قلبي يختارك الجزء الثاني

أسوار الشك

بقلم سارة العمري

كانت ليلةً قاتمة، تلفُّ المدينةَ بسوادٍ كثيف، لا تخترقه إلا أنوارُ المصابيحِ المتفرقة، كأنها عيونُ وحشٍ عملاقٍ يرقبُ بليل. داخلَ جدرانِ ذلك البيتِ العامر، الذي لطالما احتضنَ الدفءَ والسكينة، بدأتْ أشعةُ الشكِ تتسللُ كالأفاعي، تلدغُ القلوبَ وتُشعلُ نارَ القلق. كانتْ "ليلى"، بجمالها الهادئِ وروحها التي تشبهُ زهرةَ الفجرِ الرقيقة، تجلسُ في غرفتها، تُقابلُ ضوءَ القمرِ الشاحبَ بعينينِ دامعتين. في يدها، تتأرجحُ صورةٌ قديمة، صورةٌ لوالدتها، التي تركتْ فراغًا لا يُمكنُ سدُّه.

"يا أمي،" همستْ بصوتٍ مختنق، "لماذا أشعرُ بهذا الثقلِ في صدري؟ لماذا تخفقُ روحي بهذا الاضطراب؟"

كانتْ الأيامُ الأخيرةُ أشبهَ بحلمٍ مُتقطع، حلمٌ بدأَ بلمعانِ الأملِ ووعدِ السعادة، ليتحولَ تدريجياً إلى كابوسٍ من التساؤلاتِ والريبة. "أحمد"، هذا الشابُ الوسيمُ ذو الأخلاقِ التي بدتْ نقيةً كالثلج، والذي خطفَ قلبَ "ليلى" بكلماتهِ المعسولةِ ووعودهِ الصادقة، بدأَ يُظهرُ وجوهاً لم تتوقعها. بدأتْ مكالماتُهُ الهاتفيةُ الطويلة، التي كانتْ في البدايةِ تحملُ ألحانَ العشقِ والغزل، تتحولُ إلى أحاديثَ غامضة، تلميحاتٍ مُبهمة، وابتساماتٍ زائفةٍ عندما كانا يلتقيان.

الليلةَ الماضية، بعدَ أنْ أتى لزيارتها، لم يستطعْ أحمدُ أنْ يُخفيَ ارتباكَهُ. عندما سألتهُ "ليلى" عن سببِ شحوبِ وجههِ وتجنبِ عينيهِ لعينيهِ، تهرّبَ من الإجابةِ بحجةِ الإرهاقِ الشديد. لكنّ شيئاً ما في طريقةِ حديثه، في لمحةٍ خاطفةٍ من الخوفِ في عينيه، جعلَ "ليلى" تشعرُ بأنّ هناكَ سراً عميقاً يُخفيه.

"هل تخفي عني شيئاً يا أحمد؟" سألتْهُ، وصوتها يرتعشُ قليلاً.

نظرَ إليها، ثمّ أشاحَ بوجهه، قائلاً: "لا شيء يا عزيزتي، أنتِ تتوهمين. أنا فقط مُتعبٌ من العمل. الأوضاعُ ليستْ سهلةً هذه الأيام."

لم تكنْ هذهِ هي الإجابةُ التي تتوقعها "ليلى". كانتْ تثقُ في "أحمد" ثقةً عمياء، بلغتْ حدَّ الغفلة. كانتْ ترى فيهِ المستقبلَ الذي لطالما حلمتْ به، الرجلَ الذي سيُشاركها حياتها، ويبني معها أسرةً مسلمةً صالحة. لكنّ هذا الارتباك، وهذا التهرّب، بدآ يُلقيانِ بظلالٍ رماديةٍ على صورةِ فارسِ أحلامها.

في الزاويةِ الأخرى من البيت، كانَ "خالد"، شقيقُ "ليلى" الأكبر، يُتابعُ تطوراتِ الأمورِ بقلقٍ صامت. كانَ "خالد" رجلاً حازماً، ذا مبادئَ صارمة، ويهتمُّ بأمرِ أختهِ اهتماماً شديداً. لطالما شعرَ بأنّ "أحمد" ليسَ بالشخصِ المناسبِ لـ "ليلى". لم تكنْ اعتراضاتهُ في البدايةِ تستندُ إلى دليلٍ قاطع، بل إلى حدسهِ القوي، وشعورهِ بأنّ هناكَ شيئاً ما في "أحمد" لا يتوافقُ مع قيمِ عائلتهما.

"لماذا تبدينَ قلقةً يا ليلى؟" سألَ "خالد" وهو يدخلُ الغرفة، مُحاولاً أنْ يُخفيَ ما في عينيهِ من قلق.

تنهدتْ "ليلى"، وقالتْ: "لا شيء يا خالد. مجردُ تفكيرٍ في المستقبل."

"أحمد؟" سألَ "خالد" مباشرة، ولم يُخفِ نبرةَ الشكِ في صوته.

ترددتْ "ليلى"، ثمّ قالتْ: "لقد كانَ مُتعباً بعضَ الشيءِ اليوم. أشعرُ أنهُ يُخفي عني شيئاً."

عبسَ "خالد"، ووضعَ يدهُ على كتفِ أخته. "يا ليلى، أنتِ فتاةٌ ذكيةٌ وناضجة. لا تدعي العواطفَ تُعميكِ. إنْ شعرتِ بأنّ هناكَ شيئاً خاطئاً، فلا تتجاهليه. والدتكِ علّمتكِ أنْ تكوني قويةً وصادقةً مع نفسك."

