قلبي يختارك الجزء الثاني
ظلالٌ من الماضي
بقلم سارة العمري
بعدَ لقاءِ "مالك" في الحديقةِ، شعرتْ ليلى ببعضِ الراحةِ. لقدْ وجدَ الحوارُ الصادقُ طريقَهُ بينهما، وكشفتْ أوراقُ الشكِّ التي كانتْ تُحيطُ بقلبِها. لكنّ قرارَها بالتنازلِ عنْ أرضِ جدّتِها لمْ يكنْ سهلاً. بقيتْ ذكرياتُ الطفولةِ، وصورُ جدّتِها وهيَ تبتسمُ لها، تُراودُها في كلِّ لحظةٍ. كانتْ تعرفُ أنّ هذهِ التضحيةَ هيَ ضرورةٌ، وأنّها تأتي في سبيلِ بناءِ مستقبلٍ معَ "مالك"، لكنّ الثمنَ كانَ غالياً على روحِها.
في الأيامِ التاليةِ، بدأَ "مالك" في اتخاذِ الخطواتِ اللازمةِ لإتمامِ عمليةِ بيعِ الأرضِ. كانَ يُتابعُ الإجراءاتِ القانونيةَ بصبرٍ، ويُطمئنُ ليلى باستمرارٍ بأنّ كلَّ شيءٍ سيتمُّ بسرعةٍ. بدأتْ ليلى تُراقبُ أداءَ "مالك" عنْ كثبٍ، لمْ تكنْ رغبتُها في الشكِّ قدْ اختفتْ تماماً، بلْ تحوّلتْ إلى رغبةٍ في التأكّدِ منْ صدقِ نياتِهِ. لاحظتْ أنّهُ أصبحَ أكثرَ هدوءاً، وأقلَّ ابتهاجاً منْ ذي قبلَ. كانَ يبدو عليهِ الإرهاقُ، وكأنّ همومَ عائلتِهِ قدْ ألقتْ بثقلِها عليهِ.
في أحدِ الأيامِ، بينما كانتْ ليلى تُساعدُ والدتَها في ترتيبِ بعضِ الأغراضِ القديمةِ في خزانةِ المنزلِ، عثرتْ على صندوقٍ خشبيٍّ قديمٍ، كانَ مليئاً برسائلَ قديمةٍ وبعضِ الصورِ الفوتوغرافيةِ. بدافعِ الفضولِ، فتحتْ الصندوقَ. كانتْ أغلبُ الرسائلِ موجهةً إلى جدّتِها منْ قبلِ وفاتِها، وكُتِبَتْ بماءِ الذهبِ، تصفُ مشاعرَ حبٍّ ووفاءٍ. ومنْ بينَ الرسائلِ، وجدتْ رسالةً غريبةً، لمْ تحملْ اسمَ المرسلِ، لكنّها كانتْ مكتوبةً بخطٍّ قديمٍ، وتحملُ تاريخاً يعودُ إلى سنواتٍ طويلةٍ مضتْ.
قرأتْ ليلى الرسالةَ، وشعرتْ ببرودةٍ تسري في عروقِها. كانتْ الرسالةُ تتحدثُ عنْ صفقةٍ ماليةٍ، وعنْ ديونٍ متراكمةٍ، وعنْ وعدٍ بـ"سدادِها في الوقتِ المناسبِ". كانَ الحديثُ عنْ "موضوعٍ حساسٍ" يتطلبُ "صمتاً تاماً". لفتَ انتباهَها فقرةٌ في الرسالةِ تقولُ: "يجبُ أنْ نتأكدَ منْ أنّ هذهِ القضيةَ لنْ تُؤثرَ على سمعةِ العائلةِ، أو على مستقبلِ الأبناءِ."
