قلبي يختارك الجزء الثاني
ضبابُ الأسرار
بقلم سارة العمري
كانَ الصباحُ يحملُ في طياته برودةً غيرَ معتادة، كأنّ الطبيعةَ نفسها تتنبأُ بالجوِّ العاصفِ الذي يخيّمُ على منزلِ "ليلى". شربتْ "ليلى" قهوتها الصباحية، لكنّ طعمها كانَ مُرّاً كطعمِ الخوفِ الذي يعتريها. أمسكتْ هاتفها، وقلبها يرتجفُ كلما مرَّ اسمها. كانَ "أحمد" قد اتصلَ بها في وقتٍ مُتأخرٍ من الليلةِ الماضية، متظاهراً باللامبالاة، واعداً إياها بلقاءٍ سريعٍ هذا المساء.
"سأكونُ لديكِ في وقتٍ مبكرٍ قليلاً،" قالَ بصوتهِ العذبِ الذي كانَ يُغنيها عن الدنيا. "لديّ بعضُ الأخبارِ السعيدةِ التي أريدُ أنْ أُشارككِ إياها."
"أخبارٌ سعيدة؟" تساءلتْ "ليلى" بصوتٍ حاولتْ أنْ تجعلَهُ طبيعياً، لكنّ خفوتَ الصوتِ كانَ يُفشي ما في صدرها.
"نعم، أخبارٌ ستُفرحكِ كثيراً،" أجابَ، ثمّ أغلقَ الخطَّ دونَ تفاصيلَ أخرى.
هل كانتْ هذهِ الأخبارُ السعيدةُ تُخفي وراءها شيئاً آخر؟ هل كانَ يُحاولُ أنْ يُشتتها عن شكوكها؟
قررتْ "ليلى" أنْ تستغلَّ الوقتَ قبلَ وصولهِ. ذهبتْ إلى مكتبةِ منزلها، حيثُ تحتفظُ ببعضِ الملفاتِ القديمةِ لوالدها. كانتْ والدتها، رحمها اللّٰه، دائماً ما تُشجعها على الاستقلاليةِ والاعتمادِ على النفس. كانتْ تُعلمها كيفَ تديرُ أمورها، وكيفَ تُحافظُ على كرامتها.
"يا ابنتي،" كانتْ تقولُ لها دائماً، "المرأةُ القويةُ هي التي تعرفُ حقوقها، وتُحسنُ الدفاعَ عنها. والكرامةُ أغلى من كلِّ كنوزِ الدنيا."
بدأتْ "ليلى" تبحثُ في بعضِ الأوراقِ المتعلقةِ بالاستثماراتِ التي تركها والدها. كانتْ تعرفُ أنّهُ كانَ رجلَ أعمالٍ ناجحاً، وأنّ والدتها كانتْ تُديرُ بعضَ أعماله بعدَ وفاته. وبينما هي تُقلبُ في الأوراق، عثرتْ على كشفِ حسابٍ قديمٍ لأحدِ المشاريعِ التي شاركَ فيها والدها. كانَ اسمُ "أحمد" يظهرُ في قائمةِ الشركاءِ.
تجمّدتْ "ليلى". لم يكنْ "أحمد" قد ذكرَ لها أبداً أنّهُ كانَ لهُ أيُّ علاقةٍ استثماريةٍ مع والدها. كانتْ تعرفُ كلَّ شركاءِ والدها المقربين، ولم تسمعْ قطُّ باسمِ "أحمد" بينهم.
"مستحيلٌ!" تمتمتْ، وهي تُعيدُ قراءةِ الاسمِ عدةَ مرات. "كيفَ هذا؟"
بدأتْ ذكرياتُ الماضي تتزاحمُ في ذهنها. كانتْ تتذكرُ كيفَ تعرّفتْ على "أحمد" قبلَ عامين، عندما كانَ يُساعدُ والدتها في بعضِ المعاملاتِ التجاريةِ بعدَ وفاةِ والدها. كانَ "أحمد" حينها قد بدأَ مسيرتهُ المهنية، وكانَ يُعجبُ كثيراً بنجاحِ والدها. هل كانَ يُخططُ منذُ ذلكَ الوقت؟ هل كانَ يُقربُها منهُ لأسبابٍ أخرى غيرَ الحب؟
شعرتْ ببردٍ قارسٍ يسري في عروقها. كلُّ شيءٍ بدا وكأنّهُ في مكانهِ الصحيح، لكنّ الصورةَ لم تكنْ مكتملة. بدأتْ تتذكرُ بعضَ النقاشاتِ التي دارتْ بينها وبينَ والدتها حولَ "أحمد". كانتْ والدتها تُثني عليهِ كثيراً، وتصفهُ بالرجلِ الذكيِ والطموح. لكنّها لم تُشرْ أبداً إلى وجودِ علاقةٍ تجاريةٍ بينهما.
"ربما لم تُردْ أنْ تُقلقني." قالتْ لنفسها، محاولةً تبريرَ ما تراه.
في هذهِ الأثناء، وصلَ "خالد" إلى المنزل، وكانَ يبدو أكثرَ قلقاً من ذي قبل. "ليلى،" قالَ، وهو يدخلُ المكتبة، "لقد تحدثتُ معَ أحدِ معارفي في السوق. لديهِ معلوماتٌ خطيرةٌ عن "أحمد"."
