قلبي يختارك الجزء الثاني
كلمةٌ تفصلُ بينَ النورِ والظلامِ
بقلم سارة العمري
استقبلتْ ليلى رسالةَ "مالك" وكأنّها دعوةٌ رسميةٌ إلى ساحةِ معركةٍ. لم تعدْ مجردَ أفكارٍ تتصارعُ في رأسِها، بلْ أصبحَ الواقعُ يفرضُ نفسهُ، ويُطالبُ منها اتخاذَ موقفٍ. كانَ لقاؤهما المقترحُ يحملُ في طياتهِ وعداً بالوضوحِ، أو ربما بالصدمةِ. انتظرتْ الغدَ بقلبٍ يخفقُ بينَ أملٍ شفيفٍ وخوفٍ عميقٍ، كلُّ ثانيةٍ تمرُّ وكأنّها دهرٌ.
في صباحِ اليومِ التالي، كانتْ السماءُ صافيةً، والشمسُ تُشرقُ بنورِها المعهودِ، لكنّ نفسَ "ليلى" كانتْ مُثقلةً بأحداثِ الليلةِ الماضيةِ. ارتدتْ ملابسَ محتشمةً أنيقةً، وحرصتْ على أنْ تبدوَ في أفضلِ حالٍ، ليسَ تزيُّناً لشخصٍ، بلْ تعزيزاً لثقتِها بنفسِها، وللروحِ التي كانتْ تحاولُ جاهدةً أنْ تُعيدَ بناءَها. اختارَتْ حديقةَ "الزهورِ العطرةِ" التي كانا يلتقيانِ فيها أحياناً، مكاناً هادئاً تُحيطُ بهِ الأشجارُ الكثيفةُ، بعيداً عنِ الضوضاءِ، ومناسباً لحديثٍ يتطلبُ تركيزاً وخصوصيةً.
وصلتْ قبلَ موعدِها بقليلٍ، وجلستْ على مقعدٍ حجريٍّ مطلٍّ على بركةِ ماءٍ راكدةٍ، تتراقصُ على سطحِها أشعةُ الشمسِ. كانتْ تُراقبُ الأسماكِ الملونةِ وهي تسبحُ في الماءِ، محاولةً أنْ تُهدّئَ من اضطرابِها. وفجأةً، رأتهُ قادماً. "مالك" كانَ يسيرُ بخطواتٍ متثاقلةٍ، وعلى وجهِهِ سماتٌ لا تحملُ أيَّ أثرٍ للابتسامةِ المعهودةِ. كانتْ عيناهُ تبحثانِ عنْها، وعندما وجدها، أومأَ برأسِهِ ثمّ تقدمَ ليجلسَ بجانبِها.
صمتٌ ثقيلٌ خيّمَ بينهما لدقائقَ، لم يقطعهُ إلا صوتُ زقزقةِ العصافيرِ. أخيراً، كسرَ "مالك" الصمتَ بصوتٍ أجشٍّ، مليءٍ بالإرهاقةِ: "ليلى... أشكرُكِ على مجيئكِ."
"لقدْ وعدتكَ بأنّي سأكونُ هنا حينَ تحتاجُني،" أجابتْ ليلى بصوتٍ حاولَتْ أنْ تجعلَهُ ثابتاً، رغمَ تزايدِ دقاتِ قلبِها. "ما هوَ الأمرُ الهامُّ الذي تودُّ أنْ تتحدثَ فيهِ؟"
نظرَ إليها "مالك" مباشرةً، نظرةٌ كانتْ تحملُ خليطاً من الأسفِ والتقديرِ. "أعلمُ أنّ الأيامَ الماضيةَ لمْ تكنْ سهلةً عليّ، وربما لاحظتِ بعضَ التغييراتِ في سلوكي."
"نعم، لاحظتُ،" اعترفتْ ليلى بصراحةٍ، مُستجمعةً شجاعتَها. "ولهذا السببِ، شعرتُ ببعضِ القلقِ."
تنهدَ "مالك" بعمقٍ. "ليلى، هناكَ أمرٌ يعلمُهُ القليلونَ جداً، أمرٌ أثقلَ كاهليَ كثيراً، ولمْ أجدْ مفراً منْ مصارحتِكِ بهِ. عائلتي... عائلتي تمرُّ بظروفٍ ماديةٍ صعبةٍ جداً. أبي... كانَ مدينونَ لهُ بمبالغَ طائلةٍ، وهذهِ الديونُ بدأتْ تُلاحقُه. والآنَ، اكتشفنا أنَّ هذا الدينَ أصبحَ يتجاوزُ قدرةَ أبي على السدادِ، وقدْ يهددُ مستقبلَنا جميعاً."
