الزوجة المختارة

مواجهةٌ صعبةٌ وخطواتٌ نحو المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

اجتمعتْ أسرةُ السيدِ أحمدَ في مجلسِ الرجالِ مرةً أخرى، ولكنْ هذهِ المرةَ، كانَ الجوُّ أثقلَ، والنفوسُ أكثرَ توترًا. لمْ يكنْ قرارُ فسخِ خطوبةِ "ليلى" منْ "سعيدٍ" سهلًا، ولكنهُ كانَ قرارًا لا مفرَّ منهُ. كانَ السيدُ أحمدُ قدْ أرسلَ في طلبِ "سعيدٍ"، ولكنَّهُ لمْ يحضرْ. كانَ يتوارى، ويُماطلُ، وكأنَّهُ يعلمُ أنَّ حبلَ كذبهِ قدْ قصرَ.

بعدَ انتظارٍ طالَ، وصلَ "سعيدٌ" أخيرًا، وقدْ بدتْ عليهِ علاماتُ الارتباكِ والتوترِ. لمْ يكنْ وجهُهُ مُشرقًا كالعادةِ، بلْ كانَ شاحبًا، وعيناهُ تبحثانِ عنْ مخرجٍ. جلسَ في مقعدِهِ، وتظاهرَ بالهدوءِ، ولكنَّ يدهُ كانتْ ترتعشُ.

بدأَ السيدُ أحمدُ الحديثَ، وصوتُهُ هادئٌ ولكنَّهُ يحملُ حزمًا لا لبسَ فيهِ: "يا "سعيدٌ". لقدْ دعونكَ اليومَ لنتحدثَ في أمرٍ هامٍّ، أمرٌ يتعلقُ بمستقبلِ ابنتي "ليلى"، ومستقبلِ عائلتِنا. لقدْ وصلَ إلينا ما يُقلقُنا كثيرًا بشأنِ تصرفاتِكَ، وبشأنِ ما يُشاعُ عنْ أمورِكَ. هلْ لديكَ ما تقولهُ لتُطمئنَنا؟"

نظرَ "سعيدٌ" إلى الحاضرينَ، ثمَّ قالَ بصوتٍ مُتعتعٍ: "يا عمي، ويا سادةَ. أنا لا أعرفُ ما الذي تتحدثونَ عنهُ. سمعتُ بعضَ الهمساتِ، ولكنَّها ليستْ صحيحةً. أنا رجلٌ أُديرُ أعمالي، وأواجهُ بعضَ الصعوباتِ، وهذا طبيعيٌّ في عالمِ التجارةِ. ولكنَّني لمْ أفعلْ شيئًا يُخجلُ منْهُ."

تدخلَ السيدُ خالدٌ، وقالَ بحزمٍ: "يا "سعيدٌ"، نحنُ لا نتحدثُ عنْ مجردِ صعوباتٍ تجاريةٍ. نحنُ نتحدثُ عنْ أمورٍ تُخالفُ شرعَ اللهِ، وتُخالفُ أخلاقَنا. لقدْ رأينا بعضَ الأدلةِ، وسمعنا بعضَ الشهاداتِ. هلْ تُنكرُ أنَّكَ تتعاملُ معَ أشخاصٍ معروفينَ بسوءِ السيرةِ؟ هلْ تُنكرُ التحويلاتِ الماليةَ المشبوهةَ؟"

احمرَّ وجهُ "سعيدٍ"، وبدأَ يتلعثمُ: "هذهِ... هذهِ كانتْ مجردَ صفقاتٍ. لمْ أكنْ أعرفُ حقيقةَ هؤلاءِ الأشخاصِ. كانوا يبدون لي جديرينَ بالثقةِ. وكنتُ أحاولُ أنْ أُخرجَ عائلتَنا منْ الضائقةِ الماليةِ التي نمرُّ بها."

