الزوجة المختارة

بين وعدٍ وآخر ووعدٌ مفقود

بقلم ليلى الأحمد

كانت الساعة تقترب من الخامسة عصراً، وقلب فاطمة ينبض بإيقاعٍ متسارع، مزيجٌ من شوقٍ لهيب، وقلقٍ مستمر. وقفت أمام المرآة، تتأمل انعكاسها. لم تكن تضع الكثير من الزينة، فجمالها الطبيعي كان كافياً ليغري الناظرين، ولكنها اختارت وشاحاً بلون السماء الصافية، يعكس نقاء روحها، وتلك القطعة الفضية التي أهداها إياها خالد، والتي لم تعد تفارق عنقها.

ارتدت عباءتها الفضفاضة، ثم استأذنت والدتها، التي ابتسمت لها ابتسامةً عارفة. "وفقكِ الله يا ابنتي،" قالت أمينة، "وأرشدكِ إلى ما فيه خيرٌ لكِ."

وصلت فاطمة إلى المقهى، وجلست على طاولةٍ جانبية، تفضل فيه الهدوء والخصوصية. سرعان ما أتى خالد، بابتسامته الهادئة ووقفته المهيبة، كما عرفته. جلس مقابلها، وعيناه تحملان بريقاً دافئاً، استقبلها به.

"السلام عليكم يا فاطمة،" قال خالد، وصوته يحمل لحناً جميلاً. "وعليكم السلام يا خالد. أهلاً بك." "أشكرك على مجيئك. أعرف أنني طلبت هذا اللقاء بشكلٍ مفاجئ." "لا بأس. أسعدني اتصالك."

تبادلا أطراف الحديث عن أحوالهما، وعن سير الحياة اليومية. كانت الكلمات تنساب بينهما بسهولة، كأنما يكملان حديثاً بدأ قبل زمن. ولكن خلف هذا الهدوء الظاهر، كانت فاطمة تشعر بأن هناك أمراً مهماً ينتظر البوح.

"فاطمة،" بدأ خالد بعد لحظةٍ صمت، "لقد ترددت كثيراً قبل أن أطلب هذا اللقاء. أخاف أن أقول شيئاً يغير مسار الأمور، أو أن أفهم مشاعركِ بشكلٍ خاطئ." "لا تخف يا خالد. تحدث بما في قلبك." قالت فاطمة، وهي تشعر بأن خديها يكتسيان باللون الوردي.

"منذ أول لقاءٍ جمعنا،" تابع خالد، وكلماته تخرج ببطءٍ وعمق، "شعرت بشيءٍ مميزٍ تجاهكِ. في البداية، اعتقدت أنه مجرد إعجابٍ بالجوهر الطيب الذي رأيته فيكِ. ولكن مع مرور الوقت، وتواصلنا، اكتشفت أن هذا الشعور نما وتجذر. لقد رأيت فيكِ المرأة التي أتمناها شريكةً لحياتي، الأم التي أحلم بها لأبنائي، الزوجة التي أستند إليها في هذه الدنيا."

توقفت فاطمة عن التنفس للحظة. كلمات خالد كانت تحمل كل ما كانت تتمناه، كل ما كانت تخشاه في نفس الوقت. لقد بوح بمشاعره، وهذا كان عظيماً، ولكنه أيضاً وضعها في موقفٍ لا تحسد عليه.

"لقد كنت أنتظر اللحظة المناسبة لأقول هذا،" أكمل خالد، "وكنت أتمنى أن تكون ظروفي أكثر استقراراً. ولكن بعد أن علمت ب... بوجود من يتقدم لكِ، شعرت أن عليّ أن أقول لكِ ما في نفسي قبل فوات الأوان."

"من يتقدم لي؟" سألت فاطمة، وتظاهرت بالجهل، رغم أنها كانت تعرف تماماً من يقصد. "لقد سمعت... سمعت أن الحاج سعيد بن ابنه أحمد يخطب ودكِ." قال خالد، ونبرةٌ خفيفةٌ من الألم بدت واضحةً في صوته.

