حب بلا حدود
نفحات المسك وبوح القلوب
بقلم مريم الحسن
وقفَتْ ظلالُ الأبراجِ الشاهقةِ تُعانقُ سماءَ القاهرةِ الولهانةَ، وقد رَسَمَتْ أضواءُ المساجدِ المُنبعثةُ من مآذنِها، لوحةً سحريةً تُعانقُ سوادَ الليلِ الذي يلفُّ المدينةَ بألفِ وشوشةٍ وهمسٍ. في أحدِ الأحياءِ العريقةِ، حيثُ تتناثرُ البيوتُ القديمةُ كعقودِ اللؤلؤِ، وتفوحُ رائحةُ الياسمينِ المُعتّقةِ مع نسائمِ المساءِ، كانتْ "سارة" تُمارسُ طقسَها اليوميَّ الذي باتَ ملاذَ روحِها من صخبِ الحياةِ وضجيجِها.
جلستْ "سارة" على شرفةِ غرفتِها المطلَّةِ على فناءٍ واسعٍ تزينهُ أشجارُ الليمونِ المُثقلةُ بثمارهَا، وصحنُ الماءِ الرماديُّ الذي يعكسُ وجهَ القمرِ كمرآةٍ صافيةٍ. يداها الرقيقتانِ، اللتانِ اعتادتا على تقليبِ صفحاتِ الكتبِ بلهفةٍ، أو العزفِ على أوتارِ البيانوِ بعذوبةٍ، كانتا الآنَ تُمسكانِ بقطعةِ قماشٍ دقيقةٍ، وتُغزلانِ عليها بخيوطٍ حريريةٍ صوراً تُشبهُ الأحلامَ. كانتْ تُبحرُ في عالمٍ خاصٍ بها، عالمٍ تنسجُ فيهِ آمالَها وطموحاتِها، بعيداً عن قسوةِ الواقعِ وصعوبةِ المساراتِ.
كانتْ "سارة" فتاةً استثنائيةً، لمْ تكنْ مجردَ وجهٍ جميلٍ أو روحٍ مرهفةٍ، بل كانتْ عقلاً متقداً وقلباً نابضاً بالإيمانِ. نشأتْ في بيتٍ فاضلٍ، بينَ أبوينِ غرسَا في نفسِها قيماً رفيعةً، وحرصَا على أنْ تكونَ نشأتُها على دينِ اللهِ وسنةِ نبيهِ. والدُها، الأستاذُ "محمود"، رجلٌ تجاوزَ الستينَ عاماً، لكنَّ عقلهُ ما زالَ حاداً، وروحهُ مرحةً، يعملُ أستاذاً للشريعةِ الإسلاميةِ في إحدى الجامعاتِ العريقةِ. أما والدتُها، السيدةُ "فاطمة"، فكانتْ نموذجاً للمرأةِ المسلمةِ الأصيلةِ، هادئةً، حكيمةً، وصاحبةَ يدٍ مُباركةٍ في كلِّ ما تقومُ بهِ.
في تلكَ الليلةِ، بينما كانتْ "سارة" تُحوِّلُ قطعةَ القماشِ إلى لوحةٍ فنيةٍ تُجسِّدُ قصصَ الأنبياءِ بأسلوبِها الخاصِّ، انبعثَ صوتٌ ناعمٌ من خلفِها: "ما زلتِ تسهرينَ يا ابنتي؟". التفتتْ "سارة" لتجدَ والدتَها تقفُ عندَ مدخلِ الشرفةِ، تحملُ صينيةً فيها كوبانِ من الشايِ الأخضرِ وطبقٌ صغيرٌ من الكعكِ المُعسّلِ. ابتسمتْ "سارة" ابتسامةً دافئةً وقالتْ: "يا أمي! لمْ أسمعْ دخولكِ. نعم، هذهِ اللوحةُ تطلبُ مني المزيدَ من الصبرِ والتركيزِ".
اقتربتْ السيدةُ "فاطمة" وجلستْ بجوارِ ابنتِها، تناولتْ كوبَ الشايِ وهمستْ: "وأنا أقولُ لِمَ هذهِ الإضاءةُ الخافتةُ في الغرفةِ، ألمْ تسمعي صلاةَ العشاءِ؟". ضحكتْ "سارة" بخجلٍ وقالتْ: "بلى، صليتُها منذُ قليلٍ، لكنَّ هذهِ الساعاتِ المتأخرةَ من الليلِ لها سحرٌ خاصٌّ، تُعانقُ روحي وتُلهمني".
تنهدتْ السيدةُ "فاطمة" ونظرتْ إلى السماءِ المُرصّعةِ بالنجومِ. "نعم، إنَّ الليلَ بحرٌ من الأسرارِ، لكنَّه أيضاً وقتُ الراحةِ والسكينةِ. عليكِ أنْ تُوازني بينَ شغفكِ وبينَ حقِّ جسدِكِ عليهِ". أخذتْ "سارة" قطعةَ الكعكِ وغمستْها في الشايِ، وقالتْ: "أعلمُ يا أمي، لكنَّ هذهِ الأفكارَ لا تأتي إلا في هذا الوقتِ. غداً، سأُكملُ عملي في المصنعِ، وسأُقابلُ الزبائنَ، وسيُطالبُني الجميعُ بالسرعةِ والإنجازِ. هنا، في هذا الهدوءِ، أجدُ نفسي حقاً".
