الزوجة المختارة

الغيوم السوداء في سماء صفاء

بقلم ليلى الأحمد

كانت نسمات العبير التي تنبعث من حديقة منزل آل السقاف، تحمل معها وعدًا بالسكينة والصفاء، إلا أن صفاء لم تعد تستشعر هذه النسائم كما كانت من قبل. كانت روحها معلقة بخيط رفيع، يهدد بالانقطاع مع كل نبضة قلب متسارعة. منذ لقائها الأخير بأخيها الأكبر، الأستاذ سالم، وهي تشعر بثقل غامض يلقي بظلاله على أيامها. كانت نبرة صوته، رغم حرصه على إخفاء القلق، تحمل مسحة من العتب، ورغم أنه لم يذكر اسم "مراد" مباشرة، إلا أن كلماته كانت تلف وتدور حول ذات المحور. "يجب أن تكوني حكيمة يا صفاء، وأن تختاري ما فيه رضا الله ورضا والديك، وأن تضعي مخافة الله نصب عينيك في كل خطوة. هناك أمور قد تبدو ظاهرة، ولكن بواطنها قد تخفى، والعواقب قد تكون وخيمة."

كانت هذه العبارات ترن في أذنيها كصدىً من بعيد، تعيد ترتيب مشاعرها المبعثرة. لقد أراد مراد أن يصارحها بما حدث، أن يكشف لها عن أسرار عائلته، ولكن الظروف لم تسعفه. لقد غادر القاهرة فجأة، تاركًا وراءه رسالة اعتذار مبطنة، وتساؤلات لا نهاية لها. هل كان ما حدث بينهما في تلك الليلة المشهودة مجرد سراب؟ أم أنه كان مقدمة لشيء أكبر، لشيء يهدد بعزلها عن مراد إلى الأبد؟

في أحد الأيام، وبينما كانت صفاء تتصفح أوراق والدتها القديمة، وقع بصرها على صندوق خشبي قديم، مزخرف بنقوش عربية عتيقة. مدفوعة بفضول لم تعهده من قبل، فتحت الصندوق لتجد بداخله مجموعة من الرسائل القديمة، بعضها بخط والدتها، وبعضها الآخر بخط والدها. وبين تلك الرسائل، وجدت ظرفًا سميكًا، عليه ختم عائلي لم تره من قبل. فتحت الظرف بحذر، لتجد بداخله وثيقة خطبة، تتضمن اسم والدها، واسم سيدة لا تعرفها، وتاريخًا يعود إلى ما قبل زواج والديها بسنوات. قلبت صفاء الوثيقة، لتقع عيناها على اسم السيدة: "الأستاذة خديجة، ابنة الحاج محمود".

تجمد الدم في عروقها. خديجة؟ الحاج محمود؟ هذه الأسماء لم تكن غريبة عنها. كانت تلك السيدة التي تحدث عنها الأستاذ سالم مرارًا، المرأة التي طالما تحدث عنها مراد بأنها "سبب مشاكل عائلته". هل يعقل أن تكون هذه السيدة هي نفسها خطيبة والدها السابقة؟ وكيف يرتبط هذا الأمر بمراد؟

شعرت صفاء بدوار خفيف. تذكرت حديث مراد عن عائلته، وعن دين قديم كان يثقل كاهله. هل كان هذا هو الدين؟ هل كان والداها على علم بهذا الزواج السابق؟ ولماذا لم يخبروها؟

أمسكت صفاء بالوثيقة، وعادت لتفتش في الصندوق. وجدت المزيد من الرسائل، بعضها بين والدتها وخالتها، وبعضها بين والدها وبين سيدة تدعى "أمينة". كانت الرسائل تتحدث عن "خلافات قديمة"، و"سوء تفاهم"، و"وعد لم يتم الوفاء به". ولكن اسم "خديجة" كان يظهر ويختفي بين السطور، كشبح يطارد ماضي عائلتها.

