قلبي يختارك الجزء الثاني

المواجهةُ الحاسمة

بقلم سارة العمري

كانَ الظلامُ قد استقرَّ تماماً، ولكنَّ قلقَ "ليلى" كانَ أشدَّ ظلاماً. جلستْ في صالةِ المنزل، وقلبها يُنادي بالصمتِ قبلَ العاصفة. كانتْ تلبسُ ثوباً بسيطاً، أسودَ اللون، كأنّهُ يُعبرُ عن سوادِ مشاعرها. كانَ "خالد" قد أتى مبكراً، جالساً بجوارها، يُحاولُ أنْ يُطمئنها، لكنَّ هواجسهُ كانتْ تُنبئهُ بأنَّ الأمورَ لن تكونَ سهلة.

"هل أنتِ مُستعدة؟" سألَ "خالد" بصوتٍ هادئ.

أومأتْ "ليلى" برأسها، لكنَّ عينيها لم تكونا تحملانِ أيَّ أثرٍ للاستعداد. كانتْ كمنْ يقفُ على حافةِ جرفٍ، لا تدري أينَ ستقع.

"تذكري،" تابعَ "خالد"، "أنْ تكوني حازمةً ولا تُسامحي بأيِّ تهرّب. أنتِ تستحقينَ الحقيقةَ كاملةً."

وصلَ "أحمد" بعدَ قليل، يرتدي ثوباً أنيقاً، ويبتسمُ ابتسامةً عريضةً بدتْ لـ "ليلى" مُصطنعةً ومُخيفة. دخلَ المنزلَ بروحٍ مُبتهجة، مُتفائلاً، وكأنَّ شيئاً لم يكن.

"مساءُ الخيرِ يا ليلى، مساءُ الخيرِ يا أبا علي،" قالَ، مُلقياً السلامَ على "خالد".

"مساءُ النور،" ردَّ "خالد" ببرودٍ ملحوظ.

"ليلى،" قالَ "أحمد"، وهو يُقتربُ منها، "أنا سعيدٌ جداً بلقائكِ اليوم. لديّ أخبارٌ رائعةٌ ستُغيرُ حياتنا."

نظرَتْ إليه "ليلى" بتمعن. لم تعدْ ترى فيهِ الرجلَ الذي أحبته. رأتهُ غريباً، يتقنُ فنَّ التمثيل.

"أخبارٌ رائعة،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ مُرتعشٍ قليلاً. "هل هيَ تلكَ الأخبارُ التي وعدتني بها؟"

"بالتأكيد،" أجابَ "أحمد"، وهو يجلسُ بجوارها، ويُحاولُ الإمساكَ بيدها.

تراجعتْ "ليلى" قليلاً، مما لفتَ انتباههُ.

"ماذا بكِ يا حبيبتي؟" سألَ، مُحاولاً أنْ يُظهرَ اهتماماً.

"قبلَ أنْ تُخبرني بأيِّ أخبار،" قالتْ "ليلى"، وكلماتها تخرجُ متقطعة، "أريدُ أنْ أسألكَ بعضَ الأسئلة."

بدا الارتباكُ واضحاً على وجه "أحمد". "أسئلة؟" تساءلَ، مُحاولاً استعادةَ رباطةِ جأشه. "ما هيَ هذهِ الأسئلة؟"

"هل تعرفُ والدي؟" سألتْ "ليلى" مباشرة، وهي تُشيرُ إلى كشفِ الحسابِ الذي كانتْ قد أحضرتهُ معها.

اتسعتْ عينا "أحمد"، وارتعشتْ يدهُ التي كانتْ على الطاولة. "والدك؟" تمتمَ، "نعم، لقد قابلتهُ عدةَ مراتٍ عندما كنتُ أُساعدُ والدتكِ."

"لكنّ اسمكَ موجودٌ في قائمةِ الشركاءِ لمشروعٍ خاصٍّ به،" قالتْ "ليلى"، وهي تُحاولُ أنْ تُحافظَ على هدوئها. "ولم تُخبرني أبداً بهذا."

ارتعشَ جسدُ "أحمد". حاولَ أنْ يُلتمسَ العذر. "آه، نعم، ذلكَ المشروع. لقد كانَ شيئاً قديماً. لم أكنْ أظنُّ أنَّ لهُ أهميةً. والدتكِ لم تُردْ أنْ تُشغلَ بالكِ بأمورٍ لا تعنيكِ."

"لا تعنيني؟" رفعتْ "ليلى" صوتها قليلاً. "هذا مشروعٌ لوالدي، وهوَ جزءٌ من حياتنا. كيفَ لم يُعنِني؟"

"أنا آسفٌ يا ليلى،" قالَ "أحمد"، وهو ينظرُ إلى الأرض. "لقد كنتُ أخشى أنْ تُقلقي، أو أنْ تتهميني بالانتهازية."

"الانتهازية؟" كررتْ "ليلى". "وهل أنتَ بريءٌ منها؟"

في هذهِ اللحظة، تدخلَ "خالد". "لقد سمعنا بعضَ الأقاويلِ عنكَ يا "أحمد"،" قالَ بجديةٍ قاطعة. "عن ديونكَ، وعن بعضِ سلوكياتكَ المشبوهة."

اتسعتْ عينا "أحمد" بشكلٍ كبير. بدا وكأنّ كلماته قد سُلبتْ منه.

"ما هيَ هذهِ الأقاويل؟" سألَ، وصوتهُ فيهِ نبرةُ دفاعٍ واضحة.