جحظتْ عينا "ليلى". "ما هي؟" سألتْ، وقلبها يكادُ يقفزُ من صدرها.
"يبدو أنّ "أحمد" مُغرقٌ في الديون،" قالَ "خالد" بجديةٍ قاتمة. "وهذهِ الديونُ ليستْ قليلة. هناكَ من يقولُ أنّهُ يراهنُ على سباقاتِ الخيل، ويُدفعُ مبالغَ طائلة."
لم تستطعْ "ليلى" أنْ تُصدقَ ما تسمع. "يُراهن؟" همستْ، والكلمةُ تبدو غريبةً على مسامعها. "لكنّ هذا ليسَ من صفاتِ المسلم!"
"نعم، وهذا هوَ الأمرُ المُقلق." قالَ "خالد". "وهناك ما هوَ أسوأ. يبدو أنّهُ يُحاولُ الحصولَ على المالِ بأيِّ طريقةٍ كانت. وربما استغلالُ علاقتهِ بكِ هوَ أحدُ هذهِ الطرق."
انفجرتْ "ليلى" بالبكاء. "مستحيلٌ! أنا لا أصدقُ هذا!"
"أعرفُ أنّهُ صعبٌ عليكِ،" قالَ "خالد"، وهو يُعانقها. "لكنّ هذهِ هيَ الحقيقةُ التي يجبُ أنْ نواجهها. تذكرتِ ما وجدتهُ في الأوراق؟ اسمُهُ مرتبطٌ بوالدكِ في استثماراتٍ لم تُخبركِ بها والدتكِ. ربما كانَ يُخططُ منذُ البداية."
كانتْ الكلماتُ تتشابكُ في ذهن "ليلى" كخيوطِ عنكبوتٍ سوداء. اسمُ "أحمد" في كشفِ حسابِ والدها، إشاعاتُ الديونِ والمقامرة، كلُّ ذلكَ يتجمعُ ليُشكلَ صورةً مُرعبة.
"ماذا عليّ أنْ أفعل؟" سألتْ "ليلى" بصوتٍ مُختنق.
"غداً، عندما يأتي، ستُحاسبينه. لن تُسامحي بأيِّ تسترٍ أو تضليل. اسأليهِ عن كلِّ شيء. عن كشفِ الحساب، عن ديونه، عن أسبابِ هذهِ الأخبارِ التي تنتشرُ عنه."
كانَ حديثُ "خالد" مُثقلاً بالأسى، لكنّهُ كانَ يُدركُ أنّ هذهِ هيَ الطريقُ الوحيدةُ لحمايةِ أخته.
"وهل تعلمينَ شيئاً عن هذهِ الأخبار؟" سألَ "خالد" بفضولٍ ممزوجٍ بالقلق.
"لم أسمعْ شيئاً من "أحمد" نفسه." قالتْ "ليلى". "لكنّني شعرتُ بشيءٍ غريبٍ في الأيامِ الأخيرة. كانَ مُتوتراً، ومُتهرباً من الحديث."
"هذا يؤكدُ شكوكنا." قالَ "خالد". "علينا أنْ نكونَ مستعدينَ لكلِّ الاحتمالات. إنْ كانَ يُخفي عنكِ كلَّ هذا، فمنْ يستطيعُ أنْ يضمنَ لكِ أنّهُ لن يُخفيَ عنكِ أموراً أخرى؟"
كانَ حديثُ "خالد" يُشعلُ في "ليلى" نارَ الغضبِ والحزن. لم تعدْ تتذكرُ كيفَ وقعتْ في حبه، وكيفَ رأتْ فيهِ شريكَ حياتها. كلُّ ما كانتْ تراهُ الآنَ هوَ رجلٌ مُخادعٌ، يبني آماله على أكاذيبَ وأسرار.
"لا أستطيعُ أنْ أُصدقَ أنّهُ قد فعلَ هذا." قالتْ "ليلى"، وهي تُمسحُ دموعها. "لقد وثقتُ بهِ تماماً. وثقتُ بكلِّ كلمةٍ قالها."
"الثقةُ كنزٌ ثمين،" قالَ "خالد"، "ولكنّها تُمنحُ لمنْ يستحقها. والآن، يجبُ أنْ تُفكري بعقلكِ، لا بقلبكِ فقط. فالعواطفُ قد تُعمينا عن رؤيةِ الحقائق."
جلستْ "ليلى" في غرفتها، تبكي بحرقة. بدأتْ تشعرُ بالضياعِ والفقد. أينَ ذهبَ الرجلُ الذي أحبته؟ هل كانَ كلُّ ذلكَ تمثيلاً؟ هل كانتْ مجردَ أداةٍ في يده؟
تذكرتْ والدتها مرةً أخرى. "يا أمي، لقد خذلني قلبي. لقد خانني منْ وثقتُ به."
كانتْ ضبابُ الأسرارِ يزدادُ كثافةً، يُغطي على كلِّ شيءٍ جميلٍ في حياتها. لم تعدْ تعرفُ منْ تثقُ به، ولا لمنْ تُعطي قلبها. كانَ عليها أنْ تواجهَ "أحمد" غداً، وأنْ تكشفَ حقيقتهُ، مهما كانَ الثمن.