الزوجة المختارة
جذورُ التساؤلِ
بقلم ليلى الأحمد
بدأتْ الأيامُ تتوالى، حاملةً معها روتيناً هادئاً، لكنَّهُ لم يخلو منَ التساؤلاتِ. كانَ أحمدُ رجلاً ملتزماً، يقضي معظمَ وقتِهِ في عملِهِ، ثمَّ يعودُ إلى القصرِ ليجلسَ معَ والدهِ، أوْ يقضي وقتاً قصيراً معَ ليلى. كانتْ علاقتهُما وديةً، مليئةً بالاحترامِ المتبادلِ، ولكنَّها كانتْ تفتقرُ إلى ذلكَ الاشتعالِ العاطفيِّ، إلى تلكَ اللحظاتِ التي تتحدثُ فيها القلوبُ بلغةٍ خاصةٍ.
كانتْ ليلى، بقلبِها الكبيرِ، تبذلُ قصارى جهدِها لملءِ الفراغِ. طورتْ الحديقةَ، وزرعتْ فيها أنواعاً منَ الورودِ النادرةِ، وساعدتْها ناديةُ في إعادةِ ترتيبِ أثاثِ القصرِ، وإضفاءِ لمسةٍ منَ الحداثةِ على المكانِ العتيقِ. كانتْ تجدُ في عملِها عزاءً، وفي إنجازاتِها الصغيرةِ سعادةً.
لكنَّ ليلى كانتْ تشعرُ بشيءٍ غامضٍ. كانَ أحمدُ، رغمَ حسنِ تعاملِهِ، يبدو كمنْ يخفي شيئاً. في بعضِ الأحيانِ، كانتْ تلتقطُ نظراتٍ سريعةً منْ عينيهِ، نظراتٍ تحملُ حزناً عميقاً، أوْ نفادَ صبرٍ. كانَ يتهربُ منْ أسئلةٍ تتعلقُ بماضيهِ، أوْ بعلاقاتِهِ السابقةِ.
"يا ليلى، يبدو أنَّكِ تعبتِ كثيراً في هذهِ الحديقةِ." قالَ أحمدُ ذاتَ يومٍ، وهوَ ينظرُ إلى يديها اللتينِ تحملانِ آثارَ العملِ.
"إنَّها متعتي يا أحمدُ. أحبُّ أنْ أرى الأشياءَ تزدهرُ تحتَ يدي." أجابتْ ليلى بابتسامةٍ.
"وهلْ تزدهرُ حياتُنا أيضاً؟" سألَ أحمدُ، وصوتُهُ يحملُ نبرةَ قلقٍ.
"أتمنى ذلكَ. الأمرُ يحتاجُ وقتاً، وحسنَ نيَّةٍ منَ الطرفينِ." قالتْ ليلى، وهيَ تتفكرُ كلماتها.
كانَ يومُ الجمعةِ، يومُ الراحةِ والعبادةِ. بعدَ صلاةِ العصرِ، قررتْ ليلى أنْ تزورَ مكتبَ العمِّ سليمانَ. لم تدخلْهُ منذُ وصولِها. كانتْ تدركُ أنَّهُ مفتاحٌ لفهمِ الكثيرِ.
عندما فتحتْ البابَ، استقبلتها رائحةُ الورقِ القديمِ، والتبغِ الخفيفِ. كانَ المكتبُ مليئاً بالكتبِ، ومبعثراً ببعضِ الأوراقِ. على المكتبِ، وجدتْ مذكراتٍ بخطِّ العمِّ سليمانَ.
بدأتْ ليلى تقرأُ، وقلبُها يدقُّ بعنفٍ. كانتْ المذكراتُ تحملُ سيرةَ رجلٍ وحيدٍ، يبحثُ عنْ معنىً لحياتِهِ. كانَ يكتبُ عنْ وحدتِهِ، وعنْ خيبةِ أملِهِ في بعضِ العلاقاتِ. ثمَّ، وجدتْ سطوراً تتحدثُ عنْ أحمدَ.
