الزوجة المختارة
العاصفة المباغتة وكشف المستور
بقلم ليلى الأحمد
كانت الشمس قد بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلالها الذهبية الطويلة على أرجاء المدينة، حين تلقى الحاج محمود اتصالاً هاتفياً كان ينتظره، ولكنه لم يكن مستعداً لما سيسمعه. كان الاتصال من الحاج سعيد، وكان صوته يحمل نبرةً لم يعهدها من قبل؛ نبرةٌ اختلط فيها الغضب بالحزن، والدهشة بالأسى.
"أخ محمود،" بدأ الحاج سعيد بصوتٍ متهدج، "هل لي أن أسألك سؤالاً صريحاً؟" شعر الحاج محمود ببرودةٍ مفاجئة تسري في عروقه. "تفضل يا أخ سعيد. اسأل ما تشاء." "هل صحيحٌ أن خالد، ابن أختي، قد تقدم لخطبة ابنتك فاطمة؟"
توقف الحاج محمود عن التنفس للحظة. لم يكن يتوقع أن تصل الأخبار إلى الحاج سعيد بهذه السرعة، بهذه الطريقة. لقد أراد أن يتعامل مع الأمر بحذر، وبشكلٍ ودي، ولكن يبدو أن العاصفة قد بدأت قبل الأوان.
"خالد؟" قال الحاج محمود، محاولاً استجماع رباطة جأشه. "نعم، خالد... قد تحدث إليّ. ولكنه ما زال مجرد حديثٍ مبدئي..." "مبدئي؟" قاطعه الحاج سعيد بصوتٍ عالٍ، "بل هو أكثر من مبدئي يا أخ محمود! لقد سمعت أن ابنتك قد وافقت، وأنك قد أعطيت وعداً! هل هكذا يتعامل الأصدقاء؟ هل هكذا تضيع حقوق الناس؟"
بدأ الحاج محمود يشعر بالإحباط. لم تكن هذه هي الطريقة التي كان يتصور أن تتم بها الأمور. "يا أخ سعيد،" حاول أن يهدئ من روع صديقه، "الأمور ليست كما تظن. فاطمة لم توافق على أي شيءٍ رسمي. وهي لم تختر أحداً بعد. خالد تقدم إليّ، وأنا وعدته أن أفكر في الأمر، وأن أتحدث معك."
"تتحدث معي؟" سخر الحاج سعيد. "لماذا؟ هل لتخبرني أنك قد اخترت شاباً آخر لابنتك، بعد أن كنت على وشك أن أزوجها لابني؟ هل هذا هو احترام الأصدقاء؟" "يا أخ سعيد،" قال الحاج محمود بنبرةٍ متزايدةٍ بالأسى، "لم يكن لي رأيٌ في هذا الأمر. فاطمة لها مشاعرها، ولها رغباتها. وهي لم تكن مرتاحةً لعرض ابنك أحمد. وقد أخبرتني أنها تريد أن تسمع رأي خالد."
"فاطمة؟" صرخ الحاج سعيد، "فاطمة التي عرفتها فتاةً مطيعةً لأبيها؟ هل انقلبت على عقبيها؟ أم أن خالد هو من أثر فيها؟ هل خالد هو من أغواها؟" "يا أخ سعيد، أرجوك. لا تتهم أحداً بالباطل. خالد شابٌ طيبٌ، وفاطمة فتاةٌ عاقلة. ولا تتهمني بالتقصير في حقك. لقد بذلت قصارى جهدي."
