الفصل 3 / 25

حب بلا حدود

عاصفةٌ في الأفقِ وطيفٌ قديمٌ

بقلم مريم الحسن

مرّتْ الأيامُ حاملةً معها تسارعاً غيرَ اعتياديٍّ في حياةِ "سارة". بعدَ لقائِها الأولِ بالمهندسِ "خالدٍ"، أصبحتْ وتيرةُ العملِ في تصميمِ وتجهيزِ المعرضِ على أشدِّها. كانَ المهندسُ "خالدٌ" يفي بوعدِهِ وزيادةً، يُقدّمُ لها الاستشاراتِ، ويُسهّلُ لها التعاملَ معَ الجهاتِ المختلفةِ، بلْ وكانَ يُشاركُها بعضَ الأفكارِ في كيفيةِ عرضِ الأزياءِ وتقديمِ الروايةِ الفنيةِ وراءَ كلِّ تصميمٍ.

كانتْ "سارة" تجدُ في حضرةِ المهندسِ "خالدٍ" عالماً آخرَ، عالماً منَ الإلهامِ والثقةِ. كانَ يُدركُ كيفَ يُخرجُ أفضلَ ما لديها، وكيفَ يُشجعُها على تجاوزِ حدودِها. كانتْ لياليها تمتلئُ بالعملِ، وأيامُها تُقسّمُ بينَ الورشةِ، وبينَ اجتماعاتٍ سريعةٍ معَ المهندسِ "خالدٍ" في مكانٍ هادئٍ، بعيداً عنْ ضجيجِ العمالِ والباعةِ.

في إحدى هذهِ الاجتماعاتِ، والتي انعقدتْ في مقهى راقٍ يطلُّ على نهرِ النيلِ، وبينما كانتْ "سارة" تُناقشُ معه تفاصيلَ الإضاءةِ اللازمةِ لعرضِ أزياءِها، لاحظتْ المهندسَ "خالدٍ" ينظرُ إلى الأفقِ بعينينِ تحملانِ شيئاً منَ الحزنِ.

"هلْ كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ يا مهندسَ "خالدٍ"؟" سألتْ "سارة" بقلقٍ.

التفتَ إليها بابتسامةٍ باهتةٍ وقالَ: "نعم، كلُّ شيءٍ على ما يرامٍ. فقطْ، أتذكرُ بعضَ الأيامِ الماضيةِ."

"هلْ هناكَ شيءٌ يُمكنني فعلُهُ؟" سألتْ "سارة" بحسنِ نيةٍ.

تنهدَ المهندسُ "خالدٌ" وقالَ: "لا، ليسَ لديكِ شيءٌ تفعلينَهُ. أحياناً، تُثيرُنا بعضُ المناظرِ بذكرى أشخاصٍ وأماكنَ لمْ نعدْ نراهم."

"هلْ تذكرُ شخصاً عزيزاً عليكَ؟" سألتْ "سارة" بفضولٍ بريءٍ، وهيَ تشعرُ بأنَّ هناكَ سراً يخفيهِ هذا الرجلُ الذي بدا لها قوياً وصريحاً.

"نعم، أذكرُ زوجتي الراحلةَ "ليلى"." قالَ بصوتٍ خفيضٍ. "لقدْ كانتْ أيضاً عاشقةً للفنِّ، وكانتْ تُحبُّ النظرَ إلى النيلِ وقتَ الغروبِ. كانَ لدينا أحلامٌ مشتركةٌ، وشغفٌ واحدٌ."

شعرتْ "سارة" بألمٍ يخترقُ قلبَها. لقدْ نسيتْ تماماً أنَّ المهندسَ "خالدٌ" أرملٌ. "أنا آسفةٌ جداً لسماعِ ذلكَ. لمْ أكنْ أعلمُ."

"لا بأسَ، هذهِ هيَ طبيعةُ الحياةِ. لكنَّها غالباً ما تُلقي بظلالِها على اللحظاتِ السعيدةِ." قالَ وهوَ يُحاولُ استعادةَ رباطةِ جأشِهِ. "حسناً، فلنعدْ إلى موضوعِنا. أعتقدُ أنَّنا نحتاجُ إلى إضافةِ بعضِ الجدارياتِ المستوحاةِ منْ فنِّ الزخرفةِ الإسلاميةِ في جوانبِ المعرضِ. ما رأيكِ؟"

عادتْ "سارة" إلى موضوعِ العملِ، لكنَّ كلماته عنْ زوجتِهِ ظلتْ تترددُ في ذهنِها. لقدْ رأتْ في عينيهِ حزناً عميقاً، لكنَّها رأتْ أيضاً قوةً وإصراراً.

في تلكَ الأثناءِ، كانَ الأستاذُ "محمودٌ" والسيدةُ "فاطمة" يُشاهدانِ ابنتهما عنْ بُعدٍ، ويُدركانِ حجمَ المجهودِ الذي تبذلُهُ. لكنَّهما كانا يشعرانِ أيضاً ببعضِ القلقِ. كانتْ "سارة" تُصبحُ أكثرَ انغماساً في عملِها، وأقلَّ تحدثاً عنْ مشاعرِها.

