الزوجة المختارة

رسالةٌ غامضةٌ واعترافٌ مُتأخّر

بقلم ليلى الأحمد

مرّتْ أيامٌ ثقيلةٌ على "ليلى". لمْ تكنْ تستطيعُ نسيانَ نظرةِ والدِها المتألمةِ، أو كلماته المبهمةِ. كانتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ شيئًا ما يُخفى عنها، شيئًا باتَ يُلقي بظلالِهِ القاتمةِ على مستقبلِها. حاولتْ مرارًا أنْ تتحدثَ معَ "سعيدٍ"، ولكنَّهُ كانَ يبتعدُ عنها، أو يُغيرُ الموضوعَ بذكاءٍ بارعٍ. كانتْ اتصالاتُهُ بها أصبحتْ متباعدةً، وأحاديثُهُ سطحيةً، وكأنَّهُ يؤدي واجبًا اجتماعيًا فقطْ.

ذاتَ مساءٍ، بينما كانتْ تجلسُ في غرفتها، تستمعُ إلى صوتِ المطرِ الذي يضربُ زجاجَ النافذةِ، وصلَتها رسالةٌ عبرَ هاتِفِها. كانتْ منْ رقمٍ غيرِ معروفٍ. ترددتْ قبلَ أنْ تفتحَها، وقلبُها يخفقُ بشدةٍ. ما إنْ قرأتْ بضعَ كلماتٍ حتى شعرتْ بأنَّ الدمَ قدْ تجمدَ في عروقِها. كانتِ الرسالةُ قصيرةً، ولكنَّ معانيَها كانتْ عميقةً ومُروّعةً: "ابحثي عنْ الحقيقةِ قبلَ أنْ يضيعَ كلُّ شيءٍ. "سعيدٌ" ليسَ كما يبدو. احذري."

انتابَ "ليلى" حالةٌ منَ الذهولِ. لمْ تكنْ تعرفُ كيفَ تتصرفُ. هلْ كانتْ هذهِ مزحةً سيئةً؟ أمْ أنَّها حقيقةٌ مفزعةٌ؟ تذكرتْ كلامَ والدِها، ونظراتِ القلقِ في عينيهِ. بدأتْ الصورةُ تتضحُ أمامَها، ولكنَّها كانتْ صورةً مؤلمةً، مشوهةً.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ "يوسفُ" قدْ بدأَ يستقصي أكثرَ عنْ "سعيدٍ". لمْ يكنْ لديهِ شكٌّ في صدقِ السيدِ أحمدَ، ولكنهُ كانَ يريدُ أنْ يجمعَ أدلةً قاطعةً، وأنْ يتأكدَ منْ طبيعةِ هذهِ "الأمورِ المشبوهةِ". كانَ قدْ تواصلَ معَ بعضِ معارفِ "سعيدٍ" القدامى، وبعضِ زملائِهِ في العملِ. ما سمعهُ لمْ يكنْ مشجعًا أبدًا. كانتِ الهمساتُ تتزايدُ، وتتحدثُ عنْ ديونٍ متراكمةٍ، وعنْ علاقاتٍ مشبوهةٍ معَ أشخاصٍ ذوي سُمعةٍ لا تُشرفُ.

كانَ "يوسفُ" يشعرُ بنوعٍ منَ الشعورِ بالذنبِ لتدخلِهِ في أمورِ عائلةٍ أخرى، ولكنهُ كانَ يعتقدُ أنَّ مسألةً كهذهِ، تتعلقُ بمستقبلِ "ليلى"، تتطلبُ تدخلاً منْ رجلٍ يرى فيها ما لمْ يرهُ الآخرونَ. كانتْ علاقتهُ بـ "ليلى" قدْ تطورتْ في الخفاءِ، ليسَ بالحبِّ الصريحِ، بلْ بالاهتمامِ الصادقِ، والتقديرِ العميقِ. كانَ يرى فيها روحًا طاهرةً، ونقاءً يستحقُّ أنْ يُصانَ.

