الزوجة المختارة

وشائج الرحم وألغاز الماضي

بقلم ليلى الأحمد

ازدادت الأيام جمالاً وهدوءاً نسبيًا في بيت السيد عبد الرحمن. لم يعد الرجل ينغلق على نفسه كما كان في البداية. بل بدأ يخصص وقتاً لليالي، يقضيان معاً ساعاتٍ في المساء، يتحدثان عن أمور الحياة، عن الكتب التي يقرأونها، عن أحلامهم. كانت ليالي تشعر بامتنانٍ عميقٍ لهذا التغيير، فقد بدأت تشعر بأنها لم تعد مجرد "زوجة مختارة"، بل أصبحت إنسانةً لها وجودٌ وقيمةٌ في هذا البيت.

ذات مساءٍ، بينما كانا يحتسيان الشاي في الحديقة، سألت ليالي: "سيدي، هل لي أن أسألك سؤالاً شخصياً؟"

نظر إليها السيد عبد الرحمن بابتسامةٍ لطيفة. "تفضلي يا ليالي. أي سؤالٍ يخطر ببالك."

"لقد ذكرتَ لي زوجتك الأولى، عائشة. هل لديك أبناءٌ منها؟"

تردد السيد عبد الرحمن قليلاً، ثم قال: "لا. لم يرزقني الله بأبناءٍ من عائشة."

شعرت ليالي ببعض الارتياح، لكنها لاحظت أيضاً تعبيراً غريباً في عينيه، وكأن هناك سرّاً دفينًا.

"لكن هذا ليس صحيحاً تماماً"، أضاف بنبرةٍ تبدو فيها مفاجأةٌ ممزوجةٌ بالحزن.

"ماذا تقصد؟" سألت ليالي بفضول.

"لقد كان لدينا ابنةٌ صغيرةٌ. لكنها توفيت في سنٍ مبكرةٍ جداً. لم تتجاوز العام الواحد."

صُدمت ليالي. لم تتوقع ذلك أبداً. "آه، أنا آسفةٌ جداً لسماع ذلك"، قالت بحزنٍ صادق. "لم أكن أعلم."

"إنها ذكرى مؤلمةٌ جداً"، قال السيد عبد الرحمن، ونظر إلى النجوم. "لقد كانت ملاكاً صغيراً."

"أتفهم تماماً. فقدان الأطفال شيءٌ لا يوصف."

"لكن هذا ليس كل شيء"، قال بنبرةٍ غريبة. "هناك قصةٌ أخرى، قصةٌ لم أروِها لأحدٍ من قبل."

استمعت ليالي بإنصاتٍ تام، وقلبها يخفق بقلقٍ ممزوجٍ بالفضول.

"بعد وفاة عائشة وابنتنا، كنتُ في حالةٍ يرثى لها. انغلقتُ على نفسي، وغرقتُ في العمل. في خضم هذا الحزن، تعرفتُ على امرأةٍ أخرى. كانت تعمل في إحدى الشركات التي كنتُ أتعامل معها. لم تكن علاقتنا رسميةً، ولم أكن أفكر في الزواج مرةً أخرى. لكنها حملت مني."

فتحت ليالي عينيها بدهشة. "حملت منك؟"

"نعم. أنجبتْ ولداً. لكنني لم أعترف به في البداية. كنتُ خائفاً، ومضطرباً. أردتُ أن أنسى الماضي."

"وماذا حدث بعد ذلك؟" سألت ليالي بصوتٍ مهتز.

"بعد فترةٍ، بدأتُ أشعر بالمسؤولية. أدركتُ أن هذا الطفل بريءٌ من كل ما حدث. فبدأتُ أرى ابني. لكن والدته، وهي امرأةٌ قويةٌ جداً، لم تكن ترغب في أن أكون جزءاً من حياة ابنهما. أرادت أن تربيه بمفردها. لم أكن أستطيع أن أجبرها على شيءٍ. ومنذ ذلك الحين، وأنا أرى ابني من حينٍ لآخر، لكن علاقتهما بي ليست قوية."

"هذا أمرٌ صعبٌ جداً"، قالت ليالي، وهي تحاول أن تستوعب كل هذه المعلومات.

"الأصعب من ذلك، هو أنني لم أعترف بهذا الابن رسمياً، ولم أقم بتسجيله باسمي. ظننتُ أنني بذلك أحميه من التعقيدات. لكنني أخشى الآن أن يكون هذا القرار قد أضرّ به."