في تلك الأثناء، كانت والدة صفاء، السيدة عائشة، تشعر بقلق متزايد. لم يكن إصرار ابنها سالم على إبقاء صفاء بعيدة عن مراد مفهومًا لها. لقد رأت بعينيها كيف كانت صفاء تضيء بوجود مراد، وكيف كان حبها له ينمو بشكل صحي وطبيعي. حاولت أن تتحدث مع سالم، ولكنها وجدت منه جدارًا صلبًا من الرفض. "الأمر لا يتعلق بسالم فقط يا أمي، الأمر يتعلق بسمعة العائلة، وبتاريخنا. هناك أسرار يجب أن تبقى طي الكتمان، وهناك قرارات قد تضر بنا جميعًا إذا ما تم الكشف عنها."

كانت هذه الكلمات كاللغز الذي زاد من حيرة السيدة عائشة. حاولت أن تستجمع شتات ذكرياتها، لتتذكر أي شيء قد يكون السبب وراء هذا التصرف الغريب من ابنها. ثم تذكرت شيئًا… ذكرى بعيدة، حديث خافت بين والد صفاء ووالدتها، عن "ضرر قديم"، و"ثأر مستحق". هل كان لهذا علاقة بكل هذا؟

في تلك الليلة، بينما كانت صفاء غارقة في بحر من التساؤلات، وصلها اتصال هاتفي. كان المتصل مراد. لم تسمع صوته منذ أسابيع. كان صوته يبدو متعبًا، ومرتعشًا. "صفاء… أحتاج أن أراكِ. هناك أمر مهم جدًا يجب أن تعرفيه. لا تتخلي عني، أرجوكِ. الأمر يتعلق بنا، وبمستقبلنا."

لم تستطع صفاء مقاومة نبرة صوته. وعدته بأن تلتقيه في مكان هادئ، بعيدًا عن أعين المتطفلين. كان المكان الذي اختاره هو حديقة قديمة مهجورة على أطراف المدينة، مكان لم تطأه قدم منذ زمن طويل. كانت الغيوم قد بدأت تتجمع في سماء صفاء، وكانت الظلال تطول، حاملة معها رياح التغيير، أو ربما رياح الدمار.

في هذه الأثناء، كان الأستاذ سالم يجلس في مكتبه، يقلب في أوراق قديمة. كان وجهه يعكس صراعًا داخليًا عميقًا. لقد كان قرار إبعاد مراد عن صفاء صعبًا عليه، ولكنه كان يرى فيه السبيل الوحيد لحماية ابنته وعائلته. لقد كانت "خديجة" لا تزال قوة خفية، تسعى للانتقام، وتسعى لتمزيق النسيج الهش لعائلتهم. لقد اكتشف سالم أن خديجة كانت تراقب صفاء، وأنها كانت تخطط لشيء ما. كانت تلك الوثيقة التي وجدتها صفاء ليست سوى جزء صغير من مؤامرة أكبر. لقد كان زواج والدها من خديجة لم يتم قط، ولكنه كان السبب في خلاف كبير بين عائلته وعائلة الحاج محمود، وهو خلاف لم ينتهِ بعد.

نادى سالم على مساعده الخاص، ورجل يكن له ولاءً مطلقًا، ليطلب منه بعض الإجراءات الأمنية المشددة حول منزلهم، وحول صفاء. "أريد منك أن تتبع كل من يقترب من صفاء، وأن تراقب كل من يتحدث معها. هناك خطر قادم، وأنا أريد أن أكون مستعدًا."

في تلك الليلة، وبينما كانت صفاء تستعد للقاء مراد، كانت تشعر أن حياتها على وشك أن تنقلب رأسًا على عقب. لقد كشفت أوراق الماضي عن جوانب مظلمة، وبدا أن مستقبلها مع مراد أصبح معلقًا بخيط أرفع من شعرة. هل كانت هذه هي نهاية قصة حبهما، أم بداية فصل جديد، مليء بالأسرار والمواجهات؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%