صُدمتْ ليلى. لمْ تكنْ تتوقعُ هذا أبداً. كانتْ دائماً ترى "مالك" في صورةِ الشابِّ الناجحِ، الواثقِ بنفسهِ، ولمْ يخطرْ ببالِها أبداً أنّهُ قدْ يكونُ يُعاني منْ أزمةٍ كهذهِ. "لكنْ... ماذا يعني هذا؟" سألتْ، وصوتُها بالكادِ يُسمعُ.
"يعني أنّني بحاجةٍ ماسةٍ إلى مساعدةٍ،" قالَ "مالك" بصدقٍ مؤلمٍ. "وأعلمُ أنّ هذا قدْ يكونُ طلباً صعباً، لكنّ والديَ... ووالدتي... كلاهما متأثرانِ جداً. وأنا... أنا لا أريدُ أنْ أرى عائلتي تنهارُ."
"ولكنْ، كيفَ يمكنُني أنْ أساعدَ؟" سألتْ ليلى، وهي تُحاولُ استيعابَ ما تسمعُ.
"أعلمُ أنّ لديكِ بعضَ الممتلكاتِ التي ورثتِها عنْ جدّتكِ. تلكَ الأرضُ الزراعيةُ الصغيرةُ في طرفِ المدينةِ. قيمتُها ليستْ كبيرةً جداً، لكنّها قدْ تكونُ كافيةً لإنقاذِنا منْ أكبرِ جزءٍ من هذهِ الديونِ."
اتسعتْ عينا ليلى بصدمةٍ. الأرضُ التي ورثتها عنْ جدّتِها، كانتْ لها ذكرياتٌ لا تُقدّرُ بثمنٍ. كانتْ تلكَ الأرضُ ملاذَ طفولتها، مكاناً لعبتْ فيهِ، ورأتْ فيهِ جدّتَها وهي تُعتني بالنباتاتِ. كانتْ قطعةً عزيزةً جداً من قلبِها.
"ولكنْ... تلكَ الأرضُ..." بدأتْ ليلى، ثمّ توقفتْ، تبحثُ عنْ الكلماتِ المناسبةِ. "هذهِ الأرضُ لها قيمةٌ عاطفيةٌ كبيرةٌ لديّ يا مالك."
"أعلمُ، وأنا آسفٌ جداً لأنّني أطلبُ منكِ هذا،" قالَ "مالك" بعينينِ تحملانِ رجاءً. "ولكنْ، لا أرى حلّاً آخرَ. إنّها ليستْ مجردَ مالٍ، إنّها حياتُنا. أريدُ أنْ أبنِيَ معكِ مستقبلاً، لكنّ هذا المستقبلَ لنْ يكونَ موجوداً إنْ لمْ نتجاوزْ هذهِ الأزمةِ."
تغلغلتْ كلماتُ "مالك" في أعماقِ ليلى. هل كانتْ هذهِ هيَ الحقيقةُ؟ هل كانَ هذا هوَ الاختبارُ الذي يتحدثُ عنهُ؟ شعرتْ بالضغطِ الشديدِ. منْ ناحيةٍ، كانَ قلبُها يتألمُ لأجلِ "مالك" وعائلتِهِ. ومنْ ناحيةٍ أخرى، كانَ هناكَ جزءٌ منها يُقاومُ التخليَ عنْ شيءٍ غالٍ جداً.
"هلْ... هلْ حاولتَ أنْ تحصلَ على قرضٍ منْ البنكِ؟" سألتْ، بصوتٍ مُترددٍ.
"نعم، ولكنْ، بسببِ الظروفِ، رفضوا إعطاءَنا قرضاً كافياً،" أجابَ "مالك" بحسرةٍ. "الوضعُ خطيرٌ، يا ليلى. أيّ تأخيرٍ قدْ يزيدُ الأمرَ سوءاً."
نظرتْ ليلى إلى "مالك"، ورأتْ فيهِ الشابَّ الذي أحبّتْه، الشابَّ الذي رأتْ فيهِ شريكَ حياتِها. رأتْ صدقَ معاناتِهِ، ورأتْ فيهِ العزمَ على حمايةِ عائلتِهِ. بدأتْ تُفكّرُ في جدّتِها، وكيفَ كانتْ دائماً تُشجعُها على فعلِ الخيرِ، وعلى التضحيةِ من أجلِ منْ تُحبُّ.
"يا مالك،" قالتْ ليلى أخيراً، وقدْ اتخذتْ قرارَها. "أنتَ تعرفُ كمْ هذهِ الأرضُ عزيزةٌ عليّ. ولكنّني، أيضاً، أرى فيكِ مستقبلَ حياتي. أرى فيكِ الرجلَ الذي أتمناهُ زوجاً. إذا كانَ بيتيَ سيُبنى على هذهِ الأرضِ، وأنقذنا عائلتَكَ، فإنّي على استعدادٍ لأنْ أفعلَ ما بوسعي."
شعرَ "مالك" بالراحةِ تغمرُهُ. "