الحب الحقيقي الجزء الثالث
شظايا الأمس وومضات الأمل
بقلم ليلى الأحمد
استفاقت ليالي على أشعة الشمس الذهبية التي تسللت من بين ستائر غرفتها، تحمل معها دفء يوم جديد، لكن دفء اليوم لم يستطع أن يذيب جليد الهم الذي استقر في قلبها. ما زالت عبارات جدها، الحاج عبد الرحمن، ترن في أذنيها، كلمات قاسية كسرت حاجز الصمت الذي طالما أحاط بعلاقتهم. "لا يمكن أن تتزوجي من رجل يخالف شرع الله في ماله، يا ابنتي."
كانت تلك الجملة أشبه بسهم يخترق روحها، تسائلت في سرها كيف يمكن لجدها، الرجل الذي لطالما أحبته ووثقت به، أن يصدر حكمًا قاطعًا كهذا دون أن يتفهم أبعاد الأمر. كانت تعلم أن والده، السيد خالد، قد بدأ مشروعه التجاري بمال اختلط فيه الحلال بالحرام في بداياته، لكنه كان يعمل جاهدًا على تطهير أمواله وإرضاء الله في معاملاته. ألم يكن هذا كافيًا؟
نهضت من فراشها متثاقلة الخطوات، توجهت نحو نافذة الغرفة، وأسدلت الستائر لتكشف عن حديقة المنزل الممتدة، والتي كانت تزهر بألوان الربيع الزاهية. اعتادت أن تجد فيها سكينة روحها، لكن اليوم، بدت الأزهار باهتة، والألوان خافتة، وكأنها انعكاس لحالتها النفسية.
في الطابق السفلي، كانت رائحة القهوة العربية الأصيلة تفوح من المطبخ، تفوح معها رائحة الخبز الطازج، لكنها لم تكن قادرة على استثارة شهيتها. نزلت لترى والدتها، السيدة فاطمة، منهمكة في إعداد وجبة الإفطار.
"صباح الخير يا أمي." قالت ليالي بصوت خافت، محاولة إخفاء حزنها.
"صباح النور يا حبيبتي. لم تستيقظي باكرًا اليوم؟ هل أنتِ بخير؟" سألت السيدة فاطمة وهي تلتفت نحو ابنتها بعينين حنونتين.
"أنا بخير يا أمي. فقط... بعض الأفكار تشغل بالي." أجابت ليالي وهي تجلس على الطاولة.
"عن ماذا تفكرين؟ هل الأمر يتعلق بسامي؟" سألت والدتها وهي تضع أمامها طبقًا من الفاكهة الطازجة.
ترددت ليالي لبرهة، ثم قررت أن تشارك والدتها ما يدور في خلدها. "جدتي سارة حدثتني بما قاله جدي عبد الرحمن. عن مال أبي. إنه قلق بشأن... اختلاط الحلال بالحرام."
أخذت السيدة فاطمة نفسًا عميقًا، ووضعت يدها على يد ابنتها. "يا ابنتي، والدك رجل تقي، وحريص على دينه. صحيح أن بدايات مشروعه لم تكن مثالية، ولكن الله غفور رحيم. وقد عمل والدك بجد ليصحح مساره. جدك رجل كبير في السن، وقلبه رهيف، وقد يكون قلقه نابعًا من طيبته وخوفه عليكِ. لا تدعي هذا الأمر يؤثر في سعادتك."
"لكن يا أمي، ما قول الناس؟ وما قول الله؟ إذا كان هناك شك، فمن الأفضل الابتعاد، أليس كذلك؟" تساءلت ليالي، وعيناها تلمعان بدموع مكتومة.
"يا حبيبتي، الشك الذي تتحدثين عنه هو وسواس. والدك قام بكل ما يستطيع لتطهير ماله. لقد استشار العلماء، وتصدق بالمال المشبوه، وفتح أبواب الخير. ألا ترين كيف أصبح عمله مباركًا؟ ألا ترين كيف يعامل الناس؟" قالت السيدة فاطمة بحزم، محاولة بث الطمأنينة في قلب ابنتها.
في الوقت نفسه، في مكتبه الفخم، كان سامي يتلقى اتصالًا هاتفيًا جعله يقف على قدميه. كانت كلمات المتصل تسبب له صدمة. "لقد تم تجميد بعض حسابات الشركة يا سيد سامي. هناك تحقيق بشأن مصدر بعض الأموال."
