الحب الحقيقي الجزء الثالث
سوس الضياع يتسلل
بقلم ليلى الأحمد
مرت الأيام، وكل يوم كان يطوي صفحة من صفحات حياة أحمد، ليس بالتقدم، بل بالتراجع. لم تعد مجرد ليالي سهر طويلة، بل أصبحت دورة مفرغة، تتغذى على إرهاقه، وعلى شعوره بالذنب، وعلى خوفه المتزايد. كان إدمانه للشاشات قد تجاوز مجرد التسلية، ليصبح سوسًا يتسلل إلى جوهر وجوده، يهدد بابتلاع كل ما هو جميل في حياته.
كان أحمد يجد نفسه يتجنب سارة أكثر فأكثر. لم يكن الأمر عن قصد، بل كان نتيجة طبيعية لانغماسه في عالمه الافتراضي. كانت المكالمات الهاتفية تتقلص، والرسائل النصية أصبحت مقتضبة. عندما يتحدثان، كان يشعر وكأنه يفتقد جزءًا من تركيزه، وكأن ذهنه مشتت، يبحث دائمًا عن إشارة ضعيفة، عن نافذة مفتوحة في عالم لا يشبع.
كانت سارة تشعر بذلك التغيير. لاحظت بروده، وشرووده، ونقص شغفه. كانت تحاول بشتى الطرق أن تعيده إلى طبيعته، إلى أحمد الذي أحبته. كانت ترسل له رسائل لطيفة، تدعوه للخروج، تتحدث معه عن المستقبل بتفاؤل. لكن كل ذلك كان يرتطم بجدار صامت، جدار بنته الأوهام الرقمية.
في إحدى الأمسيات، اتصلت به سارة، وبدت نبرتها مليئة بالقلق. "أحمد، هل أنت بخير؟ لقد تحدثنا قليلاً هذا الأسبوع. هل هناك ما يزعجك؟"
تنهد أحمد، وكان يشعر بلسعة من الألم. "لا يا سارة، لا شيء. أنا فقط... مشغول جدًا في العمل."
"لكنك كنت دائمًا تجد وقتًا لي." قالت بصوت فيه رجفة خفيفة. "هل نحن ما زلنا مهمين بالنسبة لك؟"
كان هذا السؤال بمثابة وخزة في قلبه. كيف لها أن تشك في حبها؟ كيف لها أن ترى هذا البعد الذي يفرضه هو عليها؟
"بالطبع أنتِ مهمة جدًا يا سارة. أنتِ كل شيء بالنسبة لي." قال بحماس مصطنع. "لكن هذه الفترة صعبة حقًا، والضغوط كبيرة."
"لكنك تقضي ساعات طويلة أمام الشاشات، ألا ترى؟" قالت بصوت فيه مزيج من الحزن والغضب. "أراك متعبًا، شاردًا، وكأنك تعيش في عالم آخر. هل هناك شيء تخفيه عني؟"
كانت سارة قد بدأت تشك. حدسها القوي، وحبها العميق، جعلاها ترى ما لا يراه الآخرون. كان هذا الاعتراف من سارة صادمًا لأحمد. لقد كان يعتقد أنه يخفي إدمانه جيدًا، لكن حبيبته كشفت جزءًا من الحقيقة.
"لا أخفي شيئًا عنك يا سارة." أجاب، محاولًا أن يطمئنها، لكن صوته بدا مترددًا. "فقط... أحتاج بعض الوقت لأتجاوز هذه المرحلة."
"أي مرحلة يا أحمد؟" سألت بحرقة. "إذا كنت في مشكلة، فأخبرني. إذا كنت تشعر بالوحدة، فلتأت إلي. لا تتركني هكذا."
انتهت المكالمة، وترك أحمد يغرق في بحر من المشاعر المتناقضة. لقد شعر بالغضب من نفسه، وبالخجل من سارة. لقد أصبحت علاقتهما تتشقق، وتتشقق تحت وطأة إدمانه.
كان والد سارة، الحاج محمود، يلاحظ هذه الفجوة المتزايدة. كان يرى ابنه في المستقبل، أحمد، يتلاشى ببطء. كان يستشير زوجته، السيدة فاطمة، التي كانت دائمًا حكيمة وصبورة.
"أشعر يا فاطمة أن هناك شيئًا خاطئًا." قال الحاج محمود في إحدى الأمسيات. "أحمد لم يعد كالسابق. أرى في عينيه حزنًا لا أفهمه."
"لقد لاحظت ذلك أيضًا يا محمود." أجابت السيدة فاطمة. "سارة تحبه كثيرًا، وهي متألمة. يجب أن نتحدث معه، ولكن برفق."
في الأيام التالية، حاول أحمد أن يحسن من سلوكه. كان يحاول أن يبذل جهدًا أكبر في الحديث مع سارة، أن يظهر اهتمامًا أكبر. لكن هذه الجهود كانت باهتة، لم تكن تنبع من قلبه، بل من خوفه من فقدانها.
كان إدمانه ينمو، ويصبح أكثر قوة. كان يبدأ يومه بالتفكير في كيفية قضاء وقته أمام الشاشات، وينتهي يومه بشعور بالندم، لكنه كان يعود في الصباح إلى نفس الدائرة. كانت حياته قد أصبحت مشتتة، ومليئة بالوعود التي لم يفِ بها، وبالأحلام التي بدأ يراها بعيدة المنال.
كانت المشكلة الأكبر هي أنه لم يكن يدرك مدى خطورة الوضع. كان يرى إدمانه كعادة سيئة، كشيء يمكن التخلص منه بمجرد الرغبة. لكنه لم يدرك أنه قد أصبح أسيرًا، أسيرًا لشبكات الوهم، وأسيرًا لبريق الشاشات الباهت.
في إحدى الليالي، وبينما كان يتصفح إحدى المواقع، وقعت عيناه على إعلان عن دورة تدريبية في مجال لم يكن يعرف عنه شيئًا، لكنه بدا مغريًا، واعدًا بالنجاح والتقدير. شعر بلحظة من الإثارة، وبفكرة خبيثة بدأت تتسلل إلى عقله: "ربما إذا نجحت في هذا، فسأستعيد ثقتي بنفسي، وسأثبت لسارة وللجميع أنني قادر."
هذه الفكرة كانت بمثابة سم آخر، يضاف إلى السموم التي كان يتناولها. بدلًا من معالجة جذر المشكلة، كان يبحث عن حلول سطحية، عن طرق للهروب من الواقع بدلًا من مواجهته.
تسلل سوء الضمير إلى قلبه، وتسلل الخوف إلى روحه. كان يعلم أنه يسير في طريق مظلم، طريق يؤدي إلى ضياع حبه، وضياع مستقبله. لكنه كان لا يزال عالقًا، أسيرًا لخيوط الوهم الرفيعة التي نسجها حول نفسه. لقد بدأ الضياع يتسلل إلى حياته، وبدأ يبتلع نورها شيئًا فشيئًا.