الزوجة المختارة
رياح التغيير ووشوشات القلب
بقلم ليلى الأحمد
بعد مرور أسبوعٍ على زواجها، بدأت ليالي تستشعر رتابةً ثقيلةً في حياتها الجديدة. كانت أيامها تتشابه، كل صباحٍ تستيقظ على صمتٍ مطبق، وتفطر وحدها، وتقضي ساعاتٍ في استكشاف أرجاء المنزل، أو تقرأ في المكتبة، أو تتحدث مع الخادمة أمينة، تلك المرأة التي بدت كأنها تعرف كل أسرار هذا البيت. أما السيد عبد الرحمن، فقد ظلّ غامضاً كعادته. يخرج في الصباح الباكر، ويعود في وقتٍ متأخرٍ من الليل، وغالباً ما يكون متعباً، ينغلق على نفسه في مكتبه، لا يسمع منه سوى صوت تقليب الأوراق، أو رنين هاتفه المتواصل.
كانت ليالي تحاول أن تفهم سبب هذا البعد. هل كان الأمر يتعلق بزوجته الأولى؟ كانت قد سمعت من أمينة بعض الهمسات عن وفاتها المفاجئة قبل سنواتٍ قليلة، وأنها كانت امرأةً تحظى بحبٍ كبيرٍ من السيد عبد الرحمن. هل كان قلبه لا يزال محتفظاً بذكراها؟ أم أن طبيعة عمله، التي بدت معقدةً وغامضةً، هي السبب في انغلاقه؟
في إحدى الأمسيات، وبينما كانت ليالي تجلس في الحديقة، تتأمل النجوم، سمعت صوتاً خلفها. استدارت لتجد السيد عبد الرحمن واقفاً بجانبها، وهو يحمل كوبين من الشاي.
"لم أتوقع أن أراكِ هنا"، قال بصوتٍ هادئ، قدم لها أحد الكوبين.
"وأنا أيضاً"، أجابت بابتسامةٍ خفيفة، أخذت الكوب. "الجو جميلٌ في الخارج."
"نعم، إنه كذلك"، وافقها، وجلس بجانبها على المقعد الحجري. كان صمتاً مريحاً، صمتٌ لم يحمل أي توتر.
"هل أنتِ مرتاحةٌ هنا؟"، سألها فجأة.
تأملت ليالي السؤال. "أحاول أن أكون"، قالت بصدق. "لكن الأمر ليس سهلاً."
نظر إليها السيد عبد الرحمن، وعيناه رماديتان، تحملان عمقاً غريباً. "أعلم أن هذا الزواج لم يكن ما أردتِ. وأن ظروفنا ليست طبيعية."
"لم يكن هذا ما أردتُه، هذا صحيح"، قالت بصوتٍ منخفض. "لكنني أتفهم أن هناك أموراً أكبر منا، أموراً علينا أن نتعامل معها."
"أنتِ شابةٌ قويةٌ، ليالي"، قال وهو يشرب من الشاي. "هذا ما رأيته فيكِ منذ اللحظة الأولى."
"ولم ترَ شيئاً بعد، سيدي"، ردت مبتسمة.
مرّت لحظاتٌ صمتٍ أخرى، ثم قال: "أعلم أنني لم أمنحكِ ما تستحقينه. أنا غارقٌ في عملي، وفي ذكرياتٍ لا تزال تؤلمني."
"أفهم"، قالت ليالي. "لكن الذكريات الجميلة أيضاً تستحق أن تُحفظ، وأن تُعاش."
تنهد السيد عبد الرحمن. "ربما. لكن الحياة أخذت مني الكثير."
"وهي أيضاً قد تعطي الكثير"، قالت ليالي، ونظرت إلى وجهه. "إنها مسألةُ نظرةٍ، ونظرةٍ متفائلةٍ غالباً ما تجلب الخير."
تردد السيد عبد الرحمن لبرهة، ثم قال: "كنتُ على وشك أن أسافر في رحلة عملٍ غداً. لكنني قررتُ تأجيلها."
فوجئت ليالي. "حقاً؟"
"نعم"، قال. "أعتقد أنني بحاجةٍ إلى إعادة ترتيب أوراقي. وربما، إلى فرصةٍ لفهم هذه الحياة الجديدة."
شعرت ليالي بنبضةٍ من الأمل. هل هذه بدايةٌ حقيقية؟ هل سيبدأ السيد عبد الرحمن بالانفتاح عليها؟
في اليوم التالي، لم يسافر السيد عبد الرحمن. وبدلاً من ذلك، دعاها لتناول الإفطار معه. كان الإفطار مختلفاً هذه المرة. لم يكن صامتاً، بل كان مليئاً بالحديث. سألها عن عائلتها، عن دراستها، عن أحلامها. وقد أجابت بصدق، وهي تشعر براحةٍ غريبةٍ مع هذا الرجل الذي كان يبدو بعيداً كل البعد.
"كنتُ أحب الرسم كثيراً"، قالت ليالي عندما سألها عن هواياتها. "كنتُ أرسم منذ صغري، وأحلم بأن أصبح فنانةً تشكيلية."
"ولماذا لم تحققي هذا الحلم؟" سألها السيد عبد الرحمن باهتمام.
"الظروف"، أجابت بابتسامةٍ باهتة. "تتطلب الحياة أحياناً قراراتٍ صعبة."
"لكنكِ ما زلتِ تستطيعين الرسم"، قال. "لم يفت الأوان أبداً."
"ربما"، قالت ليالي، وهي تشعر بأن شيئاً ما بدأ يتحرك داخلها.
بعد الإفطار، ذهب السيد عبد الرحمن إلى مكتبه، لكنه هذه المرة لم يغلق الباب. دخلت ليالي، ووجدته جالساً على مكتبه، ينظر إلى رسمةٍ قديمةٍ معلقةٍ على الحائط. كانت صورةً لامرأةٍ جميلةٍ، تبدو وكأنها تعرف ليالي من قبل.
"هذه زوجتي الأولى، عائشة"، قال السيد عبد الرحمن بنبرةٍ حزينة. "كانت تحب الفن أيضاً. وكانت ترسم بشغفٍ كبير."
نظرت ليالي إلى الصورة. كانت جميلةً بحق. "إنها جميلةٌ جداً"، قالت.
"كانت كل شيءٍ بالنسبة لي"، قال وهو يتنهد. "وفقدانها ترك فراغاً كبيراً في حياتي."
شعرت ليالي بالشفقة على هذا الرجل. كان يبدو وحيداً، مثقلاً بأعباء الماضي.
"لكنني أعتقد أنني تعلمتُ شيئاً من فقدانها"، قال وهو ينظر إليها. "وهو أن الحياة تستمر، وأن علينا أن نفتح قلوبنا من جديد."
لم تستطع ليالي أن ترد. نظرت إلى عينيه، ورأت فيهما بذرةً من الأمل، بذرةً بدأت تنمو ببطء. هل هذا هو الطريق الذي سيقودها إلى قلب السيد عبد الرحمن؟ هل ستستطيع أن تساعده على تجاوز أحزانه، وأن تبني معه مستقبلاً جديداً؟
في تلك الليلة، استشعرت ليالي تغيراً في الأجواء. لم يكن الصمت سيد الموقف، بل كان هناك همسٌ خافتٌ بالأمل، وشعورٌ بأن رياح التغيير قد بدأت تهب على هذا البيت.