شعرت فاطمة بضيقٍ في صدرها. لم تكن تريد أن تجرح خالد، ولم تكن تريد أن تظهر أمام والدها بمظهر الفتاة المترددة أو العاصية. "نعم، الحاج سعيد قد عرض ابنه عليّ،" قالت فاطمة بصراحة، "ولكنني لم أوافق بعد. طلبت مهلةً."

"مهلةٌ لـ...؟" سأل خالد، وعيناه ترقب ردها بلهفة. "مهلةٌ لأستخير الله، ولأفكر ملياً. الأمر ليس بالسهل."

"أتفهم ذلك تماماً يا فاطمة،" قال خالد، وبدا الأمل يعود إلى عينيه. "وأنا... أنا أرغب بشدةٍ أن أكون من بين المتقدمين لكِ. أرغب أن أحصل على فرصةٍ لأثبت لكِ، ولوالدكِ، أنني أهلٌ لهذه الثقة. أرغب أن تكوني زوجتي، على سنة الله ورسوله."

انهمرت الدموع بصمتٍ من عيني فاطمة. كانت هذه الكلمات بلسمها ودواؤها، ولكنها أيضاً كانت بداية صراعٍ داخليٍ أكبر. كانت تشعر بالحب لخالد، ولكنها كانت أيضاً مدينًة لوالدها، ولموقف عائلتها.

"يا خالد،" قالت فاطمة بصوتٍ مرتعش، "أنا... أنا لا أعرف ماذا أقول. ما تقوله يسعدني، ويشرفني. ولكن... ولكن والدي..." "أتفهم تماماً يا فاطمة. سأتحدث مع والدكِ. سأطلب منه موعداً. أريد أن أتقدم رسمياً، بطريقةٍ لا تخالف الشرع ولا تقاليدنا. أريد أن أطلب يدكِ من والدكِ."

تنفس كل منهما الصعداء. كان هذا اعترافاً علنياً، واعترافاً بالمسؤولية. كانت الخطوة الأولى قد اتخذت.

"ولكن يا خالد،" قالت فاطمة بقلق، "والدي لديه علاقةٌ قويةٌ مع الحاج سعيد. وهو... وهو يحترم رأيه كثيراً." "سأعمل ما في وسعي يا فاطمة. سأوضح له أن علاقتي بكِ ليست مجرد علاقةٌ عابرة. سأبذل قصارى جهدي."

بعد انتهاء اللقاء، عادت فاطمة إلى منزلها وهي تشعر بخفةٍ غير عادية. كانت قد وضعت الأمور في نصابها، ولو مبدئياً. كانت قد أعلنت عن مشاعرها، وكان خالد قد أعلن عن نواياه. ولكن ما زال أمامها طريقٌ طويلٌ وشاق.

في هذه الأثناء، كان والد فاطمة، الحاج محمود، يستقبل اتصالاً هاتفياً من الحاج سعيد. "مرحباً يا أخ محمود،" قال الحاج سعيد بصوتٍ بشوش، "كيف حالك؟" "بخير يا أخ سعيد، والحمد لله. كيف حالك أنت؟" "الحمد لله. كنت أتصل لأبلغك أن أحمد، ابني، مستعدٌ تماماً. وإن كنت ترى أن الوقت مناسب، فيمكننا تحديد موعدٍ للخطبة الأسبوع القادم."

شعر الحاج محمود ببعض الحرج. كان قد وعد فاطمة بمهلة، ولكنه أيضاً أراد أن يحافظ على كلمته مع صديقه. "حسناً يا أخ سعيد،" قال الحاج محمود، "سأتحدث مع ابنتي. وسأرد عليكِ في أقرب وقت. دعني أفكر قليلاً."

"لا عليك يا أخ محمود، خذ وقتك. المهم أننا نسير في الطريق الصحيح. أحمد شابٌ مبارك، وأظن أن فاطمة ستكون زوجةً صالحةً له."

كانت الأقدار تتشابك، وكلماتٌ تبدو عاديةً تحمل وراءها خيوطاً من المصير. كان الحوار بين خالد وفاطمة قد فتح باباً، ولكن المفاوضات بين الحاج محمود والحاج سعيد كانت تمثل عقبةً جديدة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%