بعدَ يومينِ منْ تلقي الرسالةِ، شعرتْ "ليلى" بأنَّها لا تستطيعُ تحملَ هذا العبءَ وحدها. قررتْ أنْ تبوحَ لوالدِها بما حدثَ. في صباحِ يومِ الجمعةِ، وبعدَ صلاةِ الفجرِ، ذهبتْ إلى والدِها في مجلسِ الرجالِ، وكانَ قدْ اجتمعَ معَ بعضِ أقاربِهِ مرةً أخرى.

بعدَ أنْ استأذنتْ، دخلتْ برفقٍ، وقالتْ بصوتٍ ثابتٍ رغمَ ارتعاشةٍ خفيفةٍ: "يا أبي، ويا عمي، ويا جميعَ الحاضرينَ. لقدْ كانَ هناكَ أمرٌ يُقلقُني، وأظنُّ أنَّهُ يتعلقُ بما يدورُ في عائلتِنا. لقدْ تلقيتُ رسالةً غامضةً قبلَ يومينِ، تُحذّرُني منْ "سعيدٍ"، وتُشيرُ إلى أنَّهُ ليسَ كما يبدو."

خيمَ صمتٌ رهيبٌ على المجلسِ. نظرَ السيدُ أحمدُ إلى ابنتِهِ بذهولٍ، ثمَّ قالَ: "رسالةٌ؟ وماذا كانَ نصُّها بالتفصيلِ يا ابنتي؟"

سردتْ "ليلى" نصَّ الرسالةِ كما تذكرتهُ، ثمَّ أضافتْ: "لقدْ زادَ هذا الأمرُ منْ قلقي، وجعلني أُعيدُ النظرَ في كلِّ شيءٍ."

تحدثَ السيدُ خالدٌ بحكمةٍ: "يا أبا "حسامٍ"، يبدو أنَّ الأمورَ تزدادُ تعقيدًا. إذا كانتْ هذهِ الرسالةُ صحيحةً، فإنَّها تُؤكدُ ما كنتَ تشكُ فيهِ. ولكنْ، منْ يقفُ وراءَ هذهِ الرسالةِ؟ ولماذا؟"

في هذهِ اللحظةِ، دخلَ "يوسفُ" المجلسَ، وكانَ قدْ أُذنَ لهُ بالدخولِ. كانَ يرتدي ثيابًا أنيقةً، ولكنَّ نظرتَهُ كانتْ جادةً. نظرَ إلى "ليلى" بتقديرٍ، ثمَّ قالَ: "يا عمي السيدُ أحمدَ، ويا جميعَ السادةِ. لقدْ سمعتُ عنْ هذهِ المشكلةِ، وأردتُ أنْ أُقدمَ ما لديَّ منْ معلوماتٍ. لقدْ بذلتُ جهدًا في الفترةِ الأخيرةِ للتحققِ منْ أمرِ "سعيدٍ"، وباختصارٍ شديدٍ، فإنَّ المعلوماتِ التي وصلَتني تُشيرُ إلى أنَّهُ قدْ تورطَ في أمورٍ ماليةٍ مشبوهةٍ، بلْ ربما تكونُ غيرَ قانونيةٍ. لديَّ بعضُ الأدلةِ المبدئيةِ التي قدْ تُساعدُ في توضيحِ الصورةِ."

شعرَ السيدُ أحمدُ بارتياحٍ غريبٍ. وجودُ "يوسفَ" في هذهِ اللحظةِ، وقولهُ هذا، أعطاهُ بعضَ القوةِ. ثمَّ سألَ "يوسفَ": "وما هيَ طبيعةُ هذهِ الأمورِ يا "يوسفُ"؟ وما هيَ الأدلةُ التي لديكَ؟"

عرضَ "يوسفُ" بعضَ المعلوماتِ التي جمعها، والتي كانتْ تُشيرُ إلى صفقاتٍ مريبةٍ، وتواريخَ مشبوهةٍ، وبعضِ الأسماءِ التي كانتْ تُثيرُ الشبهاتِ. لمْ تكنْ الأدلةُ كاملةً، ولكنَّها كانتْ كافيةً لتُعززَ شكوكَ الجميعِ.