"هل تعرف أين يعيش ابنك الآن؟"

"نعم. يعيش مع والدته في منطقةٍ أخرى. وهو الآن في سن المراهقة. لكنني أخشى أن يعتقد أنني لا أحبه."

شعرت ليالي بقلبها يتفطر لهذا الرجل. كان يبدو وكأنه يحمل أثقال العالم على كتفيه.

"سيدي"، قالت ليالي بعد صمتٍ طويل. "أعتقد أنك بحاجةٍ إلى فعل شيءٍ. أنت بحاجةٍ إلى أن تعترف بابنك، وأن تبني معه علاقةً حقيقية."

"ولكن كيف؟" سأل السيد عبد الرحمن بنبرةٍ يائسة. "والدته لا تزال قويةً، ولا تسمح لي بالتدخل في حياته."

"يمكنك أن تحاول. يمكنك أن ترسل له رسائل، أن تتصل به. يمكنك أن تبين له أنك مهتمٌ به. وأنا، إذا سمحت لي، يمكنني أن أساعدك."

نظر إليها السيد عبد الرحمن بعينين تلمعان بالامتنان. "هل أنتِ مستعدةٌ لمساعدتي يا ليالي؟"

"بالتأكيد"، قالت ليالي بابتسامةٍ قوية. "نحن الآن عائلةٌ واحدة، وعلينا أن نقف مع بعضنا البعض."

في الأيام التالية، بدأت ليالي تستكشف هذا الجانب الجديد من حياة السيد عبد الرحمن. تحدثت مع والدته، وحاولت أن تتفهم وجهة نظرها. وجدت أنها امرأةٌ قويةٌ، لكنها أيضاً كانت تحمل في قلبها بعض الغيرة والخوف.

"لقد عانيتُ كثيراً بسبب هذا الرجل"، قالت والدة الابن لليالي. "لم أكن أريد أن يمر ابني بنفس المعاناة."

"لكن ابنك يحتاج إلى والده"، قالت ليالي بلطف. "ويحتاج إلى حبٍ وعائلة."

بدأت ليالي تخطط لخطوةٍ جريئة. دعت والدة الابن إلى تناول العشاء معها ومع السيد عبد الرحمن. كان العشاء متوتراً في البداية، لكن ليالي حاولت أن تخلق جواً من الود والتفاهم. تحدثت عن أهمية العائلة، وعن الحب الذي يجمع بين الآباء والأبناء.

شيئاً فشيئاً، بدأت الحاجز يتكسر. بدأت والدة الابن تتحدث عن ابنها، وعن مخاوفها. وبدأ السيد عبد الرحمن يتحدث عن ندمه، وعن رغبته في بناء علاقةٍ مع ابنه.

"لم أكن أعرف كيف أتعامل مع هذا الوضع"، قال السيد عبد الرحمن. "لكنني الآن أدرك أنني أخطأت. وأريد أن أصحح هذا الخطأ."

نظرت والدة الابن إليه، ورأت في عينيه صدقاً. "ربما"، قالت بصوتٍ خافت. "ربما حان الوقت."

في نهاية العشاء، لم تكن الأمور قد حُلت بالكامل، لكنها كانت قد بدأت. كانت ليالي تشعر بالرضا. لقد فعلت شيئاً مهماً. لقد ساعدت في لم شمل عائلةٍ مبعثرة.

عندما عاد السيد عبد الرحمن وليالي إلى المنزل، شعر السيد عبد الرحمن براحةٍ لم يشعر بها منذ سنوات.

"أشكركِ يا ليالي"، قال وهو ينظر إليها. "لقد فعلتِ شيئاً لا أستطيع وصفه بالكلمات."

"كلنا نحاول أن نفعل ما نستطيع"، قالت ليالي بابتسامةٍ هادئة. "والعائلة هي أهم شيءٍ في الحياة."

نظرت ليالي إلى السيد عبد الرحمن، ورأت في عينيه لمعاناً جديداً. لمعانٌ لم يكن فيه حزنٌ أو ندم، بل كان فيه أملٌ ورجاء. هل كانت هذه هي الخطوة الأولى نحو حبٍ حقيقي؟ هل كانت وشائج الرحم، وألغاز الماضي، هي ما سيجمع قلبيهما؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%