"هل تُنكرُ أنّكَ مُديونٌ؟" سألَ "خالد". "هل تُنكرُ أنّكَ تترددُ على أماكنَ لا تليقُ بشابٍ مسلم؟"

بدأَ "أحمد" يتعرّق. حاولَ أنْ يُقنعهم. "هذهِ مجردُ إشاعاتٍ كاذبة. أنا أحاولُ أنْ أبنيَ مستقبلي. ورأسُ المالِ الذي حصلتُ عليهِ من المشروعِ مع والدِكِ ساعدني كثيراً."

"رأسُ المال؟" صرختْ "ليلى". "أيُّ رأسِ مالٍ تتحدثُ عنه؟ والدتي لم تُخبرني شيئاً عن أيِّ مالٍ حصلتَ عليه!"

"لقد كانَ اتفاقاً بيني وبينَ والدكِ." قالَ "أحمد"، وهو يُحاولُ أنْ يُحافظَ على تماسكه. "لقد كانَ يُؤمنُ بي. وأعطاني الفرصةَ."

"الفرصةَ؟" قالَ "خالد" بتهكم. "أمْ أنكَ كنتَ تخططُ لاستغلالِ هذهِ الفرصةِ للوصولِ إلى "ليلى"؟"

سكتَ "أحمد". لم يستطعْ أنْ يُنكر.

"أنا أحببتُ "ليلى" حقاً،" قالَ بصوتٍ مُنخفض. "لكنّ وضعي الماليَّ صعبٌ جداً. كنتُ أخشى أنْ أُخبرها بالحقيقة، وأنْ تتركني."

"فآثرتَ أنْ تكذبَ عليها؟" سألَ "خالد". "وأنْ تستغلَّ ثقتها؟"

"لم يكنْ الأمرُ كذلك!" قالَ "أحمد"، وهو يُحاولُ أنْ يبدوَ مُتألماً. "لقد كنتُ أُحاولُ أنْ أُصلحَ أموري قبلَ أنْ أُخبرها."

"وهل إصلاحُ أموركَ يعني أنْ تُخفيَ عنها كلَّ شيء؟" سألتْ "ليلى"، والدموعُ تترقرقُ في عينيها. "هل يعني أنْ تجعلَ من عائلتي مجردَ وسيلةٍ لتحقيقِ أهدافكَ؟"

"لا، لا، أبداً!" قالَ "أحمد"، وهو يُحاولُ أنْ يُمسكَ بيدها مرةً أخرى.

"ابتعدْ عني!" قالتْ "ليلى" بصوتٍ حازم، وهي تبتعدُ عنه. "لقد كنتُ أؤمنُ بكَ، وأحببتكَ بكلِّ قلبي. لكنَّ كذبكَ جعلَ كلَّ شيءٍ ينهار."

"ليلى، أرجوكِ، استمعي إليَّ."

"لا يوجدُ ما أستمعُ إليه." قالتْ "ليلى"، وقد انكسرَ قلبها. "لقد رأيتُ الحقيقةَ واضحةً أمامَ عيني. أنتَ لستَ الرجلَ الذي كنتُ أظنُّكَ إياه. أنتَ لم تُحبني، أنتَ استغلتني."

"هذا غيرُ صحيح!" صرخَ "أحمد"، وبدا عليهِ الغضب. "لقد أحببتكِ، لكنَّ الظروفَ دفعتني."

"ظروفكَ؟" قالَ "خالد". "هل كانتْ ظروفكَ هيَ التي دفعتكَ إلى المراهناتِ والديون؟"

سكتَ "أحمد" مرةً أخرى. لم يستطعْ أنْ يُبررَ ما حدث.

"لقد كشفتَ حقيقتكَ يا "أحمد"،" قالتْ "ليلى"، وهي تقفُ بكلِّ هدوئها، كأنَّها اكتسبتْ قوةً جديدة. "لم أعدْ أثقُ بكَ، ولن أُسامحَكَ على ما فعلتهُ. أرجو أنْ تُغادرَ الآن."

وقفَ "أحمد"، وبدا عليهِ الهزيمةُ الكاملة. نظرَ إلى "ليلى" نظرةً أخيرةً مليئةً بالأسفِ والخيبة، ثمَّ خرجَ من المنزلِ دونَ أنْ ينطقَ بكلمة.

بعدَ أنْ أُغلقَ البابُ خلفهُ، انخرطتْ "ليلى" في بكاءٍ مرير. "خالد" كانَ بجوارها، يُحاولُ أنْ يُطمئنها، لكنَّها كانتْ تشعرُ بأنَّ قلباً قد تحطمَ بداخلها.

"لقد كنتِ قويةً جداً يا ليلى،" قالَ "خالد". "لقد واجهتِ الحقيقةَ بشجاعة."

"لكنَّ قلبي يؤلمني يا خالد،" قالتْ "ليلى" بصوتٍ مُتقطع. "لقد أحببتُهُ. وكنتُ أرى مستقبلي معه."

"الحبُّ الصادقُ لا يُبنى على الأكاذيبِ والخداع،" قالَ "خالد". "وربما كانَ هذا هوَ الاختبارَ الذي وضعَهُ اللّٰهَ أمامكِ. لا تيأسي. فاللهَ لا يُضيعُ أجرَ منْ أحسنَ عملاً."

نظرتْ "ليلى" إلى والدتها في صورتها. "يا أمي، هل رأيتِ؟ لقد كشفَ لي اللّٰهُ حقيقتهُ. لقد نجوتُ منْ شرٍّ عظيم."

كانتْ المواجهةُ قد انتهت، لكنَّ جروحَها كانتْ عميقة. لم تعدْ تعرفُ كيفَ ستُعيدُ بناءَ ثقتها. لم تعدْ تعرفُ كيفَ ستُعيدُ بناءَ قلبها.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%