كانَ ذكرُ والدتها يُؤثرُ فيها دائماً. تذكرتْ نصائحَها الذهبية: "القلبُ الصادقُ لا يكذب، وابنتي لا تختارُ إلا الأفضل."

"أعلمُ يا خالد،" قالتْ، "لكنّني أحبهُ. ولا أريدُ أنْ أُفسرَ الأمورَ بشكلٍ خاطئ."

"الحبُّ لا يعني أنْ نُغضَّ الطرفَ عن الحقائق." قالَ "خالد" بحزم. "لقد سمعتُ بعضَ الأحاديثِ عن "أحمد" في السوق. لا تلتفتي إلى أقاويلِ الناسِ غالباً، لكنّ هذهِ المرة، بدتْ الأصواتُ مُتواترةً، وتتحدثُ عن سلوكياتٍ لا تليقُ بشابٍ مسلمٍ جاد."

ارتعشَ جسدُ "ليلى". "ما هي هذهِ الأحاديث؟" سألتْ، وقلبها يدقُّ بعنفٍ في صدرها.

"لا أريدُ أنْ أُقلقكِ أكثر،" قالَ "خالد"، "لكنّ هناكَ من يقولُ أنهُ يترددُ على أماكنَ مشبوهة، وأنّ لديهِ ديوناً متراكمة. هل هذا صحيحٌ يا ليلى؟ هل تعرفينَ شيئاً عن وضعهِ المالي؟"

صمتتْ "ليلى". لم تسألهُ عن تفاصيلَ دقيقةٍ حولَ أموالهِ، لكنّها كانتْ تعلمُ أنهُ يعملُ في تجارةٍ مربحة. لم تُخبرها عائلتهُ عن أيِّ ضائقةٍ ماليةٍ لديه.

"لا،" قالتْ بصوتٍ منخفض، "لم يذكرْ لي شيئاً عن ديون. هو دائماً ما يتحدثُ عن نجاحاته."

"هذا ما يُقلقني." قالَ "خالد"، وهو يمسحُ على شعرِها. "الصدقُ هو أساسُ كلِّ علاقةٍ ناجحة. والزواجُ بناءٌ يقومُ على الثقةِ التامة. إنْ كانَ يُخفي عنكِ مثلَ هذهِ الأمور، فكيفَ ستُبنينَ مستقبلاً معه؟"

كلماتُ "خالد" وقعتْ على "ليلى" كالصاعقة. بدأتْ تتذكرُ التفاصيلَ الصغيرة، الابتساماتِ المبالغَ فيها، الوعودَ الكبيرةَ التي لم تتحققْ بعد. تذكرتْ كيفَ أنهُ كانَ دائماً يتجنبُ الحديثَ عن عائلته، وكيفَ كانَ مُتردداً في تعريفها على أصدقائه.

"لكنّني أحبُّهُ، يا خالد!" قالتْ، والدموعُ تنهمرُ على خديها. "أحبُّهُ، ولا أريدُ أنْ أخسره."

"الحبُّ وحدهُ لا يكفي يا ليلى." قالَ "خالد" بحنانٍ ممزوجٍ بالجدية. "الحبُّ يجبُ أنْ يكونَ مبنياً على الاحترامِ والصدقِ والشفافية. إنْ كانَ "أحمد" لا يستطيعُ أنْ يُقدمَ لكِ كلَّ هذا، فربما لم يكنْ هوَ الشخصَ المناسبَ لكِ."

كانتْ كلماتُ "خالد" سِكّيناً حاداً يخترقُ قلبَ "ليلى". كانتْ تعلمُ أنّهُ على حق، لكنّ الاعترافَ بذلكَ كانَ مؤلماً. كانتْ تركتْ كلَّ أحلامها معلقةً به، وكلَّ آمالها تُدارُ حولَ شخصيته. هل كانتْ مُغفلةً لهذهِ الدرجة؟ هل سمحتْ لعواطفها بأنْ تُعميها عن رؤيةِ الحقيقة؟

نظرتْ إلى صورةِ والدتها، تطلبُ منها العون. "يا أمي، كيفَ أتخلصُ من هذا الشكِّ الذي يُحاصرني؟ كيفَ أعرفُ الحقيقة؟"

في تلكَ اللحظة، شعرتْ "ليلى" بأنّ الأبوابَ التي كانتْ مفتوحةً على مصراعيها، بدأتْ تُغلقُ ببطء. لم تعدْ ترى فيهِ فارسَ أحلامها، بل غريباً يرتدي قناعاً جميلاً. كانَ الصراعُ داخلها شديداً، بينَ حبٍّ بدأتْ تشكُّ في أركانه، وبينَ صوتِ العقلِ الذي يُحذرها من مغبةِ الطريق.

"سأحاولُ أنْ أتحدثَ معه،" قالتْ "ليلى"، وقد اتخذتْ قراراً. "سأواجههُ بالحقيقة، وأرى ماذا سيقول."

نظرَ إليها "خالد" بعينينِ تقدير. "هذا هوَ القرارُ الصائب. كوني قويةً يا أختي. واللّٰهَ معكِ."

غادرتْ "ليلى" غرفتها، تاركةً خلفها صدى كلماتِ أخيها، وذكرياتٍ بدأتْ تتلوّنُ بلونِ الشك. كانتْ تعلمُ أنّ هذهِ المواجهةَ ستكونُ حاسمة، وأنّ قرارها سيُحددُ مسارَ حياتها. أسوارُ الشكِّ ارتفعتْ حولَ قلبها، ولم تعدْ تدري أينَ تكمنُ الحقيقة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%