قالَ "يوسفُ" بهدوءٍ: "ولكنَّ طريقَكَ للنجاحِ لمْ يكنْ شرعيًّا. ولمْ يكنْ يحفظُ أمانةَ "ليلى" التي ستكونُ زوجتَكَ. هلْ فكرتَ يومًا في عواقبِ ما تفعلُ؟ هلْ فكرتَ في سمعةِ عائلتِكَ؟ وفي سمعةِ عائلةِ "ليلى"؟"

شعرَ "سعيدٌ" بأنَّهُ يُحاصرُ، وأنَّ كلَّ دفاعٍ يُصبحُ حجةً عليهِ. انهارَ على مقعدِهِ، وقالَ بصوتٍ مختنقٍ: "نعم... نعم، لقدْ أخطأتُ. لقدْ ضعفتُ، واستسلمتُ للإغراءاتِ. كنتُ أظنُّ أنَّني أستطيعُ أنْ أُديرَ كلَّ شيءٍ، وأنْ أُحافظَ على سمعتي. ولكنّي فشلتُ. لقدْ فشلتُ في كلِّ شيءٍ."

كانَ اعترافُهُ صريحًا، ولكنهُ جاءَ متأخرًا جدًا. لمْ يستطعْ السيدُ أحمدُ أنْ يُخفيَ خيبةَ أملِهِ. قالَ: "يا "سعيدٌ"، إنَّ الاعترافَ بالخطأِ خطوةٌ أولى، ولكنَّهُ لا يُصلحُ ما أفسدتَ. لقدْ أفسدتَ ثقتَنا بكَ، وأفسدتَ آمالَ ابنتي. ولمْ يعدْ بإمكانِنا أنْ نُسلِّمَ "ليلى" لرجلٍ بهذهِ الحالةِ."

قالَ السيدُ خالدٌ بحزمٍ: "لهذا السببِ، وباتفاقٍ بينَ أهلِ "ليلى" وأعيانِ العائلةِ، فقدْ تقررَ فسخُ خطوبتِكم. الأمرُ واضحٌ، ولا مجالَ للنقاشِ فيهِ."

شعرَ "سعيدٌ" بالصدمةِ، ورغمَ أنَّهُ كانَ يتوقعُ ذلكَ، إلا أنَّ وقعَ الكلمةِ كانَ مؤلمًا. قامَ منْ مقعدِهِ، وقالَ بصوتٍ ضعيفٍ: "أتفهمُ قرارَكم. أنا آسفٌ جدًا يا عمي، وجدًا يا "ليلى" (على الرغمِ منْ أنها لمْ تكنْ حاضرةً)، على كلِّ ما حدثَ." ثمَّ خرجَ مسرعًا، تاركًا وراءَهُ صمتًا ثقيلًا.

بعدَ أنْ غادرَ "سعيدٌ"، اجتمعَ السيدُ أحمدُ معَ أقاربِهِ. كانتْ هناكَ حاجةٌ ماسةٌ لترتيبِ الأمورِ، وللتفكيرِ في الخطواتِ التاليةِ. قالتْ والدةُ "ليلى"، السيدةُ فاطمةُ، وهيَ تشعرُ بحزنٍ عميقٍ على ابنتِها: "ماذا سنقولُ لـ "ليلى"؟ إنَّ هذا الخبرَ سيكونُ مؤلمًا لها. لقدْ كانتْ تتمنى هذهِ اللحظةَ."

قالَ السيدُ أحمدُ: "سنتحدثُ معَها، وسنُشرحُ لها كلَّ شيءٍ. ولكنْ، الأهمُّ الآنَ هوَ أنْ نُؤكدَ لها أنَّنا معَها، وأنَّنا سنُساعدُها على تجاوزِ هذهِ المحنةِ. وأنَّ اللهَ معَ الصابرينَ."