شعرتْ ليلى بأنّ هذهِ الكلماتِ تُشبهُ إلى حدٍّ كبيرٍ ما قالهُ "مالك" عنْ أزمتِهِ الماليةِ. هلْ كانَ هناكَ ربطٌ بينَ رسائلِ جدّتِها القديمةِ وبينَ ما يحدثُ الآنَ؟ بدأتْ تتسللُ إليها شكوكٌ جديدةٌ، أشدُّ قتامةً منْ سابقاتِها. هلْ كانتْ أزمةُ "مالك" حقيقيةً، أمْ أنّها جزءٌ منْ خطةٍ أكبرَ؟
قررتْ أنْ تتحدثَ معَ خالتِها "سعاد"، وهيَ الشخصُ الوحيدُ في العائلةِ الذي قدْ يعرفُ شيئاً عنْ ماضي جدّتِها. الخالةُ "سعاد" كانتْ امرأةً حكيمةً، وعاشتْ فترةً طويلةً معَ الجدّةِ.
"خالتي،" قالتْ ليلى بلهجةٍ مُترددةٍ، وهيَ تجلسُ بجانبِ خالَتِها في شرفةِ منزلِها المطلّةِ على البحرِ، "هلْ تتذكرينَ أيةَ مشاكلَ ماليةٍ واجهتْ جدّتي في حياتِها؟"
نظرتْ الخالةُ "سعاد" إلى ليلى بعينينِ تحملانِ حكمةَ السنينِ. "كانتْ جدّتُكِ امرأةً قويةً، لكنّها لمْ تكنْ بمنأى عنْ صعوباتِ الحياةِ. في فترةٍ منْ حياتِها، وبالتحديدِ قبلَ سنواتٍ طويلةٍ، مرّتْ ببعضِ المشاكلِ الماليةِ، لكنّها كانتْ تعرفُ كيفَ تُدبّرُ أمورَها بحكمةٍ وصبرٍ."
"وهلْ كانتْ هذهِ المشاكلُ مرتبطةٌ بأيِّ شخصٍ معينٍ؟" سألتْ ليلى، وقلبُها يُقرعُ كطبولِ حربٍ.
ترددتْ الخالةُ "سعاد" قليلاً. "كانَ هناكَ حديثٌ عنْ رجلٍ كانَ لهُ دينٌ كبيرٌ على جدّتِكِ، رجلٌ كانَ مُعجباً بها في شبابِها، لكنّ جدّتَكِ رفضتْهُ، وتزوجتْ جدّكِ. وبعدَ سنواتٍ، عادَ هذا الرجلُ ليُطالبَ بحقِّهِ، ولكنهُ لمْ يكنْ حقّاً، بلْ كانَ ابتزازاً."
شعرتْ ليلى بالصدمةِ. "ابتزازاً؟"
"نعم،" أكدتْ الخالةُ "سعاد" بحزنٍ. "حاولَ أنْ يُهدّدَها بفضحِ بعضِ أسرارِ الماضي، إذا لمْ تدفعْ لهُ مبلغاً معيناً. لكنّ جدّتَكِ، بعزيمتِها وإيمانِها، لمْ تستسلمْ. لقدْ واجهتْهُ، وبمساعدةِ بعضِ الأصدقاءِ المخلصينَ، استطاعوا أنْ يُسكتوهُ، ولكنّ الثمنَ كانَ باهظاً، فقدْ اضطرتْ لبيعَ بعضِ الممتلكاتِ لتدفعَ لهُ جزءاً منْ المبلغِ، وتُنهيَ هذهِ المسألةَ."
"ومنْ هوَ هذا الرجلُ؟" سألتْ ليلى بفارغِ الصبرِ.
"لا أتذكرُ اسمَهُ،" قالتْ الخالةُ "سعاد" بأسفٍ. "لكنّي أتذكرُ أنّهُ كانَ لديهِ علاقةٌ ببعضِ رجالِ الأعمالِ في تلكَ الفترةِ."
