حب بلا حدود
رياح التغيير وشبح الماضي
بقلم مريم الحسن
تتسارع الأحداث في قصر آل السعيد، حيث تجلّت عواصف الشكوك والقلق على وجوه أفراد الأسرة. ليلى، التي كانت تعيش في هدوء نسبي، بدأت تشعر بأن هناك شيئاً ما يتغير. لم يكن الأمر مجرد إحساسٍ مبهم، بل كان عبارة عن سلسلة من المواقف الصغيرة، والملاحظات الغامضة، التي بدأت تتراكم في ذهنها.
في أحد الأيام، وبينما كانت ليلى تتصفح مجلةً عن تاريخ الفن، وقعت عيناها على مقالٍ يتحدث عن بعض اللوحات الأثرية التي تمّ العثور عليها مؤخراً في منطقةٍ مهجورة. كان هناك صورةٌ لإحدى هذه اللوحات، وهي تصور مشهداً تاريخياً قديماً. ومع تدقيقها في تفاصيل اللوحة، شعرت بشيءٍ مألوف. كانت هناك علامةٌ صغيرة، محفورةٌ في زاوية اللوحة، تشبه تماماً العلامة التي وجدتها في صندوق جدتها القديم.
"ما هذا؟" همست ليلى، وقد ارتسمت على وجهها علامات الدهشة. جلبت الصندوق المذكور، وبدأت تقارنه. كانت العلامتان متطابقتين بشكلٍ مذهل. العلامة التي كانت دائماً تحيرها، ولا تعرف مصدرها. الآن، يبدو أن هناك رابطاً ما بينها وبين هذه اللوحة الأثرية.
"أمي، أبي، تعالوا انظروا إلى هذا!" نادت ليلى، وهي تحمل المجلة والصندوق. جاء والداها، ونظرا إلى ما كانت تشير إليه. "هذه العلامة… أعرفها!" قالت الأم، وقد ارتسمت على وجهها علامات القلق. "وجدتها في بعض الأوراق القديمة لجدتك." "ولكن، ما الذي تفعله هذه العلامة على لوحةٍ أثرية؟" سأل الأب، وعيناه تتقلّبان بين ليلى والمجلة. "لا أعرف. ولكن، يبدو أن هناك قصةً وراء هذه العلامة. قصةٌ قديمة جداً."
حاول الأب والأم أن يتذكرا أي شيءٍ يتعلق بهذه العلامة، ولكن دون جدوى. كانت جدة ليلى، رحمها الله، امرأةً كتومة، لم تفصح كثيراً عن ماضيها.
في هذه الأثناء، كان عمر يمرّ بفترةٍ عصيبة. المكالمة مع عماد، والحديث مع والدته، كل ذلك جعل الشكوك تتزايد في ذهنه. لم يعد الأمر مجرد شائعات. بدأ يشعر بأن هناك من يحاول إخراجه من مساره، أو ربما إلحاق الأذى بمن يحب.
قرر عمر أن يذهب لمقابلة عماد. لم يكن يثق به تماماً، ولكن عماد بدا مصمماً على كشف الحقيقة. "أهلاً بكَ يا عمر. تفضل بالجلوس"، قال عماد، وقد بدا وجهه أكثر جدية. "شكراً لكَ. لقد تحدثتُ مع أختي نادين. وأخبرتني بما قلته لها." "أنا آسف إذا كان حديثي قد سبّب لكَ قلقاً. ولكن، يهمني أمركَ كثيراً." "وما الذي يجعلكَ تهتم بأمري إلى هذا الحد؟" "كما تعلم، أنا صديقٌ للعائلة. ولكن، الأمر أعمق من ذلك. لديّ معلوماتٌ تفيد بأن هناك من يخطط لإيذائكَ." "ومن هذا الشخص؟" "هذا ما أحاول اكتشافه. ولكن، تبدو المعلومات تشير إلى أن هذا الشخص يعرفكَ جيداً، ويعرف ليلى." "هل لديكَ أي دليل؟" "لديّ بعض الأدلة غير المباشرة. ولكن، الأهم من ذلك، هو أنني تلقيتُ رسالةً غامضة، تشير إلى أن عودة شخصٍ قديم، شخصٌ مرتبطٌ بحياتكَ، قد تكون وراء هذه المؤامرات." "شخصٌ قديم؟ من؟" "هذا ما أحاول كشفه. الرسالة ذكرت أن عودة هذا الشخص ستجلب معها الكثير من التغييرات. وأن هذا الشخص يريد لقاء شخصٍ معين." "هل ذكرت الرسالة اسماً؟" "لا. ولكن، هناك إشارةٌ قوية إلى أنه شخصٌ قريبٌ جداً منكَ." بدأ عمر يشعر بالقلق يتصاعد. أخوه خالد. لا بد أنه هو. "هل يمكن أن يكون… أخيك؟ خالد؟" تغيّرت نظرة عماد. بدا وكأنه يعرف شيئاً. "خالد؟ كيف عرفت؟" "والدتي ذكرت لي أن خالد يريد العودة. وأن لديه أمراً مهماً يريد الحديث فيه." "هذا ما كنتُ أخشاه. خالد… خالد كان دائماً شخصاً معقداً." "هل تعرف شيئاً عن ماضيه؟ هل تورط في شيءٍ ما؟" "خالد كان له علاقاتٌ كثيرة. بعضها مشبوه. ولكن، لم أكن أعتقد أنه قد يصل إلى هذا الحد." "ما الذي تقصده؟" "كان خالد يمتلك أسراراً كثيرة. أسرارٌ لم يعرفها أحدٌ سواه. وعندما اختفى، تساءل الجميع عن السبب. ولكن، لم نحصل على إجابة." "هل يمكن أن يكون هذا الشخص الذي يراقب ليلى… هو خالد؟" "لا أعتقد أن خالد سيقوم بمثل هذا الفعل. ولكنه قد يكون له علاقةٌ بالموضوع. ربما يحاول حمايتكَ، أو ربما… يحاول إبعادك عن ليلى." "إبعادي عن ليلى؟ لماذا؟" "هذا ما أحاول فهمه. ولكن، أعتقد أن خالد قد يكون متورطاً بطريقةٍ ما. وأن عودته هذه المرة، لن تكون مجرد عودةٍ عادية."
ترك عمر منزل عماد وهو يشعر بأن الألغاز تتكشف ببطء. أخوه خالد. الرجل الذي كان يحبه رغم غيابه، كان سبباً في هذه الشكوك. هل كان خالد يخطط لشيءٍ ما؟ وهل كانت عودته تهديداً لزواجه من ليلى؟
في هذه الأثناء، كانت ليلى قد بدأت تشعر بأن هناك تغييراً ما في سلوك عمر. أصبح أكثر قلقاً، وأكثر صمتاً. كانت تحاول أن تسأله، ولكنّه كان يتملص من الحديث. "عمر، هل كل شيء على ما يرام؟ تبدو قلقاً." "لا شيء يا حبيبتي. مجرد ضغوط العمل." "ولكن، أنت لستَ دائماً هكذا. هل حدث شيءٌ ما؟" "لا تقلقي. سأخبركِ كل شيءٍ عندما يكون الوقت مناسباً."
كلمة "مناسباً" جعلت ليلى تشعر بالخوف. هل كان يخفي عنها شيئاً؟ هل كان الأمر يتعلق بها؟
في أحد الأيام، بينما كانت ليلى تبحث في أرشيف جدتها عن أي شيءٍ يتعلق بالعلامة الغامضة، عثرت على رسالةٍ قديمة، مخبأةٌ بين صفحات كتاب. كانت الرسالة مكتوبةً بخطٍ مألوف، خطٍ رأته من قبل. خطٍ يشبه خط عمر. ولكن، الرسالة لم تكن موجهةً إلى جدتها، بل كانت موجهةً إلى شخصٍ آخر. "يا من تحمل اسمي، يا من أحمل اسمك، يا من جمعنا القدر… لا تخف. فإن الحقيقة ستظهر قريباً. وإن الماضي لن يبقى مدفوناً إلى الأبد." شعرت ليلى بقشعريرة تسري في جسدها. من كتب هذه الرسالة؟ ومن هو "من يحمل اسمي"؟
في زاويةٍ أخرى، كان والد ليلى، السيد سعيد، يتابع أخباراً عن صفقةٍ تجاريةٍ كبيرة، كان قد خسرها مؤخراً. كانت الصفقة تمثل له الكثير، ليس فقط مالياً، بل كنوعٍ من الإثبات الذاتي. شعر بالإحباط، ولكنّه لم يستسلم.
"يا رب، لا تكلني إلى أحدٍ سواك"، همس السيد سعيد، وهو يتأمل صورة زوجته وابنته. "أريد أن أرى ابنتي سعيدةً، وأن أعيش في كنف عائلتي بأمان."
بدا وكأن رياح التغيير قد بدأت تهبّ بقوة، حاملةً معها أسراراً قديمة، وشبح ماضيٍ لم يكن أحدٌ يتوقعه. هل كانت ليلى مستعدةً لمواجهة هذه الرياح؟ وهل كان عمر قادراً على حماية من يحب؟