قلبي يختارك الجزء الثاني
بصمات الماضي وخفايا المستقبل
بقلم سارة العمري
كانت خيوط الفجر الأولى تنسج وشاحها الذهبي على أفق المدينة، معلنةً بداية يومٍ جديد، يومٍ يحمل معه وعوداً وآلاماً، وأسئلةً أكبر. في بيت العم أبو أحمد، استيقظت ليلى مبكراً، كعادتها، لكن هذه المرة، كان استيقاظها محملاً بعبءٍ ثقيل. كلمات عبد الرحمن الأخيرة كانت لا تزال ترن في أذنيها، محفورةً في ذاكرتها كوشمٍ أبدي.
"الوديعة... أدلةٌ تورط شخصياتٍ رفيعة... تهديدٌ للأمن العام..." كانت هذه الكلمات تدور في رأسها كعاصفة. لم تعد المسألة تتعلق فقط بإعادة اعتبار والد نور، بل أصبحت قضيةً تمس أمن البلاد بأسرها.
بعد تناول وجبة الفطور، ذهبت ليلى إلى أمها، فوجدتها تجلس في هدوء، وعيناها غائرتان في التفكير. "صباح الخير يا أمي،" قالت ليلى، ثم جلست بجانبها. "صباح النور يا ابنتي،" أجابت الأم، وابتسامةٌ باهتةٌ علت وجهها. "أرى أنكِ مستيقظةٌ مبكراً." "نعم يا أمي،" قالت ليلى، مترددةً في البداية. "كنت أفكر في كل ما يحدث. في قصة السيد محمود، وفي هذه الوديعة التي نتحدث عنها." نظرت الأم إلى ابنتها بحنان. "الحياة يا ليلى تحمل أسراراً كثيرة. بعضها يظهر في وقته، وبعضها يظل دفينًا." "هل لديكِ أي فكرةٍ عن هذه الوديعة؟" سألت ليلى، بصوتٍ فيه أمل. "عن مكانها، عن طبيعتها؟" تنهدت الأم. "أتذكر أن والدتكِ كانت تتحدث عن 'شيءٍ ثمين' تركه السيد محمود. كانت قلقةً جداً عليه. كانت تقول إنه يجب أن يبقى آمناً. لكن تفاصيل أخرى لم تصلني. لقد كانت علاقة والدتكِ به معقدة، تحمل الكثير من التضحيات." "تضحيات؟" كررت ليلى، متفاجئة. "نعم. والدتكِ كانت تحب السيد محمود، وكانت تعلم بمدى خطورة ما كان يفعله. لذلك، كانت تساعده بكل ما تستطيع. ولكنها كانت تعلم أيضاً أن هناك ثمناً باهظاً قد يُدفع." كانت هذه المعلومة صادمةً لليلى. حب والدتها للسيد محمود؟ وهل كانت والدتها تساعده في مهمته الخطيرة؟ أدركت أن ما وجدته في المذكرات كان مجرد غيضٍ من فيض. "هل تقصدين أنها كانت تعلم أن هناك أشخاصاً يسعون لإيذائه؟" سألت ليلى. "بالتأكيد،" أجابت الأم. "لقد كانت والدتكِ ذكيةً وشجاعة. كانت تدرك أن السيد محمود يحاول كشف فسادٍ كبير. وكان أولئك الأشخاص لا يرحمون." "ولماذا لم تخبرنا هي بشيء؟" سألت ليلى، تشعر بضيقٍ في صدرها. "لأنها كانت تحميكم، يا ابنتي. كانت تعتقد أن الصمت هو أفضل وسيلةٍ للحماية. لقد تركت لكِ هذه المذكرات، ربما لتكتشفي الحقيقة بنفسك، عندما تكونين مستعدةً." أدركت ليلى الآن أن والدتها لم تكن مجرد امرأةٍ عادية، بل كانت بطلةً صامتةً، تحمل على عاتقها مسؤولياتٍ عظيمة. في تلك الأثناء، كان أحمد يتواصل مع العم أبو خالد، يحاولان تنسيق الخطوات القادمة. "عبد الرحمن يرسل إشاراتٍ مقلقة،" قال أحمد. "يبدو أن الشخص الذي يبحث عن الوديعة قد أصبح قريباً جداً من اكتشافها." "من هو هذا الشخص؟" سأل أبو خالد. "لا يزال غير مؤكد،" أجاب أحمد. "لكن عبد الرحمن يعتقد أنه شخصٌ مقربٌ من السيد محمود في الماضي، شخصٌ كان لديه دوافع خفية." "دوافع خفية؟" تساءل أبو خالد. "ما هي طبيعة هذه الدوافع؟" "يخشى عبد الرحمن أن يكون دافع هذا الشخص هو المصالح الشخصية، أو ربما الانتقام. إذا وقعت الوديعة في يديه، فقد يستخدمها لصالحه، أو قد يدمرها لتدمير سمعة السيد محمود إلى الأبد." "هذا أمرٌ خطير." "جداً. عبد الرحمن يقول