كانتْ "سارة" تمتلكُ موهبةً فريدةً في فنِّ تطريزِ الملابسِ النسائيةِ. بدأتْ ببعضِ التصاميمِ البسيطةِ التي تُزينُ أزياءَ زميلاتِها في الجامعةِ، وسرعانَ ما لاقتْ تصاميمُها استحساناً واسعاً. ومعَ مرورِ الوقتِ، تطورتْ موهبتُها حتى أصبحتْ تُصممُ وتُفصِّلُ وتُطرزُ أزياءً كاملةً، مُستوحاةً من التراثِ الإسلاميِّ والعربيِّ الأصيلِ، معَ لمسةٍ عصريةٍ راقيةٍ. افتتحتْ لنفسِها ورشةَ عملٍ صغيرةً في منزلِ العائلةِ، بدأتْ تُصبحُ مكاناً يرتادُهُ كثيرونَ من المهتمينَ بالأزياءِ الراقيةِ والمحتشمةِ.
"هلْ ما زلتِ تفكرينَ في مشروعِ المعرضِ يا سارة؟" سألتْ السيدةُ "فاطمة" وهيَ تُراقبُ ابنتَها بتمعنٍ. توقفتْ "سارة" عنِ التطريزِ، ووضعتْ الإبرةَ جانباً، وقالتْ: "إنَّ الفكرةَ تراودني كثيراً يا أمي. أرى أنَّ هناكَ فجوةً كبيرةً في سوقِ الأزياءِ. الكثيرُ من النساءِ يبحثنَ عنْ تصاميمَ تجمعُ بينَ الأناقةِ والحشمةِ، وبينَ الجودةِ والسعرِ المناسبِ. أريدُ أنْ أُقدِّمَ لهنَّ ذلكَ. أريدُ أنْ أُثبتَ أنَّ الحجابَ لا يُقيّدُ الإبداعَ، بلْ يُمكنُ أنْ يكونَ مصدرَ إلهامٍ لا ينضبُ".
"هذهِ رؤيةٌ نبيلةٌ يا ابنتي، واللهُ في عونِ العبدِ ما دامَ العبدُ في عونِ أخيهِ. لكنَّ الأمرَ يتطلبُ جهداً ومالاً، وقدْ تحدثتُ معَ والدكِ، وهوَ يُفكرُ في مساعدتكِ، لكنَّه يريدُ أنْ يتأكدَ منْ جدوى المشروعِ."
"أعلمُ يا أمي. لقدْ قمتُ بوضعِ دراسةِ جدوى شاملةٍ، وخططتُ لكلِّ شيءٍ. لكنَّ ما يُقلقني هوَ... هلْ سأكونُ قادرةً على إدارةِ كلِّ شيءٍ؟ إنَّ المسؤوليةَ كبيرةٌ."
"لا تقلقي يا حبيبتي. أنتِ قويةٌ ومُبدعةٌ، وأخلاقُكِ وحسنُ تدبيرِكِ سيساندانكِ. تذكري دائماً أنَّ اللهَ معَ الذينَ يتقونَ والذينَ همْ مُحسنونَ. الأهمُّ هوَ أنْ تكونَ نيتُكِ صافيةً، وتسعي لإرضاءِ اللهِ ورسولِهِ. والأمورُ الأخرى ستتيسرُ بإذنِ اللهِ."
ابتسمتْ "سارة" ابتسامةً امتنانٍ، وأحسّتْ بدفءٍ يسري في عروقِها. حضنتْ والدتَها وقالتْ: "شكراً لكِ يا أمي. كلامُكِ دوماً يُعيدُ لي الثقةَ بنفسي".
انتهتْ السيدةُ "فاطمة" منْ احتضانِ ابنتِها، ونهضتْ قائلةً: "والآنَ، اذهبي لترتاحي. الغدُ يومٌ طويلٌ. سأُعدُّ لكِ إفطاراً شهياً لتُباشري يومَكِ بنشاطٍ."
عندما غادرتْ السيدةُ "فاطمة" الغرفةَ، عادتْ "سارة" إلى لوحتِها، لكنَّ أفكارَها بدأتْ تتشعبُ. لمْ يعدْ همُّها الوحيدُ هوَ إتمامُ اللوحةِ، بلْ بدأتْ ترى في خطوطِها وألوانِها مستقبلاً جديداً، مستقبلاً قدْ يحملُ لها أكثرَ مما كانتْ تحلمُ. شعرتْ بنبضةٍ غريبةٍ في قلبِها، نبضةٍ لمْ تفهمْ سرَّها بعدُ، لكنَّها كانتْ تَعِدُ بالكثيرِ.
ومنْ بينِ ثنايا الليلِ الهادئِ، ومنْ خلفِ ستائرِ نوافذِ بيتِها الأنيقِ، كانتْ عينا "سارة" تتطلعانِ إلى الخارجِ، إلى عالمٍ واسعٍ، تنتظرُ فيهِ مغامراتٌ جديدةٌ، ومفاجآتٌ لمْ تكنْ في حسبانِها أبداً. همستْ لنفسِها بصوتٍ خافتٍ، ممزوجٍ بينَ التفاؤلِ والترقُّبِ: "يا ربِّ، اكتبْ لي الخيرَ، وحققْ لي الآمالَ".