"أحمدُ، شابٌّ طيبٌ، ولكنَّهُ يحملُ هموماً أثقلَ منْ سنِّهِ. لقدْ تعرضَ لظلمٍ كبيرٍ في علاقةٍ سابقةٍ، جعلتْهُ يفقدُ الثقةَ بالنساءِ. أتمنى أنْ تكونَ ليلى قادرةً على شفائِهِ، وإعادتهُ إلى دربِ الحياةِ."
شعرتْ ليلى بصدمةٍ. لم تتوقعْ أنْ يكونَ أحمدُ قدْ مرَّ بتجربةٍ مؤلمةٍ كهذهِ. كانَ هذا يفسرُ برودهُ، وحذرَهُ، وصعوبةَ التقربِ إليهِ.
ثمَّ وجدتْ ورقةً أخرى، كانتْ تبدو كمسودةٍ لوصيةٍ ثانيةٍ. كانَ العمُّ سليمانُ يكتبُ عنْ خططِهِ لتغييرِ بعضِ شروطِ الوصيةِ، ولكنهُ لم يكملْ.
"إذا لم تستطعْ ليلى أنْ تجلبَ السعادةَ لأحمدَ، فلنْ أمنحَها أيَّ شيءٍ. إنَّ سعادةَ حفيدي أهمُّ منْ أيِّ شيءٍ."
شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقِها. كانتْ هنا لأنَّها اختارها القدرُ، ولكنَّها الآنَ تدركُ أنَّ الأمرَ لا يتعلقُ بها وحدها، بلْ بوجودِ أحمدَ وسعادتِهِ.
عندما غادرَ أحمدُ العملَ ذلكَ المساءِ، كانتْ ليلى تنتظرُهُ.
"أحمدُ، هلْ لي أنْ أسألكَ سؤالاً؟" سألتْ ليلى، وصوتُها يحملُ جديّةً.
نظرَ إليها أحمدُ، وظهرَ عليهِ بعضُ القلقِ. "تفضلي يا ليلى."
"هلْ أنتَ… هلْ أنتَ سعيدٌ بهذا الزواجِ؟"
صمتَ أحمدُ للحظةٍ، ثمَّ قالَ: "ليلى، أنتِ تعلمينَ أنَّ هذا الزواجَ لم يكنْ اختياراً حرّاً لنا. ولكنَّني أحترمُكِ، وأحترمُ قراراتِ العائلةِ. أنا أحاولُ، وأتمنى أنْ نتمكنَ منْ بناءِ شيءٍ جيدٍ."
"ولكنَّكَ لستَ سعيداً." قالتْ ليلى، وصوتُها يحملُ حزناً. "قرأتُ في مذكراتِ العمِّ سليمانَ… لقدْ تعرضتَ لأذىً كبيرٍ في الماضي."
تصلَّبَ جسدُ أحمدَ. نظرَ إليها بعينينِ تحملانِ مفاجأةً وغضباً خفياً. "ماذا؟ كيفَ تجرؤينَ على قراءةِ خصوصياتِ الآخرينَ؟"
"أنا آسفةٌ يا أحمدُ، ولكنَّني شعرتُ أنَّني بحاجةٍ لمعرفةِ المزيدِ. هلْ الأمرُ صحيحٌ؟"
تنهدَ أحمدُ بعمقٍ، وبدا عليهِ الاستسلامُ. "نعم يا ليلى. لقدْ تعرضتُ لخيانةٍ مؤلمةٍ. جعلتني أفقدُ الثقةَ في الكثيرِ منَ الأشياءِ، وفي الكثيرِ منَ الناسِ."
"ولهذا السببِ أنتَ هكذا؟" سألتْ ليلى، قلبُها يتقطعُ عليهِ.
"ربما." أجابَ أحمدُ، وهوَ ينظرُ إلى الأرضِ. "إنَّها جروحٌ عميقةٌ، وتلتئمُ ببطءٍ."
شعرتْ ليلى بمسؤوليةٍ أكبرَ. لم يعدْ الأمرُ مجردَ واجبٍ، بلْ مسؤوليةً عنْ شفاءِ رجلٍ مجروحٍ. ولكنَّها كانتْ تتساءلُ، هلْ يمكنُ لحبِّها، ولأفعالِها، أنْ تداويَ جروحاً كهذهِ؟ وهلْ كانَ العمُّ سليمانُ على حقٍّ في تركِ هذهِ الوصيةِ المعقدةِ؟