قلبي يختارك الجزء الثاني

أشباح الماضي ووشوشات الحذر

بقلم سارة العمري

امتد ظلام الليل ليغطي سماء المدينة، لكن الأنوار المتلألئة في بيت العم أبو أحمد لم تنطفئ. بدلاً من ذلك، ازدادت حدتها، وكأنها تعكس لهيب الأسئلة التي اشتعلت في صدور الحاضرين. بعد انتهاء الجلسة العائلية، انصرف الضيوف، لكن الأفكار بقيت تتصارع، والهموم تتراكم.

جلست ليلى في غرفتها، تتأمل كتاباً قديماً وجدته بين أوراق والدتها. لم يكن كتاباً عادياً، بل كان مذكراتٍ شخصية، تبدو أنها تعود لسنواتٍ مضت، ربما قبل زواج والديها. كانت الصفحات مهترئة، والكلمات مكتوبةٌ بخطٍ أنيق، لكنه يحمل في طياته شغفاً وحزناً دفينين.

"ما الذي يخبئه هذا الماضي؟" همست ليلى لنفسها، وهي تقلب الصفحات بتردد. "وما علاقته بما يحدث الآن؟"

كانت الرسالة التي وجدتها نور، وحديث العم أبو خالد، قد أثارتا فضولها بشكلٍ كبير. شعرت بأن هناك جزءاً من الحقيقة، جزءاً مهماً، لا يزال مخفياً، وأن هذا الجزء ربما يكمن في تلك الذكريات التي تعود إلى زمنٍ غابر.

في الجهة المقابلة من المدينة، كان عبد الرحمن جالساً في مكتبه، يتصفح ملفاتٍ قديمة. لم تكن ملفاتٍ متعلقةً بعمله، بل كانت ملفاتٍ شخصية، جمعها بعنايةٍ على مر السنين. كان يحاول ربط الأحداث، وتجميع قطع اللغز المتناثرة.

"لقد كان السيد محمود شخصاً حذراً،" تمتم عبد الرحمن لنفسه، وهو يمسك بصورةٍ باهتة تجمع السيد محمود مع رجلٍ آخر في إحدى المناسبات الرسمية. "حذراً لدرجة أنه كان يخشى حتى على أفكاره. فكيف ترك رسالةً تكشف ما كان يخطط له؟"

كانت لديه شكوكٌ عميقة. شكوكٌ لم يكن يتحدث بها لأحد. كان يشعر بأن هناك يداً خفيةً تحاول توجيه الأحداث، توجيههم نحو طريقٍ معين، وربما نحو فهمٍ خاطئ للحقيقة.

في صباح اليوم التالي، التقت ليلى بنور في مكانٍ هادئ، بعيداً عن أعين الفضوليين. كانتا تجلسان في حديقةٍ صغيرة، تتجمل بأشجار الزيتون والرمان، والعبير العليل يملأ الأجواء.

"لقد قرأت شيئاً في مذكرات أمي،" بدأت ليلى، وهي تنظر إلى نور بعينيها اللوزيتين. "شيءٌ غريب. يبدو أن والدتك كانت تعرف والد نور قبل زواجه. بل، ربما كانا... مقربين."

اتسعت عينا نور بدهشة. "والدتي؟ كانت تعرف السيد محمود؟"

"نعم،" أجابت ليلى، وهي تحاول ترتيب أفكارها. "المذكرات تشير إلى لقاءاتٍ سرية، إلى أحاديثٍ طويلة. كانت والدتك تبدو قلقةً بشأنه، وكأنها تخشى عليه من شيءٍ ما."

"لكن أمي لم تذكر لي شيئاً عن السيد محمود،" قالت نور، وبدأت علامات الحيرة تظهر عليها. "لم تذكر قط أنها قابلته أو تحدثت معه."

"هذا هو الغريب،" قالت ليلى. "يبدو أن والدتك كانت تخفي هذا الأمر. ربما كانت ترى أن له مبرراته. ربما كانت تريد حمايتك، أو حماية والدك."

كانت هذه المعلومات كفيلةً بإثارة المزيد من التساؤلات في ذهن نور. لقد كانت علاقة والدها بوالدتها، رغم أنهما كانا متزوجين من شخصين آخرين، أمراً غريباً. فما الذي ربطهما؟ وما الذي جعل والدتها تخفي هذه العلاقة؟

"هل هناك أي شيءٍ آخر؟" سألت نور، صوتها مليءٌ بالفضول.

ترددت ليلى قليلاً. "هناك إشارةٌ إلى 'وديعةٍ' كان السيد محمود قد تركها. وديهٌ هامةٌ جداً، كان يخشى أن تقع في الأيدي الخاطئة. لم تذكر والدتك ما هي هذه الوديعة، لكنها بدت قلقةً جداً بشأنها."

"وديعة؟" تكررت الكلمات في ذهن نور. هل كانت تقصد الرسالة؟ أم شيئاً آخر؟

"لا أعتقد أنها الرسالة،" قالت ليلى، وكأنها قرأت أفكار نور. "الرسالة كانت مكتوبةً لتُكتشف. لكن هذه الوديعة... تبدو وكأنها شيءٌ مخبأ، شيءٌ لم يُكتشف بعد."

في تلك الأثناء، كان أحمد يتحدث مع العم أبو خالد، محاولاً استخلاص أي معلوماتٍ إضافية.

"أذكر أن السيد محمود كان يتحدث أحياناً عن 'مخططٍ' كان يعمل عليه،" قال أبو خالد، وهو يمسح جبينه. "كان يقول إنه سيغير الكثير، لكنه لم يوضح ما هو هذا المخطط. كان يتحدث عن 'المستقبل'، وعن 'حماية حقوقٍ مغتصبة'."

