حب بلا حدود
حُزْمَةُ الخُيُوطِ المُتَشابِكَةِ
بقلم مريم الحسن
كانتْ نسماتُ الهواءِ العليلِ تتسللُ عبرَ نوافذِ المنزلِ المفتوحة، حاملةً معها عبيرَ أزهارِ الربيعِ التي بدأتْ تتفتحُ في حديقةِ بيتِ نور. استيقظتْ نورُ في صباحِ يومٍ جديدٍ، وبقلبٍ أخفَّ وطأةً من الأيامِ الماضية. بعدَ حديثها الصادقِ معَ والدتها، شعرتْ براحةٍ لم تعرفها منذُ زمن. لم تكنِ المعركةُ قد انتهت، لكنَّ الإيمانَ بوجودِ سندٍ وقوةٍ من حولها قد زرعَ في روحها بذرةَ الشجاعة.
"صباحُ الخير يا حبيبتي." قالتْ والدتها، السيدة أمينة، وهي تُقدمُ لها كوبَ الشايِ الساخن. "هل نمتِ جيداً؟"
"صباحُ النور يا أمي. نعم، نمتُ بشكلٍ أفضلَ بكثير. شكراً لكِ." أجابتْ نورُ بامتنانٍ صادق.
"لا تشكريني يا نور. نحنُ عائلةٌ، وهذا هوَ دورنا. أن نقفَ معَ بعضنا البعضَ في السراءِ والضراء." قالتْ أمينةُ، وهي تُعانقُ ابنتها. "واليومَ، أظنُّ أنَّه سيكونُ يوماً مميزاً."
"لماذا يا أمي؟" سألتْ نورُ بفضول.
"فقطْ شعورٌ داخليٌّ. ربما يحملُ لنا بعضَ الأخبارِ السارة. هل تتذكرينَ صديقتي القديمة، ليلى؟ لقد اتصلتْ بي البارحةَ، وتحدثنا عن إمكانيةِ ترتيبِ لقاءٍ لِكِ معَ ابنها، أحمد. سمعتُ أنَّه شابٌ صالحٌ، ويُحبُّ القراءةَ والعلمَ. ربما يكونُ فيهِ الخيرُ لكم."
توقفتْ نورُ عن شربِ الشايِ، وشعرتْ بشيءٍ من الارتباك. كانتْ علاقتها بيوسفِ قد تطورتْ بشكلٍ كبير، وكانتْ تشعرُ بأنَّ مشاعرها تجاههُ تتعمقُ يوماً بعدَ يوم. كيفَ يمكنُ لوالدتها أن تقترحَ عليها لقاءَ شابٍ آخر؟
"يا أمي، أنا... أنا لستُ متأكدةً من رغبتي في لقاءِ أحدٍ الآن. علاقتي بيوسفِ... أظنُّ أنَّ الأمورَ بيننا تسيرُ بشكلٍ جيد." قالتْ نورُ، بحذرٍ شديد.
تنهدتْ أمينةُ قليلاً، وأدركتْ حجمَ الارتباكِ الذي سببهُ اقتراحها. "آه، يوسف. نعم، هوَ شابٌ طيبٌ حقاً. كنتُ أظنُّ أنَّكِ ما زلتِ في بدايةِ علاقتكما، وأنَّه من الأفضلِ أن تعرفي على شخصياتٍ مختلفة. لكنْ إذا كانتْ مشاعركِ قد تعمقتْ نحوهُ، فذاكَ شيءٌ آخر."
"هو شابٌ طيبٌ جداً يا أمي. ومتفهمٌ. وشعرتُ معه براحةٍ كبيرة." قالتْ نورُ، وقد بدأَ الخجلُ يرسمُ حمرةً على وجنتيها.
"إذاً، دعيهِ يتطورُ على نحوٍ جيد. لا تقلقي بشأنَ اقتراحي. ربما يكونُ أحمدُ مجردَ صديقٍ طيبٍ لكِ. لا بأسَ من وجودِ معارفٍ جدد." قالتْ أمينةُ، محاولةً تخفيفَ حدةِ الموقف.
في ذلكَ اليوم، وبينما كانتْ نورُ تساعدُ والدتها في إعدادِ الغداء، وصلَ اتصالٌ هاتفيٌّ من يوسف. كانتْ سعيدةً بسماعِ صوته، وشعرتْ بأنَّ حوارها معَ والدتها قد منحها ثقةً أكبرَ في علاقتها بيوسف.