"هلْ تلاحظينَ يا "فاطمة" كيفَ تغيّرَتْ "سارة"؟" سألَ الأستاذُ "محمودٌ" ذاتَ مساءٍ. "لقدْ أصبحتْ أشدَّ قوةً، لكنَّني أخشى أنْ تكونَ هذهِ القوةُ نابعةً منْ محاولةٍ لنسيانِ شيءٍ ما."

"أعلمُ يا "محمودٌ". لكنَّها في مرحلةٍ مهمةٍ منْ حياتِها. هيَ تُحققُ حلماً، وهذا يتطلبُ تضحياتٍ. فقطْ، أدعو اللهَ أنْ يرزقَها الزوجَ الصالحَ الذي يُكملُ حياتَها ويُعينُها على أمورِ دينِها ودنياها."

"آمين. ولكنَّني أشعرُ بقلقٍ عليها منْ هذا المهندسِ "خالدٍ". إنَّهُ رجلٌ جيدٌ، لكنَّهُ أكبرُ منها سناً بكثيرٍ، ومنْ الواضحِ أنَّه يميلُ إليها. أخشى أنْ يكونَ لديهِ نوايا أخرى غيرَ مجردِ التعاونِ الفنيِّ."

"لا تُطلِقْ أحكاماً مُسبقةً يا "محمودٌ". ربما يكونُ مجردَ أبٍ روحيٍّ لها، يُساعدُها على النجاحِ. دعْ الأمورَ تأخذُ مجراها، واللهُ هوَ المُدبّرُ."

لمْ يكنْ قلقُ الأستاذِ "محمودٍ" بلا أساسٍ. لقدْ لاحظَ هوَ الآخرُ نظراتِ المهندسِ "خالدٍ" لـ "سارة"، وحرصَهُ الزائدَ على التفاصيلِ المتعلقةِ بها. كانَ يخشى أنْ تستغلَّ "سارة" حداثةَ سنِّها وطموحَها، فيُحاولَ استغلالَها عاطفياً.

وفي إحدى الأمسياتِ، بينما كانتْ "سارة" تُراجعُ قائمةَ الضيوفِ المتوقعِ حضورُهُمْ لمعرضِها، تلقتْ رسالةً هاتفيةً منْ رقمٍ غيرِ معروفٍ. فتحتْ الرسالةَ، فإذا بها نصٌّ قصيرٌ ومُقلقٌ:

"ابتعدي عنْ المهندسِ "خالدٍ". ليسَ كلُّ ما يبدو ذهباً هوَ ذهبٌ. لديكِ ماضٍ يُمكنُ أنْ يُدمّرَ مستقبلكِ. احذري."

ارتعشَتْ يدا "سارة" وهيَ تقرأُ الرسالةَ. منْ يكونُ هذا الشخصُ؟ وماذا يقصدُ بـ "ماضٍ يُمكنُ أنْ يُدمّرَ مستقبلَكِ"؟ لمْ يكنْ لديها أيُّ ماضٍ يُمكنُ أنْ يُشكلَ تهديداً. كانتْ حياتُها واضحةً، ونقيةً، ومُستقيمةً.

عادتْ بذاكرتِها أدراجَها، تُحاولُ استرجاعَ أيِّ تفاصيلَ قدْ تكونُ ذاتَ صلةٍ. هلْ كانتْ هناكَ أيُّ خلافاتٍ سابقةٍ؟ أيُّ علاقاتٍ قدْ تكونُ قدْ انتهتْ بشكلٍ سيءٍ؟ لمْ تجدْ شيئاً.

لكنَّ الرسالةَ زرعتْ في قلبِها بذرةَ شكٍّ. ذِكرُ المهندسِ "خالدٍ" بشكلٍ مُباشرٍ، ومُحاولةُ التلميحِ إلى وجودِ مشكلةٍ في ماضيها، كانتْ أمراً مُربكاً.

قررتْ "سارة" أنْ لا تُظهرَ أيَّ علامةِ خوفٍ أو قلقٍ. حافظتْ على رباطةِ جأشِها، وأكملتْ عملَها، لكنَّ الرسالةَ تركتْ أثراً عميقاً في نفسها. شعرتْ بأنَّها مُراقبةٌ، وأنَّ هناكَ منْ يُحاولُ زرعَ الفتنةِ بينَها وبينَ المهندسِ "خالدٍ".

منْ جهةٍ، كانتْ سعيدةً بشراكتِها معَ المهندسِ "خالدٍ"، ومنْ جهةٍ أخرى، بدأتْ تشعرُ بأنَّ هناكَ قوى خفيةً تُحاولُ التأثيرَ على مسارِها. لقدْ كانَ هذا اليومُ بدايةَ مرحلةٍ جديدةٍ، مرحلةٍ ستُجبرُها على النظرِ إلى الأمورِ بعينٍ مختلفةٍ، وأنْ تتساءلَ عنْ نوايا الآخرينَ.

شعرتْ "سارة" بأنَّ عاصفةً تُحضّرُ في الأفقِ، وأنَّ هذهِ العاصفةَ قدْ تُهددُ كلَّ ما بنتهُ. تساءلتْ في صمتٍ: هلْ هوَ مجردُ تهديدٍ فارغٍ، أمْ أنَّ هناكَ حقاً ماضٍ ينتظرُ ليكشفَ عنْ وجهِهِ الحقيقيِّ؟

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%