"حقوق مغتصبة؟" سأل أحمد. "هل تقصد حقوقاً مالية؟"

"لا أعتقد،" أجاب أبو خالد. "كان يتحدث بطريقةٍ عاطفية، كأنها قضيةٌ أخلاقية، أو قضيةٌ تتعلق بمبادئ. كان يقول إنه يريد أن يترك إرثاً، إرثاً لأبنائه، وللأجيال القادمة."

كانت هذه المعلومات تتوافق مع ما وجدته ليلى في مذكرات والدتها. "وديعة"، "مخطط"، "حماية حقوق". كل هذه العبارات تشير إلى أن السيد محمود كان يعمل على شيءٍ أكبر من مجرد صفقةٍ تجارية.

"يا ترى، هل كان عبد الرحمن يعلم بهذا كله؟" سأل أحمد، وقد خطرت له فكرة.

"لا أستبعد ذلك،" أجاب أبو خالد. "عبد الرحمن رجلٌ فطين، ولديه علاقاتٌ واسعة. ربما كان يتابع تحركات السيد محمود، وربما كان لديه معلوماتٌ لا نملكها."

في هذه اللحظة، وصل رسالةٌ إلى هاتف أحمد. كانت من عبد الرحمن. محتواها قصيرٌ ومباشر: "الوقت ينفد. يجب أن نتحرك بسرعة. الوديعة ليست مجرد أوراق. إنها تتعلق بالأمن."

شعر أحمد ببرودةٍ تسري في عروقه. "الأمن؟" تساءل. "ما علاقة قضية السيد محمود بالأمن؟"

"ماذا هناك؟" سأل أبو خالد، حين رأى تعابير وجه أحمد.

"هذه رسالةٌ من عبد الرحمن،" قال أحمد، وهو يري الرسالة لأبي خالد. "يقول إن الوديعة تتعلق بالأمن."

تبادل الرجلان نظراتٍ عميقة. بدأت الصورة تتشكل، لكنها كانت مرعبةً أكثر مما كانا يتخيلان. إذا كانت قضية السيد محمود تتعلق بالأمن، فهذا يعني أن الخطر أكبر بكثير، وأن الأيادي التي كانت تسعى لإخفاء الحقيقة ربما كانت أشد قوةً وخطورةً مما اعتقدوا.

في تلك اللحظة، رن هاتف ليلى. كان المتصل عبد الرحمن.

"ليلى،" قال عبد الرحمن بصوتٍ جاد. "لقد اكتشفت شيئاً. شيئاً خطيراً جداً. السيد محمود لم يكن مجرد رجل أعمال. لقد كان يتعامل مع معلوماتٍ حساسة، معلوماتٍ يمكن أن تزعزع استقرار كياناتٍ بأكملها."

"ماذا تقصد؟" سألت ليلى، وقلبها يخفق بعنف.

"الوديعة التي تحدثت عنها والدتك... إنها ليست شيئاً مادياً فقط. إنها مجموعةٌ من الأدلة، أدلةٌ تورط شخصياتٍ رفيعة المستوى في قضايا فسادٍ وتهديدٍ للأمن العام. لقد كان السيد محمود يعمل على كشف هذه القضية، وهذا ما جعله هدفاً."

"ولماذا لم يتحدث أحدٌ عن هذا؟" سألت ليلى.

"لأن الأيادي التي حاولت إسكاته كانت قويةً جداً. لقد استطاعوا تزييف الحقائق، وتشويه سمعة السيد محمود، بل وحتى جعلوه يبدو كهاربٍ أو مجرم. لكن هذا لم يكن صحيحاً. لقد كان بطلاً يحاول إنقاذ بلده."

"ومن هم هؤلاء الأشخاص؟" سألت ليلى، وعيناها ترقب الطريق أمامها.

"هذا ما أحاول اكتشافه. لكن يبدو أنهم لا يزالون في الظل، يحركون الخيوط. إنهم يخشون أن تُكشف الوديعة، لأنها ستدمرهم."

"وماذا علينا أن نفعل؟"

"علينا أن نجد الوديعة قبلهم. إنها مفتاح كل شيء. إنها لن تكشف الحقيقة عن والد نور فحسب، بل ستكشف أيضاً عن الظلم الذي وقع على الكثيرين. وأنا أخشى أنهم قد يكونون على وشك اكتشاف مكانها."

كان كلام عبد الرحمن كالصقيع الذي يغطي قلب ليلى. شعرت بالمسؤولية الثقيلة التي تقع على عاتقها. لم تعد القضية مجرد قصةٍ عائلية، بل أصبحت قضيةً وطنية، قضيةً تتعلق بالعدالة والحقيقة.

"ماذا تقصد بأنهم على وشك اكتشافها؟" سألت ليلى، صوتها بالكاد خرج.

"لقد بدأت أراقب بعض الأشخاص الذين كانوا على صلةٍ بالسيد محمود في الماضي. يبدو أن أحدهم، شخصٌ لم نكن نتوقعه، قد بدأ يبحث عن شيءٍ ما، شيءٌ كان السيد محمود قد تركه مخبأً. وإذا وجده، فسيكونون هم من يسيطرون على الحقيقة، وسيكونون هم من يحددون ما الذي سيحدث."

انتهى الاتصال، وتركت ليلى وحدها مع أفكارها. شعرت بالخوف، لكنها شعرت أيضاً بالإصرار. لقد اتخذت قرارها. يجب أن تجد الوديعة. يجب أن تكشف الحقيقة.

نظرت إلى السماء، ودعت الله أن يرشدها ويقويها. كانت تعلم أن ما سيأتي سيكون اختباراً قاسياً، وأنها قد تواجه مخاطر لم تتخيلها. لكن قلبها كان يختار طريق الحقيقة، مهما كان الثمن.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%