الزوجة المختارة
المواجهة الأولى وتكشف الخيوط
بقلم ليلى الأحمد
كانت القلوب تنبض بسرعة، والأنفاس تتلاحق. الركض في الظلام، وسط حديقة مهجورة، كان أشبه بكابوس. شعرت صفاء بيد مراد تشد على يدها بقوة، تمنحها بعض القوة لمواصلة الجري. لم يجرؤا على النظر إلى الخلف، خوفًا مما قد يرونه. الظل الذي كان يلاحقهما بدا كوحش هائل، يتغذى على خوفهما.
"أسرع يا صفاء!" صاح مراد، وهو يجرها نحو باب قديم للحديقة، يقود إلى طريق غير معبد.
عندما وصلا إلى الباب، وجدا أنه مغلق. حاول مراد دفعه بقوة، ولكنه لم يتزحزح. شعر باليأس يتسرب إلى قلبه.
"لقد أغلقوه!" قالت صفاء، وصرختها امتزجت بالخوف.
في تلك اللحظة، سمعا صوتًا آخر، أقرب هذه المرة. كان صوت رجُل، يتحدث بلهجة غريبة، وبصوت أجش. "لا فائدة من الهرب. لقد تم تطويق المكان."
شعر مراد بقلبه يهوي. لقد وقعا في فخ. نظر إلى صفاء، فرأى الخوف يرتسم على وجهها، ولكنه رأى أيضًا بريقًا من التحدي في عينيها.
"لا تخافي يا صفاء." قال مراد، وهو يحتضنها. "سنخرج من هذا."
ظهر رجلان من بين الأشجار، وجوههما داكنة، وملابسهما داكنة. كانا يحملان عصي غليظة. ثم ظهر شخص ثالث، أكثر هدوءًا، ولكنه كان يحمل نظرة شريرة لا تخطئها عين. كان رجلاً في منتصف العمر، ذو شارب كثيف، وعينين حادتين.
"من أنتما؟ وماذا تفعلان هنا؟" سأل الرجل الثالث، ونبرته تحمل تهديدًا مبطنًا.
"نحن… كنا نتمشى." قال مراد، وهو يحاول أن يبدو هادئًا. "لقد ضللنا الطريق."
ضحك الرجل الثالث ضحكة قصيرة، قاسية. "تتمشيان في حديقة مهجورة في هذا الوقت المتأخر؟ قصة جيدة. ولكنها غير مقنعة."
"نحن لا نريد مشاكل." قالت صفاء، وصوتها يرتعش قليلاً.
"لا تريدون مشاكل؟" قال الرجل، وهو يقترب منها. "ولكن المشاكل هي التي وجدتنا." التفت إلى مراد. "أنت مراد، أليس كذلك؟ أعرفك. لقد سمعت عنك الكثير."
شعر مراد ببرودة تسري في عروقه. "من أنت؟"
"أنا لست مهمًا." قال الرجل. "المهم أنك استطعت أن تتلاعب بخديجة لفترة طويلة. ولكن كل شيء له نهاية."
"خديجة؟" تساءلت صفاء. "ما علاقة خديجة بهذا؟"
"خديجة هي سيدة هذا المكان." قال الرجل، وهو يشير إلى الحديقة. "وهي لا تحب أن يتم اقتحام ممتلكاتها. خاصة من قبل أشخاص مثلكم."
"نحن لسنا لصوصًا!" صاح مراد.
"بل ربما أنتم جواسيس." قال الرجل، وهو يبتسم بسخرية. "تتجسسون على خديجة. تخططون لشيء ما ضدها."
"نحن لا نعرف خديجة." كذبت صفاء، وهي تشعر بالخوف يتملكها.
"هذا غير صحيح." قال الرجل، وهو يلتفت إلى مراد. "لقد رأيتكم معًا في القاهرة. سمعت عن علاقتكما. وخديجة لا تسامح."
"ماذا تريدون؟" سأل مراد.
"نريد أن نعرف ما هي خطتكم." قال الرجل. "وما هي الأسرار التي اكتشفتموها."
"لا يوجد أسرار." قال مراد.
"كاذب!" صاح الرجل، ثم أشار إلى أحد رجاله. "اجلب لنا ما وجدوه."
تقدم أحد الرجلين، وكان يحمل في يده شيئًا. كان تلك الوثيقة التي وجدتها صفاء في صندوق والدتها.
"هذه الوثيقة." قال الرجل، وهو يمسك بها. "ما معناها؟"
شعر مراد أن العالم ينهار حوله. لقد اكتشفت خديجة كل شيء. "هذه… هذه وثيقة خطبة قديمة."
"وهل تعتقد أننا أغبياء؟" قال الرجل، وهو يضحك. "هذه الوثيقة تثبت أن والدكِ… كان مخطوبًا لخديجة. وأن هناك دينًا بين عائلتكم وعائلتها. دين يجب أن يتم سداده."
"هذا غير صحيح!" صاح مراد. "لقد كان والدتي على علم بكل شيء."
