الحب الحقيقي الجزء الثالث

همس الشاشات في ليل السهر

بقلم ليلى الأحمد

كانت الليلة قد أرخت سدولها على القاهرة، وألقى القمر بخيوط فضية باهتة على أسطح البيوت العتيقة. في غرفته التي ضجت بالكتب والأوراق، كان أحمد، ذلك الشاب ذو العينين اللامعتين بالعلم والطموح، يجلس وحيداً، لكن وحدته لم تكن سوى وهم. كانت الشاشات تملأ فراغه، تضيء وجهه بعتمة اصطناعية، وتهمس له بأصوات لا تنتمي إلى عالمه الهادئ.

لم يكن أحمد غريبًا عن السهر، فقد اعتاد عليه منذ سنوات الدراسة، لكن هذا السهر كان مختلفًا. لم يعد ذاك السهر الرفيق الذي يحمل في طياته البحث عن المعرفة أو تأمل عظمة الخالق. لقد تحول إلى عبودية صامتة، إدمان خفي يتسلل إلى أعماقه كالسم. بدأ الأمر ببراءة، بشيء من التسلية، برغبة في متابعة ما يدور في العالم الرقمي، وما يروّج له عبر منصات التواصل الاجتماعي. لكن سرعان ما انساق، وغرق في بحر لا قرار له من المعلومات، والانفعالات، والمقارنات.

كانت "سارة"، تلك الفتاة التي احتلّت قلبه كجوهرة ثمينة، لا تعلم بهذا الظلام الذي بدأ يكتنف حياة خطيبها. كانت تراه دومًا في أبهى صوره، الشاب المثقف، الرقيق، الذي يحمل في عينيه بريق الأمل، وفي كلماته صدق المشاعر. لطالما أحبت فيه هدوءه، وعمقه، وقدرته على الحديث في شتى المواضيع بثقة واقتدار. لكن خلف هذه الواجهة، كانت هناك معركة شرسة تدور رحاها، معركة لا يدركها إلا هو، ولا يشعر بوطأتها سوى روحه المتعبة.

في تلك الليلة، وبينما كان عقارب الساعة تدور ببطء، كان أحمد يتصفح إحدى المنصات. كانت الصور والمقاطع تتوالى أمامه، تعكس حياة تبدو مثالية، أناس يتباهون بإنجازاتهم، وبممتلكاتهم، وبسعادتهم الزائفة. شعر بغصة في حلقه، وبحسد غريب ينهش روحه. لماذا لا يملك هو مثل هذه الحياة؟ لماذا لا يحقق كل هذا النجاح؟ بدأت المقارنات تنهشه، ووساوس الشيطان تزيد من يأسه.

"لماذا أنا لست هناك؟" تساءل في قرارة نفسه، وهو ينظر إلى صور أصدقاء قدامى قد حظوا بفرص لم يحظ بها. "هل أنا أقل منهم؟ هل قدراتي محدودة؟" كانت هذه الأسئلة تدور في رأسه كدائرة مفرغة، تغذي سخطه وتزيد من شعوره بالضياع.

تسللت تلك الأفكار السلبية إلى علاقته بسارة. بدأ يرى فيها أحياناً، وليس دائماً، رمزاً لحياة مثالية قد لا يقدر على تحقيقها. كانت سارة، في نظر الجميع، الفتاة الهادئة، المتدينة، التي تعيش حياة بسيطة وراضية. وهذا، في بعض لحظات ضعفه، كان يثير فيه شعوراً بالدونية، كأن سعادتها تعتمد على ما يملكه هو، وليس على ما يملكه هو من حب لها.

في إحدى المحادثات الهاتفية بينهما، وبينما كانت سارة تتحدث بحماس عن خططهم المستقبلية، عن بيتهم الصغير الذي يحلمون به، وعن هدوء الحياة التي يرتضونها، انقطع أحمد عن الحديث فجأة.

قالت سارة بقلق: "أحمد؟ هل تسمعني؟"

عاد أحمد إلى الواقع بصعوبة، وقال بصوت خافت: "نعم، يا حبيبتي. كنت أفكر فقط."

"في ماذا؟" سألت بشغف. "هل هناك ما يزعجك؟"

تردد أحمد قليلاً، ثم قال: "لا شيء يا سارة. فقط... ربما أرهقتني بعض الأمور في العمل. أنتِ تعلمين كيف هو الحال."

تغلغل الكذب في حديثه كسم بطيء. لم يكن يريد أن يقلقها، ولم يكن يريد أن يبدو ضعيفاً أمامها. لكن هذا الضعف كان يتزايد داخله. كان يحمل عبئًا ثقيلاً، عبئًا لا يشاركها إياه، عبئًا يغذي وحدته ويزيد من عزلته.

بعد إنهاء المكالمة، عاد أحمد إلى شاشته. لم يعد الأمر يتعلق بالترفيه أو بالمعلومات. لقد أصبح وسيلة للهروب. الهروب من واقعه، الهروب من أفكاره، الهروب من نفسه. كان يقلب الصفحات، يشاهد مقاطع الفيديو، يتصفح الأخبار، وكلها مجرد ضوضاء تخدر عقله المؤلم.

كانت الساعة تقترب من الثالثة صباحًا. الهواء في الغرفة أصبح ثقيلاً، ورائحة القهوة الباردة تفوح من الكوب الذي لم يمسه. شعر أحمد بإرهاق شديد، لكن النوم كان بعيدًا. كانت عيناه حمراوين، وجفنهما ثقيل، لكن عقله كان نشيطًا، يتقاذف الأفكار ككرة مهترئة.

في تلك اللحظة، وصلت رسالة على هاتفه. كانت من سارة. "أتمنى أن تكون بخير، يا حبيبي. لا تقلق كثيرًا. غدًا يوم جديد. أحبك."

شعر أحمد بلسعة في قلبه. كم كانت سارة نقية، وكم كانت محبة. لقد استحقّت منه أفضل من هذا، أفضل من هذا الانغماس في الوهم، أفضل من هذه العزلة التي يفرضها على نفسه. لكنه لم يكن يعرف كيف يتخلص من هذه القيود. كان يعلم أن هذا الإدمان، وإن كان خفيًا، يهدد حياته، ويهدد مستقبله مع سارة.

تنهد أحمد، وأغلق حاسوبه المحمول ببطء. نظر إلى صورة له مع سارة معلقة على الحائط، صورة يبتسم فيها الاثنان بسعادة حقيقية. شعر بغصة أخرى، ووعد نفسه بأن شيئًا ما يجب أن يتغير. لكن تلك الليالي الطويلة، وهمسات الشاشات، كانت قد نسجت حوله شبكة عنكبوتية يصعب فكها. كانت هذه الليلة مجرد بداية، بداية لظلام أعمق، وصراع أشد.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%