بعدَ أنْ انتهى "يوسفُ" منْ حديثهِ، شعرَ السيدُ أحمدُ بأنَّهُ وصلَ إلى نقطةِ اللاعودةِ. لمْ يعدْ بإمكانِهِ إنكارُ الحقيقةِ، أو تجميلُها. ثمَّ التفتَ إلى "ليلى"، وقالَ بصوتٍ حازمٍ ولكنَّهُ مليءٌ بالشفقةِ: "يا ابنتي، إنَّ ما سمعتِهِ، وما سمعناهُ اليومَ، يُشيرُ إلى أنَّ "سعيدًا" قدْ ابتعدَ عنْ طريقِ الحقِّ. وبسببِ هذا، وبسببِ دينِنا وعاداتِنا، فإنَّني لا أرى أنَّ هذا الزواجَ باتَ مناسبًا لكي. يجبُ أنْ نُفكرَ في مستقبلِكِ، وفي حياتِكِ. إنَّ الرجلَ الذي يتورطُ في مثلِ هذهِ الأمورِ، لا يُمكنُ أنْ يكونَ شريكَ حياةٍ صالحًا."

تحدثَ السيدُ خالدٌ مؤيدًا: "أبو "حسامٍ" على حقٍّ. الشرعُ يُوجبُ علينا أنْ نختارَ الزوجَ الصالحَ الذي يُتقي اللهَ. وإنَّ كانتْ هذهِ الأقوالُ صحيحةً، فإنَّ "سعيدًا" لمْ يعدْ أهلًا لأنْ يكونَ زوجًا لـ "ليلى"."

نظرتْ "ليلى" حولَها. رأتْ وجوهَ الرجالِ، فيها مزيجٌ منَ الصدمةِ، والأسفِ، والحزمِ. شعرتْ بقلبِها يئنُّ، ليسَ لفقدانِ "سعيدٍ" بالمعنى الذي كانتْ تتوقعهُ، بلْ لفقدانِ حلمٍ، وللخيبةِ التي حلتْ بها. ولكنَّها في نفسِ الوقتِ، شعرتْ بنوعٍ منَ الارتياحِ. لقدْ عرفتِ الحقيقةَ، ولمْ تعدْ تعيشُ في ضبابِ الشكِّ.

ثمَّ، وبصوتٍ خفيضٍ، قالتْ: "أبي، والدي، وعمي. أنا أُسلمُ أمري إلى اللهِ، ثمَّ إلى رأيِكم. ما ترونهُ صوابًا، فسأتبعهُ. ولكنْ، هلْ... هلْ سنُخبرُ "سعيدًا" بهذا القرارِ؟ وكيفَ؟"

شعرَ السيدُ أحمدُ بأنَّ ابنتَهُ قدْ كبرتْ فجأةً. لقدْ واجهتِ الحقيقةَ بشجاعةٍ، وسلمتْ أمرَها إلى أهلِها. ثمَّ قالَ: "سنُخبرُهُ، ولكنْ بحكمةٍ. يجبُ أنْ نواجهَ الأمرَ بوضوحٍ، وأنْ نُبرزَ لهُ خطأهُ، وأنْ نُعطيهِ فرصةً للدفاعِ عنْ نفسِهِ، إنْ كانَ لديهِ ما يقولُ. ولكنَّ القرارَ قدْ اتُخذَ، ولنْ نسمحَ لشيءٍ أنْ يُغيّرَهُ."

كانَ هذا الاعترافُ المتأخرُ، والرسالةُ الغامضةُ، قدْ فتحا البابَ على مصراعيهِ، ليكشفا عنْ حقيقةٍ مُرةٍ، ويبدآ فصلاً جديدًا في حياةِ "ليلى"، فصلاً سيكتبُهُ الحزمُ، والصبرُ، والأملُ في مستقبلٍ أفضلَ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%