الزوجة المختارة
صدى الماضي وهمسات المستقبل
بقلم ليلى الأحمد
وصلت صفاء إلى الحديقة المهجورة قبل مراد بدقائق. كانت الظلام قد بدأ يزحف على المكان، مصحوبًا بهدير خافت للريح التي تداعب أغصان الأشجار العتيقة. أحاط بها شعور غريب بالرهبة، كأنها قد دخلت إلى عالم آخر، عالم يجمع بين سحر الذكريات ووحشة المجهول. أمسكت بحقيبتها بقوة، تستجمع شجاعتها لمواجهة ما قد يأتي.
لم يمضِ وقت طويل حتى سمعت صوت سيارة تقترب. كان مراد. نزل من سيارته، وبدا عليه الإرهاق الشديد. تقدم نحوها بخطوات مترددة، وعيناه تبحثان في وجهها عن شيء لا تعرفه.
"صفاء، أشكرك لأنكِ أتيتِ." قال مراد بصوت خفيض، تكسوه مسحة من الألم. "لقد مررت بوقت عصيب للغاية."
"ما الذي يحدث يا مراد؟" سألت صفاء، وعينيها تتفحصان وجهه بحثًا عن أي إشارة. "لقد اختفيت فجأة، وتركتني في حيرة. ما هي الأسرار التي تتحدث عنها؟"
نظر مراد إلى الأرض للحظة، كأنه يستجمع كلماته، أو كأنه يحاول أن يخفف من وطأة ما سيقول. "صفاء، إن عائلتي… ليست كما تبدو. هناك تاريخ طويل من المشاكل، وديون قديمة، وخصوم لم نبرأ منهم بعد."
"هل تقصد عائلة الحاج محمود؟" سألت صفاء، تذكرت كلمات مراد السابقة.
أومأ مراد برأسه. "نعم. ولكن الأمر أعقد من ذلك بكثير. إن خديجة، ابنة الحاج محمود، هي في قلب كل هذه المشاكل. لقد حاولت والدتي في الماضي أن تتزوج من والدها، ولكن الأمور تعقدت، وحدثت مشاكل كبيرة."
"والدي؟" تساءلت صفاء بدهشة. "ما علاقة والدي بالأمر؟"
"هنا تكمن المشكلة الكبرى، يا صفاء." قال مراد، وهو يتنهد بعمق. "لقد اكتشفت مؤخرًا، من خلال بعض الأوراق القديمة التي تركتها لي جدتي، أن والدكِ… قد يكون له علاقة سابقة بخديجة."
انقبض قلب صفاء. "علاقة سابقة؟ ماذا تعني؟"
"لقد اكتشفت أن والدكِ كان مخطوبًا لخديجة قبل فترة طويلة من زواج والدتكِ. ولكن هذه الخطوبة لم تتم لسبب ما. وقد ترك هذا الأمر جرحًا عميقًا في نفس خديجة، وفي نفس والدي. والآن، يبدو أن خديجة تستغل هذا التاريخ، وتسعى للانتقام."
"الانتقام؟" كرر مراد، وارتعشت يداه. "لقد أصبحت لديها خطة. خطة لاستعادة ما تعتقد أنه حقها، حتى لو كان ذلك يعني تدمير عائلتنا، وتدمير كل شيء نبنيه."
"ولماذا الآن؟" سألت صفاء، ودموعها بدأت تتجمع في عينيها. "لماذا لم تخبرني بهذا من قبل؟"
"كنت أريد أن أتأكد أولاً. كنت أريد أن أجد حلاً. ولكني اكتشفت أن خديجة قد بدأت تحرك خيوط مؤامرتها. لقد علمت أنها تراقبكِ، صفاء. وأنها تسعى لاستغلالكِ كوسيلة للوصول إلي. لقد شعرت بالخطر الشديد، وتركت القاهرة على عجل، لأبحث عن دليل يثبت تورطها."
