الزوجة المختارة

بين جدرانِ الأمسِ

بقلم ليلى الأحمد

كانتْ عينيها تتبعُ الظلالَ المتراقصةَ على جدرانِ القصرِ العتيقِ، وهيَ تخطو بخطواتٍ هادئةٍ، محاولةً كتمَ دقاتِ قلبِها المتسارعةِ. لم يكنْ المنزلُ مجردَ بناءٍ من حجارةٍ وطينٍ، بل كانَ ذاكرةً حيةً، تحتضنُ أسرارَ الأجيالِ، وتنبضُ بروائحِ الماضي. الأثاثُ العتيقُ، المكسوّ بقطعٍ قماشيةٍ باهتةٍ، والسجادُ الفارسيُّ المهترئُ، كلُّها حكاياتٌ صامتةٌ عن أيامٍ مضتْ، عن ضحكاتٍ علتْ، وعن دموعٍ سالتْ.

"هنا يا سيدتي. هذا هوَ جناحُكِ."

كانَ صوتُ ناديةٍ، الخادمةِ الجديدةِ، مألوفاً بعضَ الشيءِ، لأنَّها كانتْ تعملُ معَ عمَّاتِها. كانتْ امرأةً في منتصفِ العمرِ، تحملُ ملامحَ جديةٍ، لكنَّ عينيها تحملانِ دفئاً خفياً.

فتحتْ ناديةُ البابَ، وكشفتْ عنْ غرفةٍ واسعةٍ، أثاثُها فاخرٌ ولكنهُ قديمٌ. السريرُ الكبيرُ ذو الأغطيةِ المطرزةِ، وخزانةُ الملابسِ الخشبيةُ المنحوتةُ، والمكتبُ الأنيقُ، كلُّها تشهدُ على حياةِ رجلٍ عاشَ هنا بترفٍ. لكنَّ المكانَ يفتقرُ إلى لمسةِ الحياةِ، إلى الألوانِ الزاهيةِ، إلى الروحِ.

"العمُّ سليمانُ… كانَ رجلاً غريباً." قالتْ ناديةُ، وكأنها قرأتْ أفكارَ ليلى. "كانَ يحبُّ العزلةَ، ويقضي معظمَ وقتِهِ في مكتبِهِ، يقرأُ ويكتبُ. نادراً ما كانَ يلتقيَ بأحدٍ. لكنَّهُ كانَ كريماً، ولم يبخلْ على أحدٍ."

"هلْ كانَ سعيداً؟" سألتْ ليلى، وصوتُها يحملُ فضولاً حقيقياً.

تنهدتْ ناديةُ. "السعادةُ أمرٌ نسبيٌّ يا سيدتي. كانَ لديهِ كلُّ شيءٍ ماديٍّ، ولكنَّه بدا وكأنَّهُ يبحثُ عنْ شيءٍ مفقودٍ. ربما… عنْ رفقةٍ، عنْ حبٍّ."

ذهبتْ ليلى نحو النافذةِ الكبيرةِ، المطلةِ على الحديقةِ. بدتْ الحديقةُ مهملةً، ولكنَّها تحملُ سحراً خاصاً. ورودٌ بريةٌ تتفتحُ هنا وهناك، وأشجارُ حمضياتٍ تتركُ عبيرَها في الهواءِ. تخيلتْ ليلى كيفَ كانتْ هذهِ الحديقةُ في أيامِ ازدهارِها، وكيفَ يمكنُ لها أنْ تستعيدَ رونقَها.

"أريدُ أنْ أبدأَ بترتيبِ المكانِ." قالتْ ليلى، وصوتُها يحملُ عزيمةً جديدةً. "أشعرُ أنَّ هذهِ الغرفَ بحاجةٍ إلى أنْ تتنفسَ من جديدٍ."

ابتسمتْ ناديةُ. "سأساعدُكِ يا سيدتي. كلُّ ما تحتاجينَهُ، فقطْ اطلبي."

