الزوجة المختارة
مواجهةٌ لا مفر منها ومفاوضاتٌ حساسة
بقلم ليلى الأحمد
عاد الحاج محمود إلى منزله، وقلبه مثقلٌ بمسؤوليةٍ مزدوجة. لم يكن من السهل عليه أن يوازن بين رغبة ابنته، وواجباته تجاه صديقه العزيز، الحاج سعيد. كانت كلمات الحاج سعيد تتردد في أذنيه، تذكره بالوعد الذي قطعه له.
"فاطمة،" قال الحاج محمود لابنته حين رآها في المساء، "تحدثتُ مع الحاج سعيد. وهو مصرٌ على تحديد موعدٍ للخطبة الأسبوع القادم." شعرت فاطمة ببرودةٍ تسري في أطرافها. كانت تعلم أن هذا اليوم قادم، ولكنها لم تكن مستعدةً تماماً. "ماذا قلت له يا أبي؟" سألت بصوتٍ يكاد يكون مسموعاً. "قلت له أنني بحاجةٍ إلى بعض الوقت للتفكير. ولكن لا يمكننا المماطلة طويلاً. الحاج سعيد رجلٌ كريم، ولا أود أن أخلف وعدي له."
نظرت فاطمة إلى والدها، وعيناها تحملان مزيجاً من العتاب والأمل. "يا أبي،" قالت بحذر، "أنا... أنا تحدثتُ مع خالد." ارتعش جسد الحاج محمود قليلاً. كان يتوقع أن يكون لخالد دورٌ في تردد ابنته. "خالد؟ وماذا قال لكِ خالد؟" سأل بنبرةٍ تحمل فضولاً ممزوجاً بالقلق. "لقد... لقد اعترف لي بمشاعره يا أبي. وأراد أن يتقدم لخطبتي رسمياً. سيتحدث إليك قريباً."
ارتسمت علامات الدهشة على وجه الحاج محمود. لم يكن يتوقع أن يكون خالد جاداً إلى هذا الحد. لقد عرفه شاباً مهذباً، ولكن فكرة ارتباطه بفاطمة لم تكن تخطر بباله. "خالد؟ خالد بن...؟" "نعم يا أبي. خالد الذي يعمل معك في الشركة." "آه، خالد. أعرفه جيداً. شابٌ طيبٌ ونبيه. ولكن... هل أنتِ متأكدةٌ يا فاطمة؟ هل هذا هو ما تريدينه؟"
"نعم يا أبي،" قالت فاطمة بثقة، "أنا متأكدةٌ من مشاعري تجاه خالد. وأرى فيه الزوج الصالح الذي ترضاه لي. وسوف يأتي إليك ليطلب يدكِ، كما ينبغي."
تنهد الحاج محمود. كانت الأمور قد تعقدت أكثر مما توقع. لم يكن الأمر مجرد رفضٍ لعرضٍ، بل أصبح تنافساً بين رجلين.
"حسناً يا ابنتي،" قال الحاج محمود بعد فترةٍ من التفكير، "سأمنح خالد فرصةً. سأنتظر حتى يأتي ويتحدث معي. ولكن عليكِ أن تفهمي أن الحاج سعيد هو صديقٌ قديم، وعائلته مترابطةٌ مع عائلتنا. لا يمكنني أن أتجاهل ذلك."
"أعلم يا أبي. وأنا لا أريد أن أسبب لكَ أي حرج. ولكنني أريد أن أعيش حياتي بمن يحب قلبي، بمن يتقي الله فيّ."
في صباح اليوم التالي، وبينما كان الحاج محمود يجلس في مكتبه، دخل عليه خالد. كانت وقفة خالد تحمل احتراماً وتقديراً، ولكن عينيه كانتا تحملان عزيمةً قوية. "السلام عليكم يا عم محمود،" قال خالد بصوتٍ واضح. "وعليكم السلام يا خالد. تفضل بالجلوس. ما الذي أتى بكَ في هذا الوقت؟" "جئت لأتحدث إليك بقلبٍ مفتوح، يا عم محمود. جئت لأطلب يد ابنتك الكريمة، فاطمة."
