الحب الحقيقي الجزء الثالث
عاصفة الماضي وتصاعد الشكوك
بقلم ليلى الأحمد
امتدت يد سامي لتمسك بسماعة الهاتف، يتصبب عرقًا باردًا على جبينه. كانت كلماته تخرج متقطعة، ممزوجة بضيق التنفس. "المحقق... يقول إن هناك... شبهات قوية حول مصدر أموال صفقة... السامرة."
كان صدى صوت المتصل، المحامي الذي يمثّل الشركة، يزلزل أركان واقعه. صفقة السامرة، تلك الصفقة التي كانت نقطة تحول في مسيرة والده، السيد خالد، والتي بدأ بها تغلغله في عالم التجارة الدولية. كان يتذكرها كقصة نجاح أسطورية، كيف استطاع والده، بذكاء وفطنة، أن يستحوذ على حقوق شركة متعثرة في دولة أجنبية، ليحولها إلى كنز لا ينضب. لكن الآن، تبدو هذه القصة وكأنها تحمل في طياتها سرًا مظلمًا.
"ما نوع الشبهات؟" سأل سامي، محاولًا أن يمنع صوته من الارتعاش. "هل هي... اختلاس؟ رشوة؟"
"لا، الأمر أكثر تعقيدًا يا سيد سامي. يبدو أن مصدر الأموال التي استخدمها السيد خالد في تلك الصفقة، كان... مشبوهًا. هناك تقارير تشير إلى ارتباطها بشخصيات ذات سمعة سيئة، متهمة بغسيل أموال. التحقيق يهدف إلى التأكد ما إذا كانت هذه الأموال قد تم تطهيرها بشكل صحيح قبل استخدامها."
شعر سامي بأن رأسه يدور. كل ما بناه والده، كل سمعته الطيبة، كل الأمان الذي كان يتنفسه، أصبح الآن على حافة الهاوية. كان يعلم أن والده كان يعطي الأولوية للربح، ولكنه كان دائمًا يتظاهر بأن كل شيء يتم وفقًا للشريعة. هل كان ذلك مجرد ستار؟
"وهل... هل هناك أدلة قوية؟" سأل سامي، يتمنى لو أن سماعته تتحول إلى وسيلة لتمزيق الواقع.
"الأدلة متفرقة، ولكنها كافية لبدء التحقيق. وهناك خطر حقيقي بأن يتم تجميد أصول الشركة، وربما توجيه اتهامات رسمية."
نهض سامي من كرسيه، وبدأ يسير ذهابًا وإيابًا في مكتبه الواسع. كانت صورته المثالية لوالده، الرجل العظيم، المهذب، المتدين، بدأت تتشقق. لم يكن يعرف ماذا يفكر. هل كان والده ضحية؟ أم كان جزءًا من المشكلة؟
تذكر ليالي. تذكر كلماتها، قلقها، حواراتها مع جدها. كانت دائمًا متشككة في تفاصيل النجاح المبهر، تبحث عن الشفافية والطهارة. هل كانت على حق؟ هل كانت حدسها أقوى من كل البراهين الظاهرية؟
قرر أن يتصل بوالده. كان يعلم أن والده سافر في رحلة عمل، ولكنه كان يأمل أن يجده. بعد عدة محاولات، تمكن من الوصول إليه.
"أبي؟ سامي يتحدث. هل أنت بخير؟"
"سامي! كيف حالك يا بني؟ نعم، أنا بخير. ما الأخبار؟" كان صوت والده مفعمًا بالثقة والهدوء، كعادته.
"أبي، هناك... هناك مشكلة. هناك تحقيق جارٍ بخصوص صفقة السامرة."
ساد صمت مريب على الطرف الآخر. شعر سامي بأن الهواء في الغرفة أصبح أثقل. بعد لحظة، تحدث والده بصوت بارد، خالي من أي تعبير: "ماذا تقصد؟"
"يعتقدون أن مصدر الأموال كان مشبوهًا. هناك شبهات بغسيل أموال."
"هذه أكاذيب! اتهامات باطلة! من يقف وراء هذا؟" سأل السيد خالد، وبدأت نبرته ترتفع.
