الزوجة المختارة

ظلال الماضي ونداء المستقبل

بقلم ليلى الأحمد

استيقظت ليالي على ضوء الشمس المتسلل من بين ستائر غرفة نومها الفاخرة، وهي غرفة امتزجت فيها أناقة التصميم بعبق التراث الأصيل. لقد كانت تلك الليلة الأولى لها في بيت زوجها، بيت السيد عبد الرحمن، بيتٌ يلفه الهدوء وتكسوه المهابة. لم تكن غريبة عن هذا الشعور؛ فجدها، الشيخ الأجل، كان له بيتٌ أشبه بهذا، مليء بالكتب القديمة ورائحة البخور العطر. لكن هذا البيت كان له طابعه الخاص، طابعٌ يحمل بصمات امرأة أخرى، لم تعرفها ليالي إلا من خلال قصصٍ نسجتها الخيال وأحاديثٍ عابرة.

جلست على طرف السرير، تتأمل الغرفة بخفوت. كل شيء بدا في مكانه، مرتباً ومنظماً، وكأنها لم تلمسه يدٌ منذ عقود. تذكرت ليلة أمس، زفافها الذي لم تكتمل فرحته. خطوبتها من السيد خالد، الرجل الذي اختارته والدتها، ورأته فيه كل ما تتمناه لابنتها: النجاح، المال، والمكانة. لكن قلب ليالي كان يخفق لشيء آخر، لشيءٍ بعيدٍ كل البعد عن هذه الحسابات الدنيوية.

نهضت وتوجهت إلى الخزانة. كانت مليئة بالملابس الراقية، معظمها لم يكسِ جسدها بعد. شعرت بوخزةٍ من الضيق، كأنها تحمل فوق كتفيها ثقلاً لا تستطيع حمله. هذه الملابس، هذه الحياة، لم تخترها بنفسها. كل ما حدث كان بتدبيرٍ من والدتها، تلك الأم التي آمنت بأن زواج ابنتها من رجلٍ غنيٍ هو الحل الأمثل لضمان مستقبلها.

ذهبت إلى الحمام، استحمّت بماءٍ دافئٍ غسل عنها تعب الليلة الماضية، لكنه لم يغسل عنها شعور الاغتراب. عندما عادت إلى الغرفة، وجدت طاولة الإفطار قد جهزت. كان عليها صنفان فقط من الفاكهة، وبعض المعجنات الهشة، وفنجان قهوةٍ يعبق برائحة الهيل. لم يكن السيد عبد الرحمن موجوداً.

جلست، وبدأت تأكل ببطء، وهي تتساءل عن مكان زوجها. هل هو خارج المنزل؟ هل اعتاد أن يفطر وحده؟ تذكرت كلماته الباردة في ليلة أمس، كلماته التي كانت بمثابة سياجٍ يفصل بينهما. "سنعيش كإخوة"، قالها وهو يمنحها نظرةً لا تحمل أي دفء.

عندما انتهت من إفطارها، قررت أن تستكشف المنزل. كان المنزل واسعاً، يضم حديقةً غنّاءً، ومكتبةً فخمةً، وقاعاتٍ استقبالٍ تبدو وكأنها تعود إلى عصرٍ مضى. كل زاويةٍ كانت تحكي قصة. في المكتبة، وجدت مجموعةً كبيرةً من الكتب القديمة، مخطوطاتٍ باللغة العربية، وبعضها باللغات الأجنبية. مدّت يدها لتلمس غلاف كتابٍ جلديٍ عتيق، ثم سحبته. كان عنوانه "رحلة في دروب العشق الإلهي". ابتسمت. ربما لم تكن روحها غريبةً عن هذا المكان تماماً.

أمضت ساعاتٍ تتجول في المنزل، تشعر وكأنها تستكشف أسراراً دفينة. كل شيء كان يدعو إلى الهدوء والتأمل، إلا شيئاً واحداً كان يقلقها: غياب السيد عبد الرحمن، وشعورها بأنه يعيش في عالمٍ خاصٍ به، عالمٌ لا تستطيع الدخول إليه.

عندما بدأت الشمس تميل نحو الغرب، سمعت صوت سيارةٍ تقترب. كان السيد عبد الرحمن. دخل المنزل، حاملاً حقيبته الجلدية. لم يلقِ عليها تحيةً، ولم ينظر إليها. توجه مباشرةً إلى مكتبه الخاص، وأغلق الباب خلفه.

شعرت ليالي بخيبة أملٍ عميقة. لقد أرادت أن تبدأ صفحةً جديدة، صفحةً يملؤها الود والاحترام المتبادل، لكن يبدو أن الأمر لن يكون بهذه السهولة. عادت إلى غرفتها، وجلست أمام المرآة. رأت في وجهها الشابة الحزينة، الشابة التي اضطرت إلى التنازل عن أحلامها الصغيرة من أجل مستقبلٍ أكبر، مستقبلٍ يبدو الآن مليئاً بالفراغ.

لم تمر دقائق قليلة حتى سمعت صوتاً خفيفاً على الباب. كانت الخادمة، وهي تحمل صينيةً عليها فنجان شايٍ وقطعة حلوى. "هذا للسيدة"، قالت الخادمة بصوتٍ خافت، ووضعت الصينية على المنضدة.

"شكراً لكِ"، قالت ليالي بصوتٍ بالكاد يُسمع.

نظرت إلى الشاي، ثم إلى قطعة الحلوى. لم تشعر بالشهية. لكنها تذكرت كيف كانت والدتها تقول دائماً: "على الإنسان أن يتقبل ما قسمه الله له، وأن يسعى جاهداً ليجد السعادة في أي ظرفٍ كان."

تناولت فنجان الشاي، وشربت منه رشفةً. كان دافئاً، منعشاً. ثم مدت يدها إلى قطعة الحلوى. لقمةٌ صغيرةٌ بدت وكأنها تعيد إليها بعضاً من روحها.

لم تكن تعرف ما الذي ينتظرها في الأيام القادمة. هل ستستطيع أن تجد طريقها في هذا البيت الغريب؟ هل ستجد قلباً يمكن أن يحتضن قلبها؟ أم أنها ستظل أسيرةً لظلال الماضي، وللخيارات التي فرضت عليها؟

شعرت ليالي بوخزةٍ من الخوف، ممزوجةً بقليلٍ من الأمل. كانت تعلم أن الطريق لن يكون سهلاً، وأن عليها أن تجد القوة الداخلية لتتجاوز هذه العقبات. وبينما كانت تراقب غروب الشمس من نافذة غرفتها، تساءلت: هل سيكتب لها الحب أن يجد طريقه إلى قلب السيد عبد الرحمن، قلبٌ يبدو وكأنه صُنع من حجر؟ أم أنها ستظل مجرد "زوجة مختارة" لا يربطها به سوى عقدٌ زواج؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%