قضتْ ليلى بقيةَ اليومِ تتجولُ في أرجاءِ القصرِ، تستكشفُ كلَّ ركنٍ وكلَّ زاويةٍ. وجدتْ مكتبةً ضخمةً، تحتوي على كتبٍ قديمةٍ قيمةٍ، منْ بينِها مخطوطاتٌ بخطِّ اليدِّ. وجدتْ غرفةَ طعامٍ فخمةً، بدتْ وكأنها لم تُستخدمْ منذُ زمنٍ طويلٍ. وكلَّما توغلتْ أكثرَ، كلَّما شعرتْ بتعقيدِ هذا الرجلِ الذي لم تعرفهُ، وبالثقلِ الذي تركَ وراءَهُ.

عندَ الغروبِ، جلستْ ليلى على كرسيٍّ في الشرفةِ، تراقبُ النجومَ وهيَ تتلألأُ في السماءِ. كانتْ تفكرُ في أحمدَ، الرجلِ الذي ستقابلُهُ غداً. هلْ هوَ مجردُ وريثٍ، أمْ رجلٌ لديهِ مشاعرُهُ وأحلامُهُ؟ هلْ سيتقبلُها، أمْ سيراها مجردَ أداةٍ لتحقيقِ مكسبٍ؟

"لقدْ وصلَ السيدُ أحمدُ."

جاءَ الصوتُ خافتاً منْ خلفِها. التفتتْ ليلى، فرأتْ رجلاً يقفُ في الظلامِ، يقفُ بجانبِ جدِّها، الذي يبدو أنهُ استعادَ نشاطَهُ. لم تستطعْ ليلى تمييزَ ملامحِهِ بوضوحٍ في الظلامِ، لكنَّ قامتهُ الطويلةَ، وهدوءَ وقفتِهِ، تركتْ انطباعاً أولياً.

"ليلى، ابنتي، هذا هوَ أحمدُ، ابنُ الشيخِ إبراهيمِ." قالَ عبدُ الرحمنِ. "وأحمدُ، هذهِ ليلى، حفيدةُ أختي، وخطيبةُ الغدِ."

تقدمَ أحمدُ نحو ليلى، ويدهُ تمتدُّ إليهِ. "أهلاً بكِ يا ليلى. سعادتي كبيرةٌ برؤيتِكِ."

صافحتْ ليلى يدهُ، شعرتْ ببرودتهاِ. كانتْ يدهُ قويةً، لكنَّها تحملُ خجلًا غريباً. "أهلاً بكَ يا أحمدُ. أنا أيضاً."

"لقدْ أعددنا لهُ غرفةً قريبةً منْ جناحِكِ." قالَ عبدُ الرحمنِ. "لا أريدُ أنْ أثقلَ عليكما الليلةَ. خذا قسطاً منَ الراحةِ، وغداً، يكونُ لنا حديثٌ أطولُ."

صعدَ أحمدُ إلى غرفتِهِ، وليلى بقيتْ واقفةً في الشرفةِ، تشعرُ بغرابةِ الموقفِ. لم يكنْ هناكَ شغفٌ، ولا إثارةٌ، مجردُ واجهةٍ اجتماعيةٍ، وواجبٍ مفروضٍ. لكنَّها حاولتْ أنْ تستجمعَ قوتَها.

"أتمنى أنْ تكونَ الأمورُ على ما يرامَ." همستْ لنفسِها، وهيَ تنظرُ إلى النجومِ. "أتمنى أنْ نتمكنَ منْ بناءِ شيءٍ جميلٍ معاً، حتى لو بدأنا منْ لا شيءٍ."

كانتْ تلكَ الليلةُ بدايةَ رحلةٍ، رحلةٍ بينَ جدرانِ الأمسِ، تحتَ سماءٍ تشهدُ على لقاءٍ باردٍ، ولكنَّهُ يحملُ وعداً بمستقبلٍ قدْ لا يكونُ كما هوَ متوقعٌ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%