"ولكن… ولكن أخي سالم… لم يخبرني بشيء." قالت صفاء، وذهنها يعود إلى الوثيقة التي وجدتها في صندوق والدتها. "لقد وجدت وثيقة خطبة في أغراض والدتي، بين والدي وسيدة تدعى خديجة."
"هذا بالضبط ما أخشاه." قال مراد، وعيناه تتسعان. "إن سالم على علم بكل هذا. بل ربما يعرف أكثر مما أعرف. إنه يحاول أن يحميكم، ولكنه يخفي عنكم الحقيقة. إنه يعتقد أن الكشف عن هذه الأسرار قد يضر بسمعة العائلة."
"يضر بسمعة العائلة؟" هتفت صفاء. "وماذا عن حبنا؟ ماذا عن حياتنا؟ هل كل هذا لا يساوي شيئًا أمام سمعة العائلة؟"
"الأمر أعقد من ذلك يا صفاء. خديجة ليست مجرد امرأة تسعى للانتقام. إنها تمتلك نفوذًا كبيرًا، وتستطيع أن تسبب لنا مشاكل لا حصر لها. لقد سمعت أنها تسعى للسيطرة على بعض أعمال عائلتي، وأنها تستخدم كل الوسائل المتاحة لتحقيق ذلك."
"ولكن… ماذا عن والدي؟ هل كان على علم بكل هذا؟" سألت صفاء، وقد تذكرت عبارات والدتها عن "الخلافات القديمة" و"سوء الفهم".
"لا أعتقد ذلك. أعتقد أن والدكِ كان ضحية لهذه المشاكل كما كنا نحن. لقد كانت خديجة تحاول التلاعب به منذ البداية. وقد نجحت في ذلك. لقد تركت والدكِ في وضع صعب، وجعلته يعتقد أنه مدين لها بشيء."
"مدين لها بشيء؟" تكرر صفاء، والدموع تنهمر من عينيها. "كل هذا… كل هذه الأكاذيب… كل هذه الأسرار… لقد دمرت حياتنا."
"ليس بعد يا صفاء." قال مراد، وهو يمسك بيديها. "لم تدمر حياتنا بعد. ما زال لدينا أمل. ولكن يجب أن نعمل معًا. يجب أن نجد طريقة لمواجهة خديجة. يجب أن نكشف حقيقتها للعالم."
"وكيف سنفعل ذلك؟" سألت صفاء، وقد بدأت تشعر ببعض الأمل ينسل إلى قلبها. "ليس لدينا دليل قوي."
"لدينا أنتِ. ولدينا ما اكتشفته. يجب أن نتحدث مع سالم. يجب أن نقنعه بأن الحقيقة هي السبيل الوحيد. وأن إخفاء الأسرار لن يحل شيئًا."
"ولكن كيف يمكننا أن نقنع سالم؟ إنه عنيد جدًا."
"سنحاول. لدينا وقت قصير، ولكن ما زال بإمكاننا فعل شيء."
في هذه اللحظة، وبينما كان مراد يتحدث، سمعا صوتًا خافتًا يقترب. كان صوت خطوات. نهض كلاهما بحذر، وعيناهما تبحثان في الظلام.
"من هناك؟" صاح مراد.
لم يكن هناك رد. ولكن ظلًا طويلًا ظهر بين الأشجار، يقترب ببطء. كان ظل رجل.
"هذا ليس سالم." قالت صفاء، وقد شعرت بقشعريرة تسري في جسدها.
"ربما يكون أحد رجال خديجة." قال مراد، وهو يحاول أن يحمي صفاء خلفه. "علينا أن نرحل من هنا."
بدآ بالركض، والظل يلاحقهما. كانت أصوات خطواتهم تتردد في أرجاء الحديقة المهجورة، ممزوجة بخوف وغضب. كانت الغيوم قد اجتاحت السماء تمامًا، وأصبح الظلام دامسًا. لم يكونا متأكدين من الذي يطاردهما، ولكن شيئًا واحدًا كان مؤكدًا: لقد دخلوا إلى قلب العاصفة، ولم يكن هناك مفر.