"لا أعرف بالضبط، أبي. ولكن الأمر جدي. تم استدعاء المحامي الخاص بنا."
"هذا مستحيل! لقد راجعت كل شيء، وأمرت بتطهير كل الأموال. لقد دفعنا الضرائب، وأخرجنا الصدقات. هذا افتراء!"
"ولكن يا أبي، إذا كانت هناك مجرد شبهة، فإنهم سيبدأون التحقيق. هذا قد يؤثر على سمعة الشركة، و..."
"اسمع يا سامي، لا تدع أحدًا يزعزع ثقتك. والدي كان دائمًا شديدًا في أمور المال، ولكنه لم يفهم طبيعة الأعمال الكبيرة. لقد تعاملت مع الأمر بحكمة. الآن، أريدك أن تهدأ، وأن تثق بي. سأتصل بك حالما أعود."
أنهى السيد خالد المكالمة دون مزيد من النقاش. ترك سامي واقفًا، يشعر بمزيد من الارتباك والشك. إن ردة فعل والده كانت غريبة. لم يبدُ غاضبًا فحسب، بل بدا وكأنه يحاول إخفاء شيء.
في نفس اليوم، تلقت السيدة فاطمة زيارة مفاجئة من سارة، شقيقة الحاج عبد الرحمن. كانت سارة تحمل في يديها بعض الأوراق القديمة.
"فاطمة، أحضرت لكِ هذه. وجدتها بين أغراض والدكِ الراحل. أظن أنها قد تخص خالد. كانت هناك مراسلات قديمة بينهما."
فتحت فاطمة الأوراق، ورأت خط يد زوجها، خالد، يمتزج بخط يد والدها. كانت هناك إيصالات، رسائل، وبعض الوثائق التي بدت غامضة.
"هذه... هذه إيصالات بمبالغ كبيرة، محولة إلى حسابات في الخارج. وهذا بتاريخ قبل صفقة السامرة بوقت قصير." قالت فاطمة، وعيناها تتسعان.
"نعم، وقد وجدت أيضًا هذه الرسالة، من والدكِ. كان فيها تحذير لخالد بشأن التعامل مع شخص يدعى 'الظل'. قال إن هذا الشخص يشارف على الفساد، وأن التعامل معه سيجلب له المشاكل."
انتابت السيدة فاطمة رعشة. كانت تتذكر هذه التحذيرات، ولكنها كانت تعتقد أنها مجرد مخاوف مبالغ فيها. الآن، ترى الدليل أمام عينيها. كان خالد، زوجها، الرجل الذي لطالما وثقت به، يبدو وكأنه قد تورط في شيء أكبر مما كانت تتخيل.
"لا يمكن أن يكون الأمر كما يبدو يا سارة. خالد رجل صالح، ولكنه..."
"ولكنه يا فاطمة، كان طموحًا جدًا. وربما هذا الطموح قد قاده إلى طريق مظلم. الحاج عبد الرحمن كان يرى ذلك. كان قلقًا على خالد. وهذا القلق لم يأتِ من فراغ."
جلست فاطمة، تشعر بأن العالم ينهار من حولها. إذا كان هذا التحقيق حقيقيًا، وإذا كانت تلك الوثائق تشير إلى الحقيقة، فماذا سيحدث؟ وماذا ستقول لابنتها ليالي؟ هل سينهار زواجها قبل أن يبدأ؟
في تلك الليلة، لم تستطع ليالي النوم. كانت رسالة سامي، وإن كانت تحمل وعدًا بالثقة، لم تخفف من قلقها. الآن، ومع الأخبار المتوالية، شعرت بأنها تسير في طريق مليء بالغموض.
رأت رؤيا في منامها: كانت تقف أمام قصر شاهق، ولكن جدرانه بدأت تتشقق، وتتساقط منها قطع حجرية، ويكشف عن ظلام دامس في الداخل. استيقظت مذعورة، قلبها يخفق بشدة، وتشعر بأن شيئًا ما سيحدث، شيء كبير، سيغير مجرى حياتها وحياة من تحب.