قلبي يختارك الجزء الثاني

رياح الشك العاتية

بقلم سارة العمري

كانت نسمات مساءٍ عليلٍ تهبُّ على بستانِ بيتِ الجدِّ، تحملُ معها عطرَ الياسمينِ المتفتّحِ ورائحةَ الأرضِ النديةِ بعدَ رشٍّ خفيفٍ. جلستْ "ليلى" على الأرجوحةِ الخشبيةِ القديمةِ، وظهرُها مسنودٌ إلى جذعِ شجرةِ التينِ الوارفةِ، وعيناها شاخصتانِ إلى الأفقِ البعيدِ حيثُ بدأتْ الشمسُ تغيبُ، مرسلةً خيوطَها الذهبيةَ الأخيرةَ لتُلوّنَ السماءَ بصبغاتٍ من البرتقاليِّ والأرجوانيِّ. كانَ صمتُ المكانِ عميقاً، لا يكسرُهُ إلا حفيفُ الأوراقِ وهمهمةُ حشراتٍ ليليةٍ تستعدُّ لاستقبالِ الظلامِ.

في قلبِها، كانتْ تدورُ معركةٌ صامتةٌ. حوارٌ داخليٌّ لا ينتهي، بينَ إحساسٍ دفينٍ بالحبِّ ينمو ويتجذّرُ، وبينَ جدارٍ من الشكوكِ والمخاوفِ يرتفعُ تدريجياً، تهددُ بزعزعةِ استقرارِ كلِّ ما بنتهُ في قلبِها. منذُ لقائِها الأخيرِ بـ"مالك"، بدأتْ الأسئلةُ تتكاثرُ في رأسِها، أسئلةٌ لم تجدْ لها جواباً شافياً، وبدأتْ تُشكّلُ سحابةً رماديةً تُظلّلُ على صفاءِ مشاعرِها.

تذكرتْ كلماته الأخيرةَ حينَ ودّعها عندَ بابِ المنزلِ: "سأحاولُ جاهداً أنْ أكونَ الشخصَ الذي تستحقينَهُ يا ليلى. أتمنى أنْ ترى عينيّ وقلبي ما هوَ أعمقُ من الظاهرِ." كانتْ هذهِ الكلماتُ كالبذرةِ التي زُرعتْ في أرضٍ خصبةٍ، لكنّها لم تكنْ تعرفُ كيفَ ستحافظُ على هذهِ البذرةِ من قسوةِ رياحِ الشكِّ.

في الأيامِ التي تلتْ، كانَ "مالك" قد بدأَ يتغيّرُ. لم يعدْ ذلكَ الشابَّ الواثقَ بنفسهِ، المرحَ، والمتوهّجَ بالإيمانِ. لاحظتْ فيهِ ليلى شيئاً من الانطواءِ، وحركةً دائمةً في عينيهِ كأنّهُ يبحثُ عن شيءٍ مفقودٍ، أو ربما عن تفسيرٍ لشيءٍ أرّقَهُ. في إحدى المحادثاتِ الهاتفيةِ، حاولتْ أنْ تستفسرَ عن سببِ هذا التغيّرِ، فأجابَها بكلماتٍ مبهمةٍ: "الحياةُ تحملُ معها اختباراتٍ يا ليلى، واختباراتٍ صعبةٍ أحياناً. فقط أتمنى أنْ أكونَ على قدرِ المسؤوليةِ."

هل كانَ يقصدُها هي؟ هل كانتْ علاقتهما الاختبارَ الذي يتحدّثُ عنهُ؟ بدأتْ فكرةٌ مريعةٌ تتسللُ إلى قلبِها. فكرةُ أنَّ "مالك" ربما لم يكنْ صادقاً تماماً معها. تذكرتْ قصصَ أصدقائها، كيفَ وقعوا في حبائلِ كلماتٍ معسولةٍ، وكيفَ انكشفَ لهمُ الزيفُ بعدَ فواتِ الأوانِ. هل كانَ "مالك" يمثلُ عليها؟ هل كانَ يرى فيها فرصةً لشيءٍ آخرَ غيرَ ما كانتْ تأملُ؟

تنهدتْ ليلى بعمقٍ، محاولةً أنْ تُبعدَ هذهِ الأفكارَ السوداويةَ. هي تعرفُ "مالك" جيداً، تعرفُ صدقَ نظراتهِ، ودفءَ ابتسامتهِ. ولكنّ الشكَّ لهُ مكرٌ خبيثٌ، يتسللُ في زوايا النفسِ المظلمةِ، وينمو متغذياً على أدنى بادرةِ ضعفٍ.

