ يا عمي؟ شيءٌ يُثبتُ ما تقولُ؟"

فكرَ السيدُ أحمدُ قليلًا، ثمَّ قالَ: "لديَّ بعضُ المستنداتِ التي حصلتُ عليها بطريقةٍ غيرِ مباشرةٍ، تُشيرُ إلى تحويلاتٍ ماليةٍ مشبوهةٍ. ولكنَّها ليستْ دليلًا كافيًا لإدانتهِ بشكلٍ قاطعٍ أمامَ القانونِ أو أمامَ أهلِهِ. ما أخشاهُ هوَ أنْ يُصبحَ ذلكَ ذريعةً لهُ لرفضِ الزواجِ، أو أنْ يُنكرَ كلَّ شيءٍ ويُصبحُ الوضعُ معقدًا أكثرَ."

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" قدْ فتحتْ بابَ غرفتها، وشاهدتْ والدها يجلسُ معَ أعيانِ العائلةِ. كانتْ تنوي الاقترابَ، ولكنَّها سمعتْ اسمَها يُذكرُ، ورأتْ ملامحَ القلقِ على وجوهِ الرجالِ. عادتْ إلى غرفتها، وجلستْ على حافةِ سريرِها، تتأملُ زجاجَ النافذةِ الذي يعكسُ وجهَها شاحبًا. ما الذي يدورُ؟ ولماذا يشعرُ قلبُها بهذا الاضطرابِ؟

تحدثَ السيدُ خالدٌ بجديةٍ: "عليٌّ، أنتَ شابٌ واسعُ البصرِ، ومُدركٌ لما يدورُ حولَكَ. ألا يمكنكَ أنْ تحاولَ، بشكلٍ غيرِ مباشرٍ، أنْ تستقصيَ عنْ "سعيدٍ"؟ أنْ تعرفَ حقيقةَ هذهِ الأمورِ؟ إنَّ مستقبلَ "ليلى" ليسَ لعبةً، بلْ هوَ أمانةٌ في أعناقِنا."

تطوعَ "عليٌّ" فورًا: "بإذنِ اللهِ يا عمي، سأبذلُ قصارى جهدي. سأحاولُ أنْ أُكوّنَ صداقةً معَ بعضِ معارفِهِ، أو أنْ أتظاهرَ بالاهتمامِ ببعضِ مجالاتِ عملِهِ. سأكونُ حذرًا قدرَ الإمكانِ، ولنْ أُعرّضَ نفسي أو "ليلى" لأيِّ خطرٍ."

شعرَ السيدُ أحمدُ براحةٍ خفيفةٍ، وشكرَ "عليًّا" على مبادرتهِ. ولكنَّ القلقَ ظلَّ يساورُهُ. لقدْ أصبحتِ الأمورُ متشعبةً، ولمْ يعدِ الحلُّ بسيطًا. كانَ عليهِ أنْ يجدَ طريقةً لحمايةِ ابنتِهِ، وفي نفسِ الوقتِ، أنْ يحافظَ على سمعةِ العائلةِ، وأنْ يتجنبَ فتنةً قدْ تنشبُ بينَ الأقاربِ.

في تلكَ اللحظةِ، وبعدَ أنْ أُنهيَ النقاشُ، استأذنَ السيدُ أحمدُ منْ إخوانِهِ، وقالَ: "سأذهبُ لأسألَ عنْ حالِ ابنتي. ربما تحتاجُ إلى حديثٍ مني."

عندما وصلَ إلى غرفتها، وجدَها جالسةً، شارِدةَ الذهنِ. فتحَ البابَ برفقٍ، وقالَ بصوتٍ حنونٍ: "يا ابنتي، هلْ أنتِ بخيرٍ؟"

رفعتْ "ليلى" رأسَها، ورأتْ والدها، فابتسمتْ ابتسامةً باهتةً: "الحمدُ للهِ يا أبي. فقطْ بعضُ التفكيرِ."

اقتربَ منها وجلسَ بجانبِها. ثمَّ قالَ: "ابنتي، إنَّ الحياةَ ليستْ دائمًا كما نتمناها. أحيانًا تأتينا رياحٌ تُغيّرُ مجرى السفينةِ التي نرسمُ مسارَها. هلْ لديكِ ما تودينَ أنْ تتحدثي فيهِ معَ أبيكِ؟"

نظرتْ إليهِ "ليلى" بعينينِ فيها بريقٌ غريبٌ، ثمَّ قالتْ بصوتٍ متقطعٍ: "يا أبي... لقدْ شعرتُ مؤخرًا بتغييرٍ في "سعيدٍ". أصبحَ بعيدًا، ومنشغلًا بأمورٍ لا أفهمُها. أحيانًا أشعرُ بأنَّهُ لمْ يعدْ هوَ نفسه. هلْ حقًا... هلْ حقًا هناكَ ما يُقلقُ بشأنِهِ؟"

شعرَ السيدُ أحمدُ ببرودةٍ تسري في عروقِهِ. لقدْ بدأتْ "ليلى" تشعرُ بما كانَ يخشاهُ. لمْ يجدْ طريقةً لسردِ كلِّ شيءٍ لها في تلكَ اللحظةِ. لمْ يُردْ أنْ يُلقيَ بعبءِ معرفةِ الحقيقةِ المرّةِ عليها. لذا، قالَ بهدوءٍ: "يا ابنتي، كلُّ علاقةٍ تمرُّ بفتراتٍ مختلفةٍ. ربما هوَ يمرُّ بضغوطٍ في عملِهِ. المهمُّ أنْ نثقَ باللهِ، وأنْ ندعو لهُ بالهدايةِ. هلْ تذكرينَ كلامَنا عنْ أهميةِ الصبرِ والدعاءِ؟"

أومأتْ "ليلى" برأسِها، ولكنَّ عينيها كانتا تحكيانِ قصةً أخرى. قصةَ عدمِ يقينٍ، وقلقٍ عميقٍ. كانتْ تعلمُ أنَّ ما يمرُّ بهِ "سعيدٌ" ليسَ مجردَ ضغوطِ عملٍ. كانَ هناكَ شيءٌ أكبرُ، شيءٌ مُظلمٌ، بدأتْ تشعرُ بهِ يلامسُ أطرافَ حياتِها.

في الخارجِ، كانتِ السماءُ تمطرُ، وكأنَّها تُشاركُ همومَ القلوبِ. كانَ الفصلُ قدْ أوشكَ على النهايةِ، تاركًا وراءَهُ عاصفةً قادمةً، وعلاقةً تواجهُ أولَ امتحانٍ حقيقيٍّ لها، ليسَ في الحبِّ، بلْ في الثقةِ والصدقِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%