قلبي يختارك الجزء الثاني
اللقاء الحاسم وبداية المواجهة
بقلم سارة العمري
شقت السيارة طريقها بصمتٍ عبر الطرق الريفية الهادئة، حاملةً معها ليلى وعبد الرحمن نحو وجهةٍ غير معلومة، نحو لقاءٍ قد يحمل مفتاح الماضي وحل المستقبل. كانت الطبيعة تحيط بهما بألوانها الخضراء الزاهية، وأشجار الزيتون تمتد كحراسٍ صامتين، لكن هدوء المشهد لم يخفف من وطأة القلق المتزايد في قلب ليلى.
"هل أنت متأكدٌ أن السيد فاروق سيتذكر؟" سألت ليلى، وهي تنظر إلى حقولٍ متناثرةٍ تتخللها بيوتٌ قديمة. "السيد فاروق رجلٌ ذاكرته قوية،" أجاب عبد الرحمن، وعيناه مثبتتان على الطريق. "لقد قضى حياته في البحث عن الأدلة، وفي تجميع الحقائق. إذا كان السيد محمود قد ائتمنه على شيءٍ، فسيتذكره. الأمر المهم هو أننا يجب أن نصل إليه قبل السيد عادل." "وهل تعتقد أن السيد عادل يعرف أننا في طريقنا إلى السيد فاروق؟" "لا أعتقد ذلك. ولكنه قد يكتشف ذلك قريباً. إنه يملك شبكةً من العيون، ولكنه يفتقر إلى الرؤية الواضحة. وأنا أخطط لاستغلال هذه النقطة." كان حديث عبد الرحمن هادئاً، لكنه كان يحمل نبرةً من الثقة العالية. أدركت ليلى أنه لم يكن يتحدث عبثاً، بل كان لديه خطةٌ محكمة. بعد ساعاتٍ قليلة، وصلوا إلى قريةٍ صغيرة، تتناثر فيها البيوت الحجرية القديمة، وتفوح منها رائحة التراب والزيت. كان المكان يبدو وكأنه يعيش في عالمٍ آخر، عالمٍ بعيدٍ عن صخب المدينة وضغوطها. "هذا هو المكان،" قال عبد الرحمن، مشيراً إلى بيتٍ صغيرٍ ذي سقفٍ مائل، تحيط به حديقةٌ بسيطة. "هنا يسكن السيد فاروق." توقفت السيارة أمام البيت. بدا هادئاً، خالياً من أي حركة. طرق عبد الرحمن الباب برفق. بعد لحظاتٍ قليلة، انفتح الباب ببطء، ليظهر رجلٌ كبير السن، نحيل الجسد، ذو شعرٍ أبيض كثيف، ونظرةٍ نافذة. "من أنتم؟ وماذا تريدون؟" سأل بصوتٍ أجش، يحمل آثار الزمن. "أنا عبد الرحمن، وهذا السيدة ليلى،" أجاب عبد الرحمن بتقدير. "نحن هنا بخصوص السيد محمود. لقد ترك لكم وديعةً، ونحن نحاول معرفة المزيد عنها." اتسعت عينا السيد فاروق قليلاً، ثم عاد ليغلق عينيه للحظة، وكأنه يستجمع ذكرى قديمة. "السيد محمود..." تمتم، وكأنه يرى شبحاً. "نعم، أذكر. لقد ترك لي شيئاً. شيئاً لم أفهمه تماماً في ذلك الوقت." "هل تتذكر ما هو؟" سألت ليلى، وباتت شفتاها ترتجفان من الترقب. "كانت حقيبةً صغيرة،" قال السيد فاروق، وهو يفتح الباب على مصراعيه، داعياً إياهما للدخول. "مليئةً بالوثائق. لقد أعطاني إياها في يومٍ عاصف، وقال لي: 'هذه الأوراق أثمن من كل كنوز الأرض. لا تدعها تقع في الأيدي الخاطئة'." دخلت ليلى وعبد الرحمن إلى البيت. كان المكان بسيطاً، مليئاً بالكتب القديمة، والأوراق المتناثرة، والأدوات التي تبدو أنها تعود لعقودٍ مضت. كان رائحة الكتب القديمة تفوح في المكان، تفوح معها رائحة التاريخ. "أين هذه الحقيبة الآن؟" سأل عبد الرحمن، وعيناه تبحثان في أرجاء المكان. "لقد احتفظت بها بأمان،" قال السيد فاروق. "لم أجرؤ على فتحها، لأني كنت أخشى ما قد أرى. كنت أؤمن بكلمات السيد محمود. إنها مخبأةٌ في مكانٍ آمن، مكانٌ لن يصل إليه أحد." "هل تتذكر هذا المكان؟" سألت ليلى، تشعر بأنها تقترب من خط النهاية. "نعم،" قال السيد فاروق، ثم ذهب إلى خزانةٍ خشبيةٍ قديمة، فتحها ببطء، وبدأ يبحث بين رفوفها. "لقد كانت عادةً للسيد محمود أن يترك شيئاً ما، شيئاً صغيراً، في مكانٍ غير متوقع. كأنه يلعب لعبةً، يختبر بها ذكاءنا." بدأ السيد فاروق يخرج من الخزانة بعض الأشياء: صندوقٌ خشبي صغير، مفتاحٌ قديم، ورسمٌ بسيط. "هل هذا الرسم متعلقٌ بالحقيبة؟" سأل عبد الرحمن. "ربما،" أجاب السيد فاروق، وهو ينظر إلى الرسم. "يبدو وكأنه خريطة. خريطةٌ لمكانٍ ما." أمسك عبد الرحمن بالرسم، ودرسه بعناية. كان خطوطاً بسيطة، تشير إلى معالم معروفة في القرية، ولكنها مدمجةٌ مع رموزٍ غريبة. "هذه رموزٌ تعرفها،" قال عبد الرحمن لليلى. "إنها مرتبطةٌ بالمبنى الذي بني فيه السيد محمود شركته الأولى." "شركته الأولى؟" تساءلت ليلى، متعجبة. "لكن ذلك المبنى قديمٌ جداً." "بالضبط،" أجاب عبد الرحمن. "ولذلك، ربما يكون هو المكان الذي احتفظ فيه السيد محمود بالحقيبة." في هذه اللحظة، سمعوا صوتاً من الخارج، صوتاً قوياً، وكأنه صوت سيارةٍ تقترب. "من هذا؟" سأل السيد فاروق، يبدو عليه القلق. "لا تقلق،" قال عبد الرحمن، وقام ليقف خلف الباب. "سنرى من يكون." فتح عبد الرحمن الباب ببطء، فوجدوا رجلاً يرتدي ملابس أنيقة، ويتحدث بصوتٍ عالٍ. كان السيد عادل. "أين هو فاروق؟" سأل السيد عادل، وعيناه تبحثان عن السيد فاروق. "سمعت أن لديه شيئاً يخص السيد محمود." "وما دخلك أنت؟" سأل عبد الرحمن، واقفاً في وجهه. "أنا؟ أنا كنت صديقاً للسيد محمود،" قال السيد عادل، بنبرةٍ فيها ت