إننا بحاجةٍ إلى إيجاد مكان الوديعة قبل هذا الشخص. وأننا بحاجةٍ إلى الاستعانة بخبراتٍ قديمة." "خبرات؟" "نعم. يتذكر عبد الرحمن أن السيد محمود كان لديه صديقٌ قديم، خبيرٌ في الأمور الأمنية، وكان قد ساعده في مشروعٍ سابق. يعتقد عبد الرحمن أن هذا الصديق قد يعرف شيئاً عن مكان الوديعة." "وهل نعرف من هو هذا الصديق؟" "لا. الأمر يتطلب بعض البحث." بدأ أحمد يشعر بأن الأمور تخرج عن السيطرة. كانت القصة تتعقد أكثر فأكثر، وكانت المخاطر تتزايد. في مكانٍ آخر، كان عبد الرحمن يتابع بصمتٍ، يراقب التحركات. كان قد اكتشف أن الشخص الذي يبحث عن الوديعة ليس شخصاً واحداً، بل هو جزءٌ من شبكةٍ أوسع. شبكةٌ من الفاسدين والمتسترين، الذين كانوا يسعون بكل قوةٍ لإبقاء الحقائق مدفونةً. "لقد وصلوا إلى ما قبل الباب،" تمتم عبد الرحمن لنفسه، وهو ينظر إلى شاشة حاسوبه. "ولكنهم لا يدركون أن هناك من يراقبهم، وأن هناك من سيقف في طريقهم." كانت لديه خطةٌ محكمة، خطةٌ تعتمد على التحلي بالصبر، وعلى استغلال نقاط ضعف أعدائه. كان يعرف أن هذه المعركة ليست معركةً بالأسلحة، بل معركةً بالعقول، معركةً بالمعلومات. بعد ظهر ذلك اليوم، تلقت ليلى اتصالاً من عبد الرحمن. "ليلى،" قال بصوتٍ هادئ ولكنه ملح. "لقد اقتربت. اعتقد أنني عرفت من هو هذا الشخص. إنه شخصٌ كان قريباً جداً من السيد محمود، لكنه كان لديه طموحاتٌ خاصة. لقد عمل معه، وتعلم منه. والآن، يبدو أنه يسعى لاستغلال ما تركه السيد محمود لصالحه." "ومن هو؟" سألت ليلى، تشعر بقلبها يتسارع. "إنه... السيد عادل، مدير مكتب السيد محمود السابق. كان دائماً يبدو مخلصاً، لكن يبدو أن لديه وجهاً آخر." "السيد عادل؟" تساءلت ليلى. "لكنني لم ألتق به من قبل." "نعم. ولم يلتقِ بكِ. لكنه يعرف كل شيءٍ عن السيد محمود، وعن خططه. وهو الآن يسعى للوصول إلى الوديعة قبل أن يتمكن أي شخصٍ آخر." "وماذا عن الصديق القديم للسيد محمود؟" سألت ليلى. "لقد تحدثت معه. اسمه السيد فاروق. إنه رجلٌ قديم، يعيش بعيداً عن المدينة. ولكنه يبدو أنه يعرف شيئاً. لقد قال إنه يتذكر أن السيد محمود قد استودعه شيئاً، شيئاً مهماً جداً، لم يكشف عن طبيعته." "وهل يعرف مكانه؟" "لا. لكنه قال إنه سيبحث في مذكراته القديمة. ولدي أملٌ أن نجد شيئاً." "ماذا نفعل الآن؟" "علينا أن نذهب إلى السيد فاروق. يجب أن نتحدث معه مباشرةً. ربما هو المفتاح الأخير. ولكن يجب أن نتحرك بسرعة. السيد عادل قد يكون على وشك الوصول إليه أيضاً." شعرت ليلى بالمسؤولية تزداد. كانت تعلم أن هذه الرحلة قد تكون محفوفةً بالمخاطر، وأنها قد تواجه السيد عادل مباشرةً. لكنها لم تكن لتتراجع. لقد كانت مستعدةً للمواجهة، مستعدةً لكشف كل الأسرار. "سأذهب معك،" قالت ليلى بحزم. "أعلم أنكِ ستفعلين،" قال عبد الرحمن، صوتُه يحمل بعض القلق. "لكن عليكِ أن تكوني حذرة. السيد عادل رجلٌ ماكر، وقد لا يتردد في استخدام أي وسيلةٍ لإخفاء الحقيقة." "ولكنني لن أسمح له بذلك،" قالت ليلى، وعيناها تلمعان بعزيمة. "لن أسمح له بتدمير إرث والد نور، ولن أسمح له بتعريض الأبرياء للخطر." في تلك اللحظة، شعرت ليلى بوجود قوةٍ لا يمكن إنكارها، قوةٍ تأتي من الداخل، قوةٍ تأتي من الحق. كانت تعلم أن رحلتها لم تنتهِ بعد، وأن هناك الكثير من التحديات التي تنتظرها. لكنها كانت على استعدادٍ لمواجهة كل شيء، مدفوعةً بصدقٍ وحبٍ لا يعرفان حدوداً.