"مساءُ الخير يا نور." قالَ يوسفُ بصوتهِ الهادئ. "كيفَ حالكِ اليوم؟ هل أنتِ متفرغةٌ هذا المساء؟ أردتُ أن أدعوكِ لتناولِ القهوةِ في مقهىً جديدٍ افتتحَ حديثاً في وسطِ المدينة. سمعتُ أنَّ لهُ أجواءً رائعة."
"مساءُ النور يا يوسف. أنا بخيرٍ الحمدُ لله. وبالنسبةِ للمقهى، سيكونُ من دواعي سروري. أحبُّ أن أجربَ أماكنَ جديدة." أجابتْ نورُ، وقد لمعتْ عيناها ببريقِ السعادة.
كانَ اللقاءُ معَ يوسفِ كأنهُ نزهةٌ في بستانٍ من الورود. كانَ حديثهما ممتعاً، ومليئاً بالضحكاتِ الهادئةِ والملاحظاتِ الذكية. تحدثا عن الكتبِ التي قرأوها، وعن أحلامهما للمستقبل. شعرَتْ نورُ بأنَّها تتفتحُ رويداً رويداً أمامَ يوسف، وأنَّ مشاعرَ الثقةِ والراحةِ بينهما تتعمق.
"لقد لاحظتُ أنَّكِ أصبحتِ أكثرَ هدوءاً واستقراراً في الأيامِ الأخيرة." قالَ يوسفُ، وهو يُراقبُ تعابيرَ وجهها. "هل حدثَ شيءٌ جعلكِ تشعرينَ بهذا التحسن؟"
ترددتْ نورُ للحظة. هل كانَ الوقتُ مناسباً لتُخبره عن صراعها؟ هل كانَ سيستطيعُ أن يفهمَ؟ نظرتْ إليه، فرأتْ في عينيهِ تلكَ النظرةَ الصادقةَ التي تُشجعها على الانفتاح.
"نعم، لقد تحدثتُ معَ أمي." قالتْ نورُ بصوتٍ منخفض. "لقد كانتْ داعمةً لي جداً. وشعرتُ بأنني لم أعدْ وحدي في معركتي."
"هذا رائعٌ جداً. أعرفُ أنَّ والدتكِ امرأةٌ حكيمةٌ وصالحة. إنَّ دعمَ العائلةِ هوَ أساسُ كلِّ قوة." قالَ يوسفُ، وشعرتْ نورُ بأنَّ كلماته تزيدُ من ثقتها بنفسها.
"لكنْ، ما زالَ الطريقُ طويلاً." أضافتْ نورُ، بخفوت. "ما زالَ عليَّ أن أُقاومَ هذا الضعفَ الذي يراودني."
"ونحنُ هنا، يا نور. أنا هنا معكِ. خطوةً بخطوة." قالَ يوسفُ، وهو يمدُّ يدهُ ليُمسكَ يدها فوقَ الطاولة. شعرتْ نورُ بالدفءِ يسري في جسدها، وبأنَّ هذا الوعدَ البسيطَ كافٍ لِتُشعلَ فيها الأملَ من جديد.
في طريقِ العودةِ إلى المنزل، كانَ يوسفُ قد وعدها بأنْ يُساعدها في إيجادِ كتبٍ ومصادرَ تُعينها على فهمِ طبيعةِ هذهِ العاداتِ السيئةِ وكيفيةِ التغلبِ عليها. شعرَتْ نورُ بأنَّ هذهِ الشراكةَ الجديدةَ، هذا الدعمَ المتبادل، هوَ ما تحتاجهُ حقاً.
ولكن، بينما كانتْ تتحدثُ معَ يوسف، تلقتْ نورُ رسالةً نصيةً على هاتفها، من رقمٍ مجهول. "أعرفُ ما تُخفينه. ولن أسمحَ لكِ بالعيشِ بسعادةٍ معَ يوسف. سأكشفُ كلَّ شيء."
تجمدتْ نورُ في مكانها، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقها. من يكونُ هذا الشخص؟ وكيفَ عرفَ سرها؟ بدتْ ظلالُ الشكِّ تزدادُ كثافةً، مُلقيةً بظلالٍ قاتمةٍ على نورِ الأملِ التي بدأتْ تشرقُ في حياتها.