لم يكنْ الأمرُ مقتصراً على شكوكِها الشخصيةِ. بدأتْ تلاحظُ بعضَ التغييراتِ في محيطِ "مالك" أيضاً. زوجةُ عمّهِ، السيدةُ "أمينة"، والتي كانتْ دائماً ترحبُ بها بحرارةٍ، بدأتْ تُظهرُ لها بعضَ البرودِ، وبعضَ النظراتِ الغامضةِ التي كانتْ تقرؤُ فيها معانيَ مختلفةً. في إحدى الزياراتِ القصيرةِ لمنزلِهم، سمعتْ همساً بينَها وبينَ زوجِها، صوتٌ خفيضٌ لم تفهمْ منهُ سوى كلماتٍ متفرقةٍ مثلَ "صعوبةٌ"، "مستقبلٌ"، و"لا يمكنُ". هل كانَ حديثُهما عنها؟ هل كانَ هناكَ ما يُحاكُ ضدَّ علاقتها بـ"مالك"؟

في صباحِ اليومِ التالي، قررتْ ليلى أنْ تتحدثَ معَ صديقتها المقربةِ "فاطمة". كانتْ "فاطمة" دائماً مصدرَ دعمٍ لها، وعقلانيةٌ راجحةٌ قادرةٌ على رؤيةِ الأمورِ من زاويةٍ مختلفةٍ. جلستا في مقهى هادئٍ، تحتَ مظلةٍ مزينةٍ بالزهورِ، وكوبُ القهوةِ يفوحُ منهُ عبيرٌ منعشٌ.

"فاطمة، أشعرُ بأنّ قلبيَ على وشكِ الانفجارِ،" بدأتْ ليلى بصوتٍ مرتعشٍ، وهي تُمسكُ بكوبِها بعنفٍ. "أشعرُ بأنّي أقفُ على حافةِ هاويةٍ، ولا أدري إنْ كنتُ سأسقطُ أمْ سأجدُ طريقاً للنجاةِ."

استمعتْ "فاطمة" بصبرٍ، وعيناها تتابعانِ كلَّ حركةٍ من حركاتِ صديقتها، كلَّ انفعالٍ يرتسمُ على وجهِها. حينَ انتهتْ ليلى من سردِ مخاوفِها، قالتْ "فاطمة" بهدوءٍ: "يا ليلى، الشكُّ كالظلِّ، إنْ تركتَهُ يتسللُ، سيُغطي على كلِّ شيءٍ جميلٍ. أنتِ تعرفينَ 'مالك' جيداً، وتعرفينَ معدنهُ. هل هناكَ دليلٌ ملموسٌ على هذهِ الشكوكِ، أمْ أنّها مجردُ وساوسٌ؟"

"لا أعرفُ،" أجابتْ ليلى بتنهيدةٍ طويلةٍ. "لكنّ التغييرَ في سلوكِهِ، وبعضَ النظراتِ الغريبةِ من حولهِ... كلُّ هذا يجعلُني أقلقُ."

"العلاقاتُ ليستْ دائماً سهلةً، يا عزيزتي،" قالتْ "فاطمة" بابتسامةٍ هادئةٍ. "تتطلبُ صبراً، وتواصلاً، وثقةً. ربما يمرُّ 'مالك' بظروفٍ صعبةٍ لم يُبوحْ لكِ بها بعدُ. ولربما نظراتُ السيدةِ أمينةِ كانتْ مجردَ انطباعاتٍ خاطئةٍ. لا تستسلمي للشكِّ قبلَ أنْ تُعطي الفرصةَ للحقيقةِ أنْ تتجلّى."

"ولكنْ ماذا لو كانتْ ظنوني صحيحةً؟" همستْ ليلى، والدموعُ بدأتْ تتجمعُ في عينيها. "ماذا لو كانَ قلبيَ يتعلّقُ بوهمٍ؟"

"عندها، ستكونُ لكِ القوةُ لتجاوزِ الأمرِ،" قالتْ "فاطمة" وهي تضعُ يدها على يدِ ليلى. "لكنّنا لا نستطيعُ أنْ نحكمَ على شخصٍ أو موقفٍ قبلَ أنْ نُعطيهِ حقّهُ من الفهمِ. تحدثي معهُ يا ليلى. تحدثي بصدقٍ، وافتحي لهُ قلبكِ، واطلبي منهُ أنْ يفتحَ لكِ قلبَهُ. هذا هوَ الطريقُ الوحيدُ للتأكدِ."

تركتْ ليلى المقهى وقلبُها أثقلُ مما كانَ، لكنّها حملتْ معها بذورَ أملٍ زرعتها كلماتُ "فاطمة". هل تستطيعُ أنْ تواجهَ "مالك"؟ هل تستطيعُ أنْ تجدَ القوةَ لمعرفةِ الحقيقةِ، مهما كانتْ مريرةً؟ كانتْ رياحُ الشكِّ ما تزالُ تعصفُ، لكنّها شعرتْ بأنّها قدْ تملكُ الآنَ بعضَ الأدواتِ لمقاومتها.

في المساءِ، بينما كانتْ الشمسُ قدْ استقرتْ وراءَ الأفقِ، استلمتْ ليلى رسالةً نصيةً من "مالك". كانتْ قصيرةً ومباشرةً: "ليلى، هل يمكنُ أنْ نلتقيَ غداً؟ لديَّ أمرٌ هامٌّ أريدُ أنْ أتحدثَ معَكِ فيهِ. أرجو أنْ تقبلي."

شعرتْ ليلى بتخوّفٍ ممزوجٍ بفضولٍ. هل هذا هوَ اللقاءُ الذي سيكشفُ الغموضَ؟ هل سيُجيبُ "مالك" على أسئلتِها، أمْ سيزيدُها حيرةً؟ قلبُها يخفقُ بقوةٍ، كأنّهُ يُحذّرُها من عاصفةٍ قادمةٍ، أو ربما يُبشّرُها ببزوغِ فجرٍ جديدٍ. لم تكنْ تدري، لكنّها عرفتْ شيئاً واحداً: أنّ غداً سيكونُ يوماً فاصلاً.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%