قلبي يختارك الجزء الثاني
همسات اليقين بين نسمات الحنين
بقلم سارة العمري
جلست سارة على الأريكة العتيقة في رواق دارهم، يحتضنها دفء شمس الظهيرة المتسللة من النافذة المزينة بزجاج ملون. كان الهواء يحمل رائحة الياسمين الفواح الذي غرسته جدتها بحب، ممزوجة بعبق القهوة العربية التي أعدتها أمها في المطبخ. كانت عيناها تتوهان في سماء زرقاء صافية، تتأمل غيوماً بيضاء تنسج خيوط قصص قديمة، قصص عن زمن أبسط، وعن حب أسمى.
لقد مرت أسابيع منذ ذلك اللقاء الأول في معرض الكتاب. أسابيع مرت كطيف، تحمل معها ذكريات لم يجرؤ قلبها على الاعتراف بها صراحة، لكن روحها كانت ترتشفها كرحيق الورد. كان طيف عبد الرحمن يزورها بين الحين والآخر، ليس في الواقع، بل في خلوات روحها. يتجلى في لحظات السكينة، في صوت الآذان الذي يلامس شغاف قلبها، في آية قرآنية تتلى فتهديها. لم يكن الأمر حبًا جامحاً، بل كان شعوراً عميقاً بالراحة والطمأنينة، ورغبة خفية في أن يكون هذا الرجل جزءاً من عالمها، جزءاً من مستقبلها.
لكن الشك كان يقف حاجزاً، جداراً منيعاً شيده الخوف. هل كان عبد الرحمن مجرد عابر سبيل؟ هل كانت تلك الكلمات الرقيقة، والنظرات المعبرة، مجرد مجاملات عابرة؟ كانت هذه الأسئلة تنهشها، وتزرع في قلبها بذور القلق. كانت تدرك تماماً أن العلاقة بينهما يجب أن تسير وفق ما يرضي الله، بعيداً عن أي فتنة أو شبهة. لم تسمح لنفسها بالخوض في بحر التفكير الذي قد يغرقها في محرمات. لكن ما الذي يمكن أن تفعله إن كان قلبها قد أمال إلى هذا الشاب الوقور، ذي الأخلاق الرفيعة؟
في تلك الأثناء، دخل والدها، الأستاذ محمود، إلى الرواق، مبتسماً ابتسامة أبوية دافئة. "ما الذي يشغل بال أميرتي الجميلة؟" سأل وهو يضع يده على كتفها.
استدارت سارة، وقد ارتسم على وجهها مزيج من الابتسامة الخجولة والقلق المستتر. "لا شيء يا أبي، مجرد تأمل في خلق الله."
تنهد الأستاذ محمود، ثم جلس بجوارها. كان رجلاً حكيماً، يقرأ ما بين السطور، ويفهم صمت ابنته قبل أن تنطق. "تأملات جميلة، ولكنها غالباً ما تحمل وراءها حديثاً أعمق."
تورد وجه سارة قليلاً. "ربما... ربما أفكر في المستقبل."
"المستقبل؟" رفع الأستاذ محمود حاجبه، وشعر بأن هناك شيئاً يستحق الاستماع إليه. "هل هناك أمر يشغل بالك بخصوص المستقبل؟"
ترددت سارة للحظة، ثم قالت بصوت خفيض: "هل... هل ترضى عن عبد الرحمن؟"
ارتسمت الدهشة على وجه والدها، ثم تبدل إلى ابتسامة أوسع. "عبد الرحمن؟ الشاب الذي تحدث عنه السيد أحمد؟ الشاب المثقف، والخلوق، والذي يبدو أن لديه شغفاً بالأدب والعلم؟"
أومأت سارة برأسها، وقلبها يخفق بقوة.
"لقد أعجبت به كثيراً حينما قابله والدك في المركز الثقافي،" قال الأستاذ محمود. "بدا لي شاباً واعداً، يتمتع بصفات طيبة، ويحمل في عينيه بريق الوعي والتدين."
هدأت سارة قليلاً، شعرت ببعض الارتياح. "لكن... لكنني لا أعرف، يا أبي. لم نتحدث طويلاً. ربما يكون مجرد... مجرد إعجاب سطحي."