"والدتكِ؟" قال الرجل، وهو يرفع حاجبه. "والدتكِ كانت تعرف أن خديجة تحاول أن تسلب كل شيء؟"
"لقد كانت هناك خلافات، ولكن…"
"خلافات؟" قاطع الرجل. "هذه ليست خلافات. هذه حرب. حرب طويلة، وأنتم تخسرونها."
"ماذا تريد خديجة منا؟" سألت صفاء، وقد بدأت تشعر بالغضب يحل محل خوفها.
"تريد أن تعيد أمجاد الماضي." قال الرجل. "وتريد أن تنتقم من كل من أخطأ في حقها. وخاصة من عائلة والدتكِ. إنها ترى فيكِ، يا صفاء، المفتاح لاستعادة كل ما فقدته."
"لا يمكنها فعل ذلك!" قالت صفاء. "إنها لا تستطيع أن تتدخل في حياتنا."
"إنها تفعل ذلك بالفعل." قال الرجل، وهو يبتسم. "لقد بدأت. ولن تتوقف حتى تحصل على ما تريد."
"وماذا عنك؟" سأل مراد الرجل. "هل تعمل معها؟"
"أنا مجرد منفذ للأوامر." قال الرجل. "ولكن إذا كنت تريد أن تعرف، فإن خديجة لا تسامح. إنها تملك الكثير من الأسرار، ولديها الكثير من النفوذ. يمكنها أن تدمر أي شخص يقف في طريقها."
"ولكن لماذا؟" تساءلت صفاء. "لماذا هذا الحقد كله؟"
"الحقد؟" قال الرجل، وهو ينظر إلى السماء المظلمة. "ربما ليس حقدًا. ربما هو مجرد سعي للعدالة. العدالة التي لم تحصل عليها منذ سنوات."
"هذا ليس عدلًا!" صاح مراد. "هذا ظلم."
"الظلم يأتي من كل الجهات." قال الرجل. "والآن، حان وقت دفع الثمن. أعطني هاتفك."
أعطى مراد هاتفه للرجل. قام الرجل بفحص الصور والرسائل. ثم نظر إلى مراد.
"لقد كنت تستعد للهروب، أليس كذلك؟" قال الرجل. "لقد كنت تتواصل مع شخص ما."
"لم أكن أخطط للهروب." قال مراد.
"لا تكذب." قال الرجل. "لقد كنت تتواصل مع سالم، أليس كذلك؟"
شعر مراد بالصدمة. كيف عرف هذا الرجل؟ "ما علاقة سالم بهذا؟"
"سالم هو من أرسلني." قال الرجل، وبدا على وجهه شيء من الغرابة. "لقد طلب مني أن أتأكد من أنكم لن تكشفوا كل شيء. وأنكم لن تدمروا سمعة العائلة."
"ماذا؟" صاحت صفاء. "هذا مستحيل! سالم لا يمكن أن يفعل ذلك!"
"لقد فعل." قال الرجل. "إنه يرى فيكِ، يا صفاء، تهديدًا. تهديدًا لاستقرار العائلة. لقد طلب مني أن أجلبكما إلى خديجة. لتتحدثا معها، ولتصلحا الأمور."
شعر مراد بالدوار. لقد كان كل شيء متداخلًا. سالم، خديجة، والد صفاء… كل شيء كان معقدًا.
"ولكن… لماذا؟" سأل مراد. "لماذا يريد سالم أن يذهب بنا إلى خديجة؟"
"لأن سالم يعتقد أن هذا هو الحل الوحيد." قال الرجل. "لأنه يريد أن يحميكم من المشاكل التي قد تنجم عن الكشف عن كل هذه الأسرار. إنه يعتقد أن خديجة هي الوحيدة التي يمكنها أن تضع حدًا لهذه المشاكل."
"ولكنها هي سبب المشاكل!" هتفت صفاء.
"ربما." قال الرجل. "ولكن أحيانًا، يجب أن تواجه الوحش في عرينه."
"هل أنت متأكد أن سالم هو من أرسلك؟" سأل مراد. "هل قال لك ما هو المطلوب بالضبط؟"
"لقد قال لي أن أراقبكما. وأن أجلبكما إلى خديجة. وأن أضمن أن لا يحدث أي شيء سيء لكم."
"وماذا لو لم نرغب في الذهاب؟" سألت صفاء.
"حينها… ستكون الأمور صعبة." قال الرجل، وهو يشير بعصاه إليهما. "ولكننا لن نؤذيكم. فقط سنضمن أنكم تفعلون ما يجب فعله."
نظر مراد إلى صفاء. كانت عيناها تلمعان بالدموع، ولكنها كانت عازمة. "نحن ذاهبون."
"مراد!" قالت صفاء.
"ليس لدينا خيار آخر، يا صفاء." قال مراد. "إذا كان سالم قد طلب ذلك، فيجب أن نذهب. ولكن سنكون حذرين."
"حذرين؟" قال الرجل. "هذا جيد. لأن خديجة ليست لطيفة جدًا."
وبينما كانوا يسيرون في الظلام، تاركين وراءهم الحديقة المهجورة، شعر مراد و صفاء بأنهم يسيرون نحو مستقبل غامض، مستقبل لا يعرفون ما يخبئه لهم. لقد كانت الخيوط تتكشف، ولكنها كانت تتشابك أكثر وأكثر.