بدأتْ الألغازُ تتجمعُ في عقلِ ليلى. هلْ كانَ "مالك" مرتبطاً بهذا الرجلِ؟ هلْ كانتْ أزمةُ "مالك" الحاليةُ مجردَ تكرارٍ لسيناريو الماضي؟ شعرتْ بأنّها تسيرُ في متاهةٍ مظلمةٍ، وكلُّ خطوةٍ تُقربُها منْ حقيقةٍ قدْ تكونُ أكثرَ ألماً منْ أيِّ شكٍّ.
قررتْ أنْ تُحاولَ البحثَ عنْ أيِّ معلومةٍ تُشيرُ إلى هذا الرجلِ. بدأتْ تراجعُ الأوراقَ القديمةَ لجدّتِها، وألحتْ على والدتِها لسؤالِها عنْ تفاصيلَ أكثرَ. اكتشفتْ أنَّ جدّتَها قدْ احتفظتْ ببعضِ السجلاتِ الماليةِ القديمةِ، والتي قدْ تُشيرُ إلى هذا الرجلِ.
وبينما كانتْ تُقلّبُ في هذهِ السجلاتِ، عثرتْ على اسمٍ يتكررُ كثيراً: "السيدُ الحاجِّ محمود". كانَ الاسمُ مُقترناً بمبالغَ ماليةٍ كبيرةٍ، وبعضِ الإشاراتِ إلى "تسويةِ نزاعٍ". هلْ كانَ هذا هوَ الرجلُ؟
في هذهِ الأثناءِ، كانَ "مالك" قدْ أتمَّ إجراءاتِ بيعِ الأرضِ. أخبرَ ليلى بفرحٍ، قائلاً: "لقدْ تمَّ الأمرُ يا ليلى! بفضلِكِ، تمكّنا منْ سدادِ الجزءِ الأكبرِ منْ الديونِ. أنا مدينٌ لكِ بالكثيرِ."
ابتسمتْ ليلى ابتسامةً باهتةً، وهيَ تُفكرُ في الاسمِ الذي عثرتْ عليهِ. "السيدُ الحاجِّ محمود". هلْ كانَ لديهِ علاقةٌ بعائلةِ "مالك"؟ هلْ كانَ هوَ مصدرَ هذهِ المشاكلِ؟
في اليومِ التالي، وبدافعٍ منْ إلحاحٍ لا تستطيعُ تفسيرَهُ، سألتْ ليلى "مالك" عنْ عائلتِهِ، وعنْ أيِّ شخصٍ يُدعى "الحاجِّ محمود".
تجمّدَ "مالك" للحظةٍ. بدتْ عينانِهُ تتسعُ قليلاً، وكأنّ الاسمَ قدْ أثارَ فيهِ شيئاً. "الحاجِّ محمود؟" كررَ بصوتٍ مترددٍ. "نعم، الحاجِّ محمود هوَ عمُّ والدي. كانَ لهُ دورٌ كبيرٌ في عائلتِنا، وكانَ دائماً يساعدُنا في أمورِنا الماليةِ."
تضاعفتْ شكوكُ ليلى. هلْ كانَ "الحاجِّ محمود" هوَ منْ يُعرّضُ عائلتَهُ للديونِ، ثمّ يأتي ليُسدّدَها، وكأنّهُ المنقذُ؟ هلْ كانتْ هذهِ لعبةً مُتقنةً؟ هلْ كانَ "مالك" يعرفُ كلَّ هذا؟
شعرتْ ليلى بأنّها تقفُ على أعتابِ حقيقةٍ مُرعبةٍ. لقدْ دفعتْ ثمناً غالياً، وكانَ عليها أنْ تعرفَ ما إذا كانَ هذا الثمنُ ذهبَ في الطريقِ الصحيحِ، أمْ في سبيلِ خطةٍ مُظللةٍ. صمتتْ، وقررتْ أنْ تُتابعَ تحقيقاتِها بصمتٍ، وأنْ تجمعَ المزيدَ منَ الأدلةِ قبلَ أنْ تُصارحَ "مالك" بشكوكِها.