الزوجة المختارة

خطوةٌ نحو المجهولِ

بقلم ليلى الأحمد

كانَ نورُ الصباحِ يتسللُ خجولاً عبرَ ستائرِ الغرفةِ، مرسماً خطوطاً ذهبيةً على الأرضيةِ الباردةِ. استيقظتْ ليلى على صوتِ زقزقةِ العصافيرِ، وصوتِ ناديةٍ وهيَ تُعدُّ الفطورَ في المطبخِ. كانَ يومُ العقدِ، يومٌ ستقرأُ فيهِ كلمتانِ، ويرتبطانِ فيهِ مصيرانِ.

ارتدتْ ليلى فستاناً بسيطاً بلونِ السماءِ، وعطراً خفيفاً تفوحُ رائحتُهُ منْ عبيرِ الياسمينِ. وقفتْ أمامَ المرآةِ، تنظرُ إلى انعكاسِها. لم ترَ فيها الفرحةَ المتوقعةَ منْ عروسٍ، بلْ نظرةً تحملُ مزيجاً منْ القلقِ والتصميمِ.

"صباحُ الخيرِ يا ابنتي."

كانَ صوتُ جدِّها، عبدُ الرحمنِ، قوياً وواثقاً. دخلَ الغرفةَ، حاملاً في يدِهِ صينيةَ قهوةٍ عربيةٍ تفوحُ منها رائحةُ الهيلِ.

"صباحُ النورِ يا جدي." أجابتْ ليلى، وهيَ تستقبلُ منْهُ كوبَ القهوةِ.

"أتمنى أنْ يكونَ قلبُكِ مطمئناً يا ليلى. أحمدُ شابٌّ صالحٌ، وإنْ كانَ هادئاً. سيُحسِنُ إليكِ."

"إنَّهُ حسنُ ظنِّكمْ يا جدي، وآملُ أنْ أكونَ عندَ حسنِ ظنِّ الجميعِ." قالتْ ليلى، وهيَ تتجرعُ القهوةَ.

كانَ أحمدُ ينتظرُ في قاعةِ الاستقبالِ، برفقةِ والدهِ، الشيخِ إبراهيمَ، الذي كانَ رجلاً ذا وقارٍ، ذو لحيةٍ بيضاءَ، وعينينِ حنونتينِ. كانَ الشيخُ إبراهيمُ ينظرُ إلى ليلى بتقديرٍ، وبابتسامةٍ أبويةٍ.

"أهلاً بكِ يا ابنتي ليلى. لقدْ سمعتُ الكثيرَ عنْ صلاحِكِ وحسنِ خلقِكِ. أسألُ اللهَ أنْ يُباركَّ لكما." قالَ الشيخُ إبراهيمُ، ويدهُ تمتدُّ لتصافحَها.

"باركْ اللهُ فيكَ يا عمي. وأنا بدوري، أشكرُكمْ على قبولِكمْ لي في عائلتِكمْ." قالتْ ليلى، وهيَ تشعرُ براحةٍ أكبرَ تحتَ نظرِ الشيخِ إبراهيمَ.

بدأَ المأذونُ بقراءةِ عقدِ النكاحِ، وصوتُهُ يملأُ القاعةَ بكلماتٍ مباركةٍ، تحملُ معانيَ الالتزامِ والمسؤوليةِ. كانَ أحمدُ يجلسُ بجانبِها، هادئاً، لا يبدو عليهِ أيُّ انفعالٍ. كانَ ينظرُ إليها بينَ الحينِ والآخرِ، نظراتٍ سريعةً، تحملُ ما لا تستطيعُ ليلى تفسيرَهُ.

"هلْ تقبلينَ الزواجَ منْ أحمدَ بنِ إبراهيمَ، على كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّهِ، مهراً…؟"

توقفتْ ليلى للحظةٍ. لم يكنْ هناكَ مهرٌ تقليديٌّ. كانَ المهرُ هوَ وصيةُ العمِّ سليمانَ، وثروتهُ. ولكنَّها لم تردْ أنْ تبدوَ كمنْ يبحثُ عنِ المالِ.

"على كتابِ اللهِ وسنةِ نبيِّهِ، مهراً قدرُهُ… كلُّ ما تركتْهُ لي يدُ العمِّ سليمانَ، وتركُهُ لي، هوَ مهرٌ كافٍ." قالتْ ليلى بصوتٍ ثابتٍ.

ابتسمَ المأذونُ. "أحمدُ بنُ إبراهيمَ، هلْ تقبلُ ليلى بنتَ…؟"

"أقبلُ، وأشهدُ اللهَ على ذلك." قالَ أحمدُ بصوتٍ واثقٍ.

انتهى العقدُ. باركهمْ الحاضرونَ، وتبادلَ الجميعُ التهاني. شعرتْ ليلى بانتقالٍ غريبٍ. لم تعدْ ليلى الفتاةَ العاديةَ، بلْ أصبحتْ زوجةً.

بعدَ انتهاءِ مراسمِ العقدِ، اجتمعَ أحمدُ وليلى في شرفةِ القصرِ. كانَ الجوُّ هادئاً، والسماءُ صافيةٌ.

"أتمنى أنْ تكوني سعيدةً يا ليلى." قالَ أحمدُ، وصوتُهُ يحملُ شيئاً منَ الخجلِ.

"أنا… أنا أحاولُ أنْ أكونَ كذلكَ. إنَّهُ أمرٌ كبيرٌ، ولكني واثقةٌ أنَّ اللهَ سيُعينُنا." قالتْ ليلى، وهيَ تنظرُ إلى الأفقِ.

"أنا أيضاً. أريدُ أنْ تعرفي، أنَّ هذا الزواجَ… لم يكنْ اختيارياً بالكاملِ بالنسبةِ لي. ولكنَّني أرى فيهِ فرصةً لشيءٍ أفضلَ. وأنا أعدُكِ، أنَّني سأكونُ لكِ زوجاً صالحاً، وسأحترمُ حقوقَكِ."

نظرتْ ليلى إليهِ، للمرةِ الأولى، رأتْ في عينيهِ شيئاً أعمقَ منَ الهدوءِ. رأتْ صدقاً، ورغبةً في إثباتِ نفسِهِ.

"وأنا أعدُكَ، أنَّني سأكونُ لكِ زوجةً مخلصةً، وسأبذلُ قصارى جهدي لجعلِ حياتِنا مباركةً." قالتْ ليلى، وشعرتْ ببعضِ الأملِ يتسللُ إلى قلبِها.

"هلْ لديكِ أيُّ طلباتٍ؟" سألَ أحمدُ. "أيُّ شيءٍ تحتاجينَهُ، فقطْ قولي."

"أودُّ أنْ أبدأَ بترتيبِ الحديقةِ. أشعرُ أنها بحاجةٍ إلى اهتمامٍ." قالتْ ليلى، تتذكرُ حلمَها بتجديدِ المكانِ.

ابتسمَ أحمدُ ابتسامةً حقيقيةً. "هذا أمرٌ جيدٌ. سأُحضرُ لكِ كلَّ ما تحتاجينَهُ. وأنا على استعدادٍ للمساعدةِ."

كانتْ تلكَ الكلماتُ كشرارةٍ، بدأتْ تُضيءُ ظلمةَ المستقبلِ. ربما، لم يكنْ هذا الزواجُ مجردَ واجبٍ، بلْ فرصةٌ لبناءِ شيءٍ جديدٍ، شيءٍ جميلٍ، يجمعُ بينَ شخصينِ جمعتْهُما الأقدارُ.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%