في هذهِ الأثناءِ، كانتْ "ليلى" قدْ علمتْ بقرارِ فسخِ الخطوبةِ. لمْ تكنْ مفاجأةً لها، بلْ كانتْ تأكيدًا لما كانتْ تشعرُ بهِ. جلستْ في غرفتها، تحاولُ أنْ تستوعبَ ما حدثَ. كانَ هناكَ شعورٌ بالحزنِ على ضياعِ حلمٍ، ولكنَّهُ كانَ ممزوجًا بشعورٍ أكبرَ بالارتياحِ. لقدْ نجتْ منْ مصيرٍ كانَ قدْ يبدو مظلمًا.

لمْ تمضِ ساعاتٌ طويلةٌ حتى جاءَ السيدُ أحمدُ والسيدةُ فاطمةُ إلى غرفتها. جلسا معَها، وحاولا أنْ يُطمئنَاها. سردَ لها والدُها تفاصيلَ ما حدثَ في المجلسِ، وكيفَ اعترفَ "سعيدٌ" بخطئهِ.

قالتْ السيدةُ فاطمةُ وهيَ تحتضنُ ابنتَها: "يا ابنتي، إنَّ ما حدثَ هوَ خيرٌ لكِ. ربما لمْ يكونَ "سعيدٌ" هوَ الرجلَ الذي تستحقينَهُ. اللهُ لمْ يُكتبْ لكِ معَهُ نصيبًا، ولعلَّهُ ادَّخرَ لكِ الأفضلَ."

نظرتْ "ليلى" إلى والديها، ورأتْ في عينيهما الحبَّ والدعمَ. قالتْ بصوتٍ ثابتٍ: "أعلمُ يا أبي، أمي. لقدْ شعرتُ بذلكَ. وأنا راضيةٌ بما قسمَ اللهُ لي. ولكنّي... ولكنّي احتاجُ بعضَ الوقتِ لأتجاوزَ هذهِ المرحلةَ."

شعرَ السيدُ أحمدُ بفخرٍ بابنتِهِ. لقدْ أظهرتْ قوةً وعقلًا ورزانةً في هذا الموقفِ الصعبِ. قالَ: "خذي وقتَكِ يا ابنتي. نحنُ هنا منْ أجلِكِ. ولنْ نسمحَ لأحدٍ بأنْ يُقللَ منْ شأنِكِ، أو منْ قيمتِكِ."

في تلكَ الليلةِ، وبعدَ أنْ هدأتِ الأجواءُ، وصلَ إلى "ليلى" رسالةٌ أخرى، ولكنَّ هذهِ المرةَ، كانتْ منْ "يوسفَ". كانتْ الرسالةُ قصيرةً، ولكنَّ كلماتها كانتْ تحملُ الكثيرَ: "أتمنى أنْ تكوني بخيرٍ. أتفهمُ أنَّ هذهِ الفترةَ صعبةٌ. ولكنَّ الأوقاتِ الصعبةَ تُظهرُ المعادنَ الأصيلةَ. أنا هنا إنْ احتجتِ إلى أيِّ شيءٍ. أدعو اللهَ أنْ يُنيرَ طريقَكِ."

قرأتْ "ليلى" الرسالةَ مرتينِ، وشعرتْ بدفءٍ يسري في قلبِها. لمْ يكنْ ذلكَ دفءَ الحبِّ الرومانسيِّ، بلْ كانَ دفءَ الصداقةِ، والدعمِ، والتقديرِ. شعرتْ بأنَّ هناكَ بصيصَ أملٍ في نهايةِ هذهِ الأنفاقِ المظلمةِ.

لقدْ تمَّ فسخُ الخطوبةِ، وانتهى فصلٌ منْ حياتِها. ولكنَّ فصلًا جديدًا كانَ على وشكِ أنْ يبدأَ، فصلٌ ستُكتبُ صفحاتُهُ بالحكمةِ، والصبرِ، وربما... بالحبِّ الذي لمْ يكنْ في الحسبانِ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%