قلبي يختارك الجزء الثاني

صدى الذكريات وعبق الياسمين

بقلم سارة العمري

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت أشعة الشمس الذهبية تتسلل عبر ستائر غرفة المعيشة، أعدت ليلى لوالدتها كوبًا من القهوة العربية الأصيلة، تفوح منها رائحة الهيل الزكية. جلست إلى جانبها على الأريكة المريحة، وتناولت كوبها، وبدأت حديثها بخفوت، تزن كلماتها بعناية.

"أمي، هل يمكنني أن أسألكِ عن أبي؟"

رفعت أمينة رأسها عن كتابها، ونظرت إلى ابنتها بعينين مليئتين بالحب والحنان. "طبعًا يا بنيتي. ما الذي يشغل بالك؟"

ترددت ليلى قليلاً، ثم استجمعت شجاعتها. "بالأمس، تلقيت رسالة بريد إلكتروني من شخص غريب. يدعي أنه صديق قديم لوالدي، وأنه يريد مقابلتي لمناقشة أمر يتعلق به."

انعقد حاجب أمينة قليلاً، لكنها حافظت على هدوئها. "رسالة؟ ومن هذا الشخص؟ هل ذكر اسمه؟"

"لم يذكر اسمه. فقط وصف نفسه بـ 'صديق قديم'. وقال إن هناك أسرارًا تتعلق بوالدي لم تُكشف." قالت ليلى، وشعرت ببعض التوتر يراودها.

تنفست أمينة ببطء. "أسرار؟ والدكِ كان نعم الرجل، طاهر اليد، صادق القول. لم يكن لديه ما يخفيه عن أحد، وخاصة عني. من المستحيل أن يكون لديه أسرار."

"هذا ما أردت أن أتأكد منه. لكن الرسالة أثارت قلقي. لقد ذكر أن 'ما تظنين أنه انتهى، ربما لم ينتهِ بعد'."

حدقت أمينة في الفراغ للحظة، وكأنها تسترجع شريط الذكريات. "يا ليلى، والدكِ عاش حياة مليئة بالنزاهة. ولكن، كما تعلمين، في عالم الأعمال، غالبًا ما تكون هناك منافسات وصراعات. ربما يكون هذا الشخص مجرد شخص يريد شيئًا ما، يحاول إثارة مخاوفكِ."

"لكن لماذا والدي بالتحديد؟" تساءلت ليلى.

"ربما كان والدكِ قد ساعده في الماضي، أو ربما كانا متنافسين. لا أعرف. ولكن، ثقي بنفسكِ وبنزاهة والدكِ. لا تسمحي لأي شخص بزعزعة إيمانكِ." قالت أمينة، وضعت يدها على يد ليلى.

شعرت ليلى ببعض الراحة بكلمات والدتها، لكن الشعور بالفضول لم يختفِ. كانت تعلم أن والدتها قوية، لكنها ربما لا تعلم كل شيء. كانت لديها دائمًا قناعة بأن والدها كان لديه جانب في حياته المهنية لم تكن على دراية كاملة به.

"هل أنتِ متأكدة يا أمي؟ هل كان هناك أي شيء... غريب حدث في الماضي؟ أي شخص قد يكون لديه ضغينة ضد أبي؟"

تنهدت أمينة. "لم ألاحظ شيئًا يدعو للقلق. والدكِ كان دائمًا واثقًا من نفسه، وكان يتعامل مع الجميع باحترام. ربما كان هناك شخص يشعر بالغيرة من نجاحه، هذا طبيعي في عالم الأعمال. لكن 'أسرار'؟ لا أعتقد ذلك."

"وماذا عن مشروع 'دار الأمل'؟ هل تعرفين شيئًا عن المهندسة نور؟" سألت ليلى، محاولةً تغيير الموضوع.

ابتسمت أمينة. "نور؟ إنها فتاة موهوبة حقًا. أتذكرها عندما كانت تأتي إلى منزلنا مع والدتها، كانت دائمًا ذكية جدًا."

"كانت زميلتي في الجامعة. إنها شديدة الاجتهاد، لكنها أيضًا... عنيدة بعض الشيء."

"هذه سمة غالبًا ما تأتي مع الإبداع. أتمنى أن تسير الأمور على ما يرام بينكما. هذا المشروع مهم جدًا للعائلات المحتاجة."

"نعم، أتمنى ذلك أيضًا." قالت ليلى، وتنهدت.

بعد تناول الإفطار، قررت ليلى أن تذهب في جولة تفقدية لموقع مشروع "دار الأمل". كان الموقع يقع في أحد الأحياء القديمة بالمدينة، والذي كان يعاني من الإهمال والتدهور. كان المشروع يهدف إلى تجديد هذا الحي، وإقامة بنايات حديثة تتناسب مع الروح الأصيلة للمكان، مع الحفاظ على الأشجار التاريخية وتوفير مساحات عامة واسعة.

عند وصولها إلى الموقع، وجدت ليلى فريق العمل منهمكًا في مهامه. كان هناك مهندسون وفنيون يعملون تحت إشراف مباشر. ثم رأت "نور" تقف بالقرب من إحدى اللوحات المعمارية، تتحدث مع أحد المهندسين بنبرة حاسمة. كانت نور ترتدي ملابس عمل أنيقة، وشعرها الداكن مسدول على كتفيها. كانت تبدو واثقة ومليئة بالحيوية.

اقتربت ليلى منها بابتسامة. "صباح الخير يا نور."