"جهدك؟" قال الحاج سعيد، وصوته يختلط بالغضب والدهشة. "تبدو أنك قد نسيت أنني أنا من عرضت على ابني أحمد الزواج من فاطمة أولاً. وقد قبلت أنت العرض! فما الذي تغير؟ هل ظهر شابٌ أفضل من ابني؟ هل وجدت فيه ما لم أجده في ابني؟"
كان الحاج محمود يشعر بأن الكلمات لا تكفي. كان عليه أن يصارح الحاج سعيد بكل شيء، مهما كان الثمن. "يا أخ سعيد،" قال الحاج محمود بنبرةٍ حاسمة، "دعني أخبرك بالحقيقة كاملة. لم تكن فاطمة مرتاحةً لعرض ابنك أحمد. كانت تخشى أن تظلم أحمد، أو أن تظلم نفسها. ولم تكن تعرف ما تريد. ولكن منذ فترةٍ، بدأت تظهر مشاعرٌ بينها وبين خالد. وهي تحبه، وخالد يحبها. وقد تقدم إليّ اليوم ليطلب يدها رسمياً. وأنا، كأب، لا أستطيع أن أتجاهل مشاعر ابنتي، ولا أستطيع أن أجبرها على الزواج ممن لا تريده."
ساد صمتٌ مطبقٌ على الخط الآخر، صمتٌ ثقيلٌ يحمل غضباً مكبوتاً. ثم قال الحاج سعيد بصوتٍ باردٍ لم يعهده الحاج محمود أبداً: "إذاً، يا أخ محمود، فقد طويت صفحة صداقتنا. فقد كنت أظن أنك رجلٌ يعتمد عليه، ورجلٌ يفي بكلمته. ولكن يبدو أنني كنت مخطئاً. سأرى كيف ستسير الأمور."
أغلق الحاج سعيد الخط. وشعر الحاج محمود بأنه قد خسر صديقاً عزيزاً، ولكنه في نفس الوقت شعر بأنه قد فعل الصواب. كان قد حمى ابنته من زواجٍ قد يكون مبنياً على سوء فهم، وسمح لها بأن تسلك طريقاً يمليه قلبها.
عاد الحاج محمود إلى منزل العائلة، ووجد أمينة وفاطمة في القاعة. كانت علامات القلق باديةً على وجهيهما. "ماذا حدث يا محمود؟" سألت أمينة. "لقد تحدثت مع الحاج سعيد،" قال الحاج محمود، وصوته يحمل حزناً خفياً. "ولم تسر الأمور كما تمنيت." "وماذا قال؟" سأل الحاج محمود، وعيناها مليئتان بالترقب. "لقد غضب. غضب جداً. واعتبرني قد نكصت بوعدي. وقال إن صداقتنا قد انتهت."
شعرت فاطمة بلسعةٍ من الألم. لم تكن تريد أن تسبب لوالدها مشاكل، ولا أن تدمر علاقاته. "يا أبي،" قالت بصوتٍ مرتجف، "أنا آسفة. لم أكن أريد أن يحدث هذا." "لا بأس يا ابنتي،" قال الحاج محمود، وهو يحاول أن يبدو قوياً، "إن لم يكن مكتوباً لكِ، فلن يكون. المهم أنكِ سعيدةٌ. ولكن علينا الآن أن ننتظر ونرى ماذا سيحدث."
في هذه الأثناء، كان خالد، الذي لم يكن يعلم بتفاصيل المحادثة بين الحاج محمود والحاج سعيد، ينتظر بفارغ الصبر. لقد استأذن من عمله، واعتذر عن بعض المهام، ليتمكن من التركيز على هذه الخطوة الهامة.
"يا أمي،" قال خالد لأمه، "سأذهب إلى منزل الحاج محمود غداً، بعد صلاة العصر. أريد أن أتقدم لخطبة فاطمة بشكلٍ رسمي. أرجو أن تدعي لي." "توكل على الله يا بني،" قالت أمه، وعيناها تلمعان بالفخر، "وأنا أدعو لك من كل قلبي. فلقد رأيت في عينيك ما يدل على صدق نيتك."
بدأت الأجواء تشتعل. الحاج سعيد غاضبٌ، والحاج محمود يشعر بالضيق، وفاطمة تشعر بالذنب، وخالد على وشك اتخاذ خطوته الحاسمة. هل ستتمكن هذه العاصفة المباغتة من قلب كل شيء؟ أم أنها ستكون بدايةً لكشف المستور، وللوصول إلى الحقيقة؟