"الإعجاب السطحي لا يدوم، يا ابنتي،" قال والدها بحكمة. "والأهم من ذلك، أننا كعائلة، لا نقدم على خطوة كهذه إلا بعد استخارة، ودراسة متأنية، واستشارة أهل الخبرة. نحن نبحث عن شريك حياة، وليس مجرد زميل."
"أعلم يا أبي،" قالت سارة. "ولكنني... أريد أن أعرف رأيك. فأنا أثق في حكمتك، وفي قدرتك على قراءة الناس."
"رأيي، كما تعلمين، هو أن الاختيار يجب أن يكون مبنياً على الدين والخلق. فإذا كان هذا الشاب يتمتع بهما، فما الذي يقلقك؟"
"القلق من أن أكون مخطئة في تقديري. القلق من أن يتبدل الحال. القلق من... من نظرة المجتمع."
"نظرة المجتمع ليست هي المعيار، يا سارة. المعيار هو رضا الله، وراحة البال، والسعادة الحقيقية التي تبنى على أسس صلبة. إذا استخرنا الله، وإذا كان الشاب يستحق، فسييسر الله الأمر. لا تدعي الشك يساورك. ثقي بالله، وثقي بقدرتك على التمييز."
ابتسمت سارة لوالدها، وشعرت بأن ثقلاً قد انزاح عن صدرها. كانت كلماته كبلسم شافٍ. "شكراً لك يا أبي. كلامك يطمئنني دائماً."
"هذا واجبي، يا حبيبتي. والآن، دعيني أتحدث مع السيد أحمد، لنرى كيف يمكننا أن نتحرك في هذا الأمر. لا نريد أن ننتظر طويلاً، فالعمر يمضي."
شعر قلب سارة بالدفء. كانت تعلم أن الخطوة التالية ستكون مهمة، وأنها تتطلب كثيراً من الشفافية والاتفاق بين العائلتين. لم يكن الأمر يتعلق بها وحدها، بل بعائلة كاملة، وبمستقبل مشترك.
وفي المساء، بينما كانت سارة تساعد والدتها في إعداد العشاء، تلقت رسالة على هاتفها. فتحتها بفضول، لتجد اسمها يتصدر الرسالة. كانت من عبد الرحمن.
"السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الأخت سارة. أتمنى أن تكوني بخير. لقد مضت أيام منذ لقائنا في معرض الكتاب، ولكن كلماتها وصورتك ما زالت تعود إلى ذهني. أردت أن أطمئن على أحوالك، وأن أعرف إن كانت لديك أي استفسارات أو أسئلة بخصوص ما تحدثنا عنه. وإن كانت لديك أي رغبة في مواصلة الحديث، فأنا على استعداد للقاء مرة أخرى، في إطار رسمي ومناسب، برفقة الأهل، إن كان ذلك يناسبكم. أرجو أن تبلغي والديّ تحياتي. مع خالص التقدير والاحترام، عبد الرحمن."
ابتسمت سارة ابتسامة واسعة، وشعرت بقلبها يخفق بسعادة غامرة. لم يكن الأمر مجرد إعجاب سطحي، بل كان الرجل يفكر فيها، ويرغب في إكمال المسيرة بشكل صحيح. هذه الرسالة كانت بمثابة ضوء أخضر، وعد ببناء مستقبل على أسس سليمة.
أرته الرسالة لوالدتها، التي قرأتها بابتسامة راضية. "ما شاء الله، شاب مهذب ويتبع السنة. بارك الله فيه."
"والدي وعدني أن يتحدث مع والد السيد أحمد،" قالت سارة.
"خيراً إن شاء الله. فلنستخر الله دائماً، ونسأله التوفيق والسداد."
في تلك الليلة، لم تستطع سارة النوم بسهولة. كانت الأفكار تتزاحم في رأسها، مزيج من الفرح والقلق، والترقب. كانت تعرف أن هذه الخطوة لن تكون سهلة، وأنها ستتطلب منها الكثير من الصبر والحكمة. ولكنها كانت تشعر أيضاً بقوة دفينة، نابعة من يقينها بأن الله مع الصابرين، وأن الحق هو دائماً الطريق الأفضل. همسات اليقين بدأت تتسلل إلى قلبها، تخفف من وطأة الشك، وترسم في مخيلتها صورة مستقبل مشرق، مستقبل يجمعها برجل اختارته روحها، ورضيت به أسرتها، وأقره دينها.