التفتت نور، وبدت عليها الدهشة للحظة، ثم ابتسمت. "ليلى! صباح النور. ما الذي جاء بكِ إلى هنا؟"

"جئت لأتفقد سير العمل. وبصراحة، أردت أن أهنئكِ على هذا المشروع الرائع. يبدو مذهلاً."

"شكرًا لكِ. إنه عمل شغف بالنسبة لي. أحاول جاهدة أن يكون كل شيء مثاليًا." قالت نور، ثم أشارت بيدها إلى اللوحة. "هذه المرحلة تتطلب دقة فائقة في التفاصيل."

"أعلم ذلك. وأرى أنكِ تقومين بعمل ممتاز." قالت ليلى، وتوقفت قليلاً. "سمعت أنكِ تعملين على هذا المشروع منذ فترة."

"نعم، منذ أن بدأت الفكرة تراودني. أحببت فكرة إعادة إحياء هذا الحي. كان يحمل الكثير من القصص، والكثير من الذكريات."

"هل تقصدين ذكريات شخصية؟" سألت ليلى، وفضولها يدفعها.

ابتسمت نور ابتسامة خفيفة، فيها مسحة حزن. "بعض الذكريات تعود إلى طفولتي. كنت أزور هذا الحي مع جدتي. كانت تسكن هنا. كانت تحب هذه الأماكن، حتى وهي في حالتها المتهالكة. أريد أن أعيد لها شيئًا من بهائها."

"هذا جميل جدًا. بالتأكيد جدتكِ ستكون فخورة بكِ." قالت ليلى، وشعرت بقرب أكبر لنور.

"آمل ذلك." قالت نور، ثم نظرت حولها. "ما رأيكِ في التصميم الأولي للمبنى الرئيسي؟ أضفت بعض العناصر التي تستحضر روح العمارة الإسلامية التقليدية، لكن بلمسة معاصرة."

أمضت ليلى وقتًا طويلاً مع نور، تتناقش في تفاصيل المشروع. وجدت نور مثقفة، شغوفة، ومليئة بالأفكار. رغم بعض الاختلافات البسيطة في وجهات النظر، إلا أن الاحترام المتبادل كان يسود بينهما.

في نهاية زيارتها، وبينما كانت ليلى تستعد للمغادرة، لاحظت شيئًا على مكتب نور. كانت صورة صغيرة، موضوعة داخل إطار فضي. كانت صورة لرجال اثنين، يبدوان في منتصف العمر، يبتسمان للكاميرا. كان أحدهما يعرفه ليلى جيدًا؛ كان والدها. أما الرجل الآخر، فكان وجهًا جديدًا عليها، لكنه كان يحمل في عينيه بريقًا مألوفًا.

"من هذا يا نور؟" سألت ليلى، أشارت إلى الصورة.

تلون وجه نور قليلاً. "هذا... هذا صديق للعائلة. كان يعمل مع والدي في بدايات حياته المهنية. اسمه الحاج 'خالد'."

"الحاج خالد؟" كرر ليلى الاسم، وشعرت وكأن شيئًا ما بدأ يتجمع في ذهنها. هل يمكن أن يكون هذا هو الشخص الذي أرسل لها الرسالة؟ "هل لا يزال على اتصال بعائلتك؟"

"لا، ليس كثيرًا. لقد انقطع الاتصال لسنوات طويلة. ولكن، هذا الرجل، كان دائمًا يتحدث باحترام كبير عن والدكِ. كان يقول إن والدي كان له فضل كبير عليه."

"وماذا حدث له؟ ولماذا انقطع الاتصال؟" سألت ليلى، وبدأت تشعر أن خيوطًا غامضة تتشابك.

"لا أعرف تفاصيل كثيرة. كانت والدتي تذكر أنه سافر بعيدًا، وأن الظروف حالت دون التواصل. لكن، هذا الرجل، كان دائمًا يقول لي، 'يا ابنتي، لو أن هناك أمرًا يزعجكِ، أو تحتاجين فيه للمساعدة، فلا تترددي في البحث عن ابنة أحمد الأبوصيري. إنها تحمل من أصلها ما يجعلها قادرة على فهم الأمور'."

شعرت ليلى بأن قلبها يدق بسرعة. هل كان هذا الرجل يلمح إلى شيء؟ هل كان لديه معلومات؟

"هل هذا الرجل، الحاج خالد، هو نفسه من أرسل لكِ هذه الرسالة؟" سألت ليلى مباشرة.

ترددت نور. "لا أعتقد ذلك. لم أعرفه. ولكن... عندما ذكرتِ الرسالة، بدأت أفكر. ربما يكون لديه معرفة بشيء ما. هو كان يعرف والدي جيدًا. ربما لديه معلومات تتعلق بعمل والدي."

"هل يمكنكِ أن تعطيني معلومات الاتصال به؟" سألت ليلى، وعيناها تلتمعان بالإصرار.

نظرت نور إلى ليلى ببعض القلق. "لم أعد أتذكر طريقة للتواصل معه. لقد مرت سنوات طويلة. ولكن، يمكنني أن أسأل والدتي. ربما لديها رقمه القديم أو عنوانه."

"أرجوكِ يا نور. هذا قد يكون مهمًا جدًا." قالت ليلى.

ودعت ليلى نور، وقلبها يخفق بقوة. كانت تعلم أن هذه الرسالة لم تكن مجرد خدعة. كانت تشعر بأنها على وشك اكتشاف حقيقة غامضة، حقيقة قد تغير نظرتها إلى والدها، وإلى كل شيء كانت تؤمن به. عبق الياسمين في الحديقة، والذي كان دائمًا يبعث في نفسها الهدوء، أصبح الآن يحمل معه رائحة الغموض والتشويق.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%