شعر الحاج محمود بثقلٍ في صدره. كانت هذه هي المواجهة التي توقعها. "خالد،" قال الحاج محمود بصوتٍ حازم، "أنا أعرفك شاباً نبيهاً، وأحترمك. وقد رأيت فيك ما يدل على صلاحك. ولكن... هل تعلم أن الحاج سعيد قد عرض ابنه أحمد على فاطمة؟ وأننا في طور ترتيب الأمور معه؟"
"أعلم يا عم محمود،" قال خالد بهدوء، "ولذلك جئت إليك. أنا لا أريد أن أكون سبباً في أي خلافٍ أو إحراجٍ لك. ولكنني ما عدت أستطيع كتمان مشاعري تجاه فاطمة. رأيت فيها كل ما أتمناه في شريكة حياتي. وقد تحدثت معها، وهي... وهي موافقةٌ على أن أتقدم لخطبتها منك."
نظر الحاج محمود إلى خالد، يبحث عن أي علامةٍ للتردد أو الخداع. ولكنه لم يجد سوى الصدق والوضوح. "يا خالد،" قال الحاج محمود، "العلاقة بيني وبين الحاج سعيد قديمةٌ جداً. وصداقتنا مبنيةٌ على الثقة والاحترام المتبادل. وقد اعتبرت عرضه بمثابة وعدٍ مني له." "وأنا أحترم هذه العلاقة يا عم محمود،" قال خالد، "ولكنني أرجو أن تمنحني فرصةً. أرجو أن تمنحني الحق في أن أتقدم لخطبة ابنتك، وأنا مستعدٌ لأن أذهب إلى الحاج سعيد بنفسي، وأشرح له الأمر، وأطلب منه أن يتنازل، إن كان ذلك ممكناً. أنا لا أريد أن أخسر صداقتك، ولا صداقة الحاج سعيد، ولكنني لا أستطيع أن أخسر فاطمة."
"هذا موقفٌ صعبٌ يا خالد،" قال الحاج محمود، وهو يفرك جبهته. "كيف يمكنني أن أشرح للحاج سعيد أنني أقبل عرض شابٍ آخر، بعد أن كنت على وشك الاتفاق معه؟" "أرجو منك أن تخبره بالحقيقة يا عم محمود. أخبره أن فاطمة اختارت، وأن اختيارها وقع عليّ. ربما يتفهم. ولن أقوم بأي خطوةٍ إلا بعد أن تتحدث معه، وتستأذنه."
شعر الحاج محمود بأن كرة الثلج قد تدحرجت، ولم يعد بإمكانه إيقافها. كان عليه أن يتخذ قراراً. كان عليه أن يوازن بين عادات وتقاليد، وبين مشاعر ابنته، وبين واجبه تجاه صديقه.
"سأفكر في الأمر يا خالد،" قال الحاج محمود أخيراً، "وسأتحدث مع الحاج سعيد. ولكنني أرجو منك أن تتفهم صعوبة الموقف." "أتفهم يا عم محمود، وأشكرك على وقتك."
خرج خالد من المكتب، وقلبه يحدوه الأمل. لقد أعلن عن نفسه، وبذلك فتح الباب لمواجهةٍ لا مفر منها. في هذه الأثناء، كانت فاطمة تنتظر رد والدها بفارغ الصبر. كانت تعلم أن والدها في مفاوضاتٍ حساسة، وأن كلمته ستحدد الكثير.
"يا أمينة،" قال الحاج محمود لزوجته حين وجدها في القاعة، "الأمور قد تعقدت. خالد تقدم رسمياً، ويريد أن يتحدث مع الحاج سعيد. وأنا لا أعرف كيف سأفعل ذلك." "خالد؟" سألت أمينة بدهشة. "لقد كنت أشك في مشاعره، ولكنني لم أكن أتوقع هذا." "نعم. وهو مستعدٌ لمواجهة الحاج سعيد. لا أدري ما سيحدث."
كانت نهاية الفصل تحمل معها المزيد من الترقب. هل سينجح خالد في إقناع الحاج سعيد؟ وهل ستسمح له عادات وتقاليد المجتمع أن يتجاوز عرضاً قديماً؟ الأيام القادمة ستحمل الكثير من المفاجآت.