الفصل 5 / 25

حب بلا حدود

سِجْنُ العَادَاتِ وَشَبَحُ الماضي

بقلم مريم الحسن

تسربت أشعة الشمس الذهبية عبر نافذة غرفة نور، راسمةً خطوطاً متعرجة على سجادتها الفارسية العتيقة. استيقظت نور على وقع حفيف الستائر، حاملةً معها نداءً صامتاً لبداية يوم جديد. لكن روحها كانت مثقلة بثقل لم ينفك عنها منذ أيام. طيفُ "ذلك" الشيء، الذي أصبح قيداً، يراودها في كل لحظة يقظة ومنام. كانت تتوق إلى الحرية، إلى استعادة زمام حياتها، لكن الرغبة الجامحة كانت أحياناً أقوى منها، تغمرها كالموج العاتي، فتجد نفسها أسيرةً لدورةٍ مفرغةٍ من الشوق والندم.

نهضت من فراشها، بخطواتٍ وئيدةٍ كخطواتِ سجينٍ يجرّ قيوده. ذهبت إلى المطبخ، حيث كانت رائحة القهوة العربية تملأ المكان، تفوح بعبق الهيل والزعفران. أعدت لنفسها فنجاناً، ثم جلست على طاولة الطعام، تحدق في الفراغ. لم تكن الشهية تغمرها، بل كان قلبها ينبض بإيقاعٍ قلقٍ، يبحث عن مخرجٍ من هذه الدوامة. تذكرت حديث جدتها، الحاجة فاطمة، عن صبر النساء وقوة تحملهن، عن كيف أن الصعاب ما هي إلا دروسٌ تُصقِل الروح وتُعلي الهمة. هل تستطيع هي، نور، أن تكون على قدر هذه التوقعات؟ أن تتجاوز هذه العثرة التي كادت أن تلتهمها؟

تذكرت وجه يوسف، ابتسامته الهادئة، وعينيه اللتين تحملان عمقاً لا يُوصف. كان وجوده في حياتها بمثابة شريان حياةٍ جديد، همسة أملٍ في صحراءٍ قاحلة. كان يتفهم صمتها، ويقرأ ما تخفيه عيناها. لكن كيف يمكنها أن تبدأ رحلة الشفاء وهو يراها في حالةٍ كهذه؟ أكانت ستستطيع يوماً أن تبوح له بكل شيء؟ أن تكشف عن هذا الضعف الذي تشعر أنه يلطخ نقاء علاقتها به؟

"صباح الخير يا ابنتي."

كان صوت والدتها، السيدة أمينة، كبلسمٍ يشفي جراح القلب. دخلت أمينة إلى المطبخ، تحمل في يديها صينيةً صغيرةً عليها بعض الفطائر الطازجة. ألقت نظرةً قلقةً على ابنتها، لكنها لم تضيق عليها، بل اكتفت بابتسامةٍ دافئة.

"هل أنتِ بخير يا نور؟ تبدين شاحبةً بعض الشيء."

"بخير يا أمي، فقط بعض الأرق الليلي." أجابت نور، محاولةً إخفاء حقيقة ما تعانيه. كانت تخشى أن تُثقل كاهل والدتها بقلقها، وأن ترى في عينيها مزيداً من الأسى.

"الأرق عدوٌ للأبدان والأرواح. حاولي أن تشغلي نفسكِ بشيءٍ مفيدٍ اليوم. ربما قراءةُ كتابٍ جيد، أو قضاءُ بعض الوقت في حديقة المنزل." نصحتها أمينة، وهي تضع الفطائر أمامها.

"نعم يا أمي، سأفعل." وعدتها نور، وهي تلتقط فطيرةً بذوقٍ من التردد.

مرّت الساعات بطيئةً وثقيلة. حاولت نور أن تتبع نصيحة والدتها. فتحت كتاباً قديمًا، لكن الكلمات كانت تتراقص أمام عينيها دون أن تستقر في ذهنها. اتجهت إلى الحديقة، حيث تعلو أشجار البرتقال وتفوح أزهار الياسمين. جلست تحت ظل إحدى الشجرات، تستنشق عبير الطبيعة، وتدعو الله أن يمنحها القوة.

في غمرة تأملها، وصلها إشعارٌ على هاتفها. كان رسالةً من يوسف. "صباح الخير يا نور. كيف حالكِ اليوم؟ أتمنى أن يكون يومكِ جميلاً."

شعرت بوخزةٍ في قلبها. كان لطفه، وحنانه، سبباً في تعميق صراعها الداخلي. لو لم يكن موجوداً، لربما استسلمت تماماً لهذا الضعف، ولم تسعَ لإصلاحه. لكن وجوده كان يدفعها للأعلى، يمنحها سبباً للمقاومة.

"صباح النور يا يوسف. الحمد لله، يومي طيب." أجابت، متجنبةً ذكر أي تفاصيل عن حالتها.

"يسعدني ذلك. كنتُ أفكر، هل لديكِ وقتٌ في المساء؟ أردتُ أن أريكِ بعض الكتب التي وجدتها في سوق الكتب القديم. أعتقد أنها ستعجبكِ."

ترددت نور. اللقاء به، استعادة دفء حديثه، كان مغرياً جداً. لكنها كانت تخشى أن تنهار أمام عينيه، أن يبدو ضعفها جلياً. من ناحيةٍ أخرى، كان الابتعاد عنه سيجعلها تشعر بالوحدة أكثر.

"بالتأكيد. سيكون من دواعي سروري." أجابت أخيراً، وقد اعتلت وجهها ابتسامةٌ باهتة.

كان قرار اللقاء به صعباً، لكنه كان ضرورياً. احتاجت نور إلى ذلك الدعم، إلى تلك النظرة التي تفهم دون كلام. لكنها كانت تعلم أيضاً أن رحلة الشفاء لن تكون سهلة. كان شبح الماضي يلقي بظلاله، وكان عليها أن تواجهه بشجاعة، مدعومةً بحبٍ طاهرٍ، ونقاءٍ لم تهتز أركانه.

في تلك الليلة، وبعد أن غادر يوسف، وشعرت نور بفراغٍ يتسلل إلى روحها، عادت الرغبة بقوةٍ أشد. استسلمت للحظة، ثم شعرت بخيبة أملٍ عميقة. هل كانت حقاً عاجزةً عن الانتصار على نفسها؟ هل كانت ذنبها سيظل يلاحقها إلى الأبد؟ نامت تلك الليلة وقلبها يئن، بين يأسٍ قابعٍ وأملٍ يتوارى.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%