"تحقيق؟ في ماذا؟" سأل سامي بصوت متوتر، ووجهه شاحب.
"لا أملك تفاصيل دقيقة، لكن الأمر يتعلق بصفقة قديمة، ويشتبه في أنها تمت بأموال غير مشروعة. إنها دعوى قضائية خطيرة."
أغلق سامي الخط وهو يشعر بأن الأرض تميد به. كانت هذه الأخبار بمثابة ضربة قاصمة، لم يكن يتوقعها أبدًا. هل كان جده على حق؟ هل كانت هناك ثغرات في مسار والده لم يعلم بها؟
كان يعلم أن سمعة والده، وبالتالي سمعته هو، على المحك. لقد عمل بجد ليضع بصمته الخاصة، ليبني إمبراطورية لا تشوبها شائبة. الآن، كل هذا أصبح مهددًا.
في فترة ما بعد الظهيرة، زارت ليالي جدتها سارة، التي كانت تقضي وقتها في الاعتناء بزهورها النادرة. جلست ليالي بجانبها، وبدأت تحدثها عن قلقها.
"يا جدتي، إن كلام جدي يؤلمني. ولا أستطيع أن أتجاهل فكرة أن مال والد سامي قد لا يكون حلالًا بالكامل."
ابتسمت الجدة سارة ابتسامة حكيمة، وقالت: "يا ابنتي، الحياة ليست دائمًا واضحة كالشمس. هناك ظلال، وهناك ألوان رمادية. والدك رجل صالح، ولكن الشيطان يزين للناس أمورًا. أما زوجك المستقبلي، فهو شاب طيب، وقوي الإيمان. لا تحكمي على الأمور من أول نظرة. اجلسي، ودعينا نتحدث مع أبيكِ. ربما يستطيع أن يشرح لكِ بعض الأمور."
شعر الحاج عبد الرحمن بالأسف على ابنته. لم يكن يقصد أن يؤلمها، لكن خوفه على مستقبلها كان يغلبه. عندما تحدثت معه السيدة فاطمة، استمع إليها بصبر، ورأى في عينيها صدقًا وحكمة.
"حسناً يا فاطمة. أرى فيكِ ما يطمئن. ولكن، قلبي ما زال قلقًا. إذا كانت هناك أي شبهة، فمن الأفضل الابتعاد. ولكن، إذا كان خالد قد أصلح ما أفسد، وتجاوز عن الخطأ، فليكن. لن أقسو على ابنتي. المهم أن يتجنب هو نفسه الوقوع في الخطأ."
في المساء، وبينما كانت ليالي تعد نفسها للنوم، وصلتها رسالة من سامي. كانت الرسالة مليئة بالاعتذار عن عدم اتصاله، وشرح موجز لما حدث في الشركة.
"حبيبتي ليالي، أعتذر عن صمتي. لقد مرت عليّ ساعات عصيبة. هناك تحقيق جارٍ في بعض المعاملات القديمة. لا أعرف التفاصيل الكاملة، ولكنني أعدكِ بأنني سأتجاوز هذه المحنة. سأثبت أن كل ما بنيناه قائم على أسس سليمة. أرجو أن تثقي بي. أحبكِ."
شعرت ليالي بقلبها يخفق بقوة. كان حديث سامي مليئًا بالصدق، ورغم القلق، شعرت بالأمل. ربما كان جده على صواب في قلقه، ولكن ربما كان سامي على صواب في ثقته بنفسه وبمشروعه. كان عليها أن تتحلى بالصبر، وتنتظر ما سيحدث. كانت تعلم أن طريق الحب الحلال ليس دائمًا مفروشًا بالورود، ولكنها كانت مستعدة لتجاوز الصعاب، طالما أن شريكها يتحلى بالصدق والإيمان.
في اللحظة التي أغلقت فيها هاتفها، شعرت بأنها أمام مفترق طرق. عليها أن تفكر جيدًا في قرارها، وأن تستعين بالله في كل خطوة. كانت تعلم أن هذه المحنة، مهما كانت قاسية، قد تكون بداية لتطهير وتوضيح الأمور، وأن الحب الحقيقي ينمو ويزدهر في ظل الصدق والإيمان، حتى في أشد الظروف قسوة.