حب بلا حدود
خيوط متشابكة وأسرار مدفونة
بقلم مريم الحسن
تغلغلت أشعة الشمس الصباحية في أروقة قصر آل الزاهر، وهي تداعب ستائر المخمل الثقيلة، وترسم ظلالاً راقصة على الأرضيات الرخامية. استيقظت الدكتورة نادين، شقيقة عمر، على صوت رنين هاتفها. كانت توقع اتصالاً من المستشفى، ولكن المتصل كان مفاجأة. "صباح الخير، من معي؟" "صباح النور يا دكتورة نادين. معكِ سكرتيرة السيد عماد. يودّ مقابلتكِ في مكتبه هذا الصباح." تجمدت نادين للحظة. عماد، رجل الأعمال الشهير، الذي كانت قد تعاملت معه سابقاً في بعض القضايا المتعلقة بالصحة المهنية في مصانعه. لم يكن يتصل بها إلا للعمل. "تمام. متى؟" "في تمام الساعة العاشرة صباحاً، إذا كان ذلك مناسباً لكِ." "حسناً، سأكون هناك."
بعد أن ارتدت ملابسها، وهي تحمل حقيبة أدواتها، توجهت نادين نحو مكتب عماد. كان مكتبه يقع في أعلى برجٍ في المدينة، شاهداً على قوته ونفوذه. عندما دخلت، استقبلها ابتسامة واسعة، ولكنه كان يرتدي ثوباً رسمياً، ووجهه يحمل بعض القلق. "أهلاً بكِ يا دكتورة نادين. تفضلي بالجلوس." "شكراً لكَ. ما الذي تريده مني؟ هل هناك مشكلة صحية في المصانع؟" "لا، لا شيء يتعلق بالعمل مباشرة. الأمر… شخصي بعض الشيء." نظرت نادين إليه بفضول. كانت تعرف أن عماد رجلٌ لا يتحدث في الأمور الشخصية بسهولة. "تفضّل." "كما تعلمين، لديّ علاقات واسعة. وفي الآونة الأخيرة، علمتُ بمعلومةٍ مهمة، ولكنني بحاجةٍ إلى تأكيدها من مصدرٍ موثوق." "ما هي هذه المعلومة؟" "لديّ شكٌ بأن هناك شخصاً… ليس بخير. شخصٌ مقربٌ جداً من شقيقي الأصغر، عمر." بدأت نادين تشعر بالفضول يتزايد. هل يتعلق الأمر بعمر؟ "تقصد؟" "عمر… هل هو بخير؟ هل لديه مشاكل صحية؟" "لا، عمر بخير. الحمد لله. بصحة جيدة جداً. لماذا تسأل؟" "لأنني تلقيتُ معلوماتٍ تفيد بأنه يتعرض لضغوطٍ شديدة، وأن هناك شخصاً يريد إيذاءه. وهذا الشخص… يبدو أنه يعرف عمر جيداً." شعرت نادين بالخوف يتسلل إلى قلبها. عمر، شقيقها الذي تعشقه، يتعرض للخطر؟ "من قال لك هذا؟ ومن هذا الشخص؟" "المعلومات غير مؤكدة، وهذا ما جعلني أطلب رؤيتكِ. أنتِ قريبةٌ منه، وتعرفين أخبار الجميع. خاصةً أخبار ليلى. هل هناك أي تطورات تخصّ ليلى؟" عندما ذكر عماد اسم ليلى، شعرت نادين بصدمة. هل كان الأمر يتعلق بليلى؟ "ليلى؟ ماذا تعرف عنها؟" "سمعتُ بأنها… تواجه بعض المشاكل. مشاكل قد تؤثر على عمر." "ليلى… ليلى مع خطيبها عمر. علاقتهم جيدة جداً." "علاقتهم جيدة، ولكن هل هناك ما يخفيه أحدهم؟" "لا أعتقد. ليلى فتاةٌ صريحةٌ جداً. وعمر… عمر يحبها كثيراً." "هذا ما قلته لكَ. ولكن… هناك من يلمّح إلى أن ليلى ليست كما تبدو." "من هذا الشخص؟" "ليس لديّ اسمٌ محدد. لكن هذه المعلومات وصلتني عبر قنواتٍ غير مباشرة. وهذا الشخص… يمتلك معلوماتٍ دقيقة عن حياة ليلى، وعن علاقتها بعمر." شعرت نادين بالقلق الشديد. هل كان هناك شخصٌ ما يحاول إلحاق الأذى بليلى وعمر؟ "عماد، هل أنت متأكد من هذه المعلومات؟" "لستُ متأكداً، وهذا ما أقلقني. إذا كان هناك خطرٌ يحيق بعمر، فعليّ أن أفعل شيئاً. هو شقيقي." "ولكن، من أين تأتيك هذه المعلومات؟ هل يمكن أن تكون مجرد إشاعات؟" "أنا لا أصدق الإشاعات بسهولة. ولكن هذه المرة، بدت مختلفة. هناك تفاصيل دقيقة، تشير إلى أن مصدرها قريبٌ جداً." "هل يمكن أن يكون هذا الشخص… هو الذي كان يراقب ليلى في المقهى؟" "من؟ رأيتِ أحداً يراقبها؟" "لا، رأيتُ رجلاً غريباً ينظر إليها في المقهى. ربما لا علاقة له بالأمر." "هل رأيتِ وجهه؟" "لم أرَ وجهه جيداً. لكنه كان رجلاً ذو هيبة." "أتفهم. شكراً لكِ يا دكتورة نادين. سأحاول بنفسي التحقيق في الأمر." "إذا احتجتِ أي مساعدة، فأنا هنا." "بالتأكيد."
خرجت نادين من مكتب عماد وهي تشعر بالثقل. هل كانت حقاً هناك خطرٌ على عمر وليلى؟ وهل كان الرجل الغريب في المقهى له علاقة بهذا الأمر؟ لم تستطع أن تنتظر. اتصلت بعمر فوراً. "عمر، هل أنت مشغول؟" "لا يا نادين. أنا في طريقي إلى المنزل. لماذا؟" "أريد أن أتحدث معك. الأمر يتعلق بـ… شخصٍ ما." "شخصٌ ما؟ من؟" "لا أعرف بالضبط. لكن هناك من يثير الشكوك حول ليلى. ويلمّح إلى وجود خطرٍ عليك." "خطرٌ عليّ؟ ومن هو هذا الشخص؟" "لا أعرف. ولكنه شخصٌ يعرفك جيداً، ويعرف ليلى." "هذا غريب. هل أنتِ متأكدة؟" "عماد، صديق العائلة، هو من أخبرني. لديه معلوماتٌ تشير إلى ذلك." "عماد؟ لماذا عماد يهتم بأمورنا؟" "لا أعرف. ولكنه قال إن لديه شكوكاً قوية. وأنه يريد التأكد." "هذا مثير للقلق. سأتحدث مع عماد." "الأفضل أن نتحدث جميعاً. ربما في أقرب وقت."
بعد انتهاء مكالمته مع نادين، شعر عمر بالضيق. هل كانت هذه مجرد دسائس؟ أم أن هناك شيئاً حقيقياً وراء هذه الشكوك؟ تذكر حديث والدته عن أخيه خالد. هل يمكن أن يكون لخالد علاقة بذلك؟ خالد الذي لم يسمع عنه شيئاً منذ سنوات، والذي يريد العودة، ويريد لقاء شخصٍ مرتبط بحياته. هل يمكن أن يكون هذا الشخص هو ليلى؟ لا، فكرةٌ سخيفة.
عاد عمر إلى المنزل، فوجد والدته قد استعادت بعضاً من عافيتها، وكانت تجلس في غرفة المعيشة، تشاهد التلفاز. "كيف حالكِ يا أمي؟" "أفضل يا ولدي. جلستُ لأشاهد بعض الأخبار. هل أنت بخير؟" "الحمد لله. ولكن، هل ما زلتِ تتحدثين عن خالد؟" "بلى. ما زال الأمر يشغل بالي. أتمنى أن يكون بخير." "أتمنى ذلك أيضاً. ولكن… هل تتذكرين عندما قلتِ إن خالد يريد لقاء شخصٍ مرتبطٍ بحياتي؟" "نعم." "هل يمكن أن يكون هذا الشخص… هو…؟" "من؟" "هل يمكن أن يكون… ليلى؟" نظرت الأم إلى عمر بدهشة. "ليلى؟ ولماذا؟ لم أسمع أبداً أن خالد كان يعرفها." "لا أعرف يا أمي. ولكن… هناك من يحاول زرع الشكوك حولي. ويتحدث عن خطرٍ يهددني." "من؟" "نادين، أختي، أخبرتني. وقالت إن مصدر المعلومات هو عماد." "عماد؟ لماذا؟" "لا أعرف. ولكن… كل هذا يثير قلقي. هل يمكن أن يكون لخالد علاقة بما يحدث؟" "يا بني، لا تضع كل شيء على خالد. ربما هناك من يريد إبعادك عن ليلى، أو ربما هناك من يريد إلحاق الأذى بكَ لأسبابٍ أخرى." "ولكن… لماذا هذا الشخص الغريب الذي يراقب ليلى؟" "هل رأيتَ أحداً يراقب ليلى؟" "لا، نادين هي من رأته. في المقهى." "هذا مقلقٌ حقاً." "أمي، هل يمكن أن يكون خالد قد تورط في شيءٍ ما؟ شيءٌ جعله يختفي، وجعله يريد لقاء شخصٍ معين عند عودته؟" "لا أعلم يا بني. خالد كان دائماً غامضاً. ولكن، أعرف أنه يحمل في قلبه الكثير من الحب. ربما يحاول تصحيح خطأٍ قديم. أو ربما… يخاف عليك." "يخاف عليّ؟" "ربما. لا تستبعد شيئاً. ولكن، كن حذراً. ولا تتسرع في الحكم."
نهض عمر من مجلسه، متجهاً نحو نافذة غرفته. كان ينظر إلى الخارج، إلى سماء المدينة التي بدأت تتزين بلمعان النجوم. هل كان هذا الرجل الغريب في المقهى جزءاً من شبكةٍ أكبر؟ وهل كان أخي الغائب، خالد، هو الخيط الذي يربط كل هذه الأمور؟
كانت خيوط الأقدار تتشابك ببطء، لتنسج لوحةً معقدة، لا يرى فيها أبطال القصة سوى بعض التفاصيل المبهمة. ولكن، كان هناك شعورٌ متزايدٌ بأن هناك أسراراً مدفونة، بدأت تطفو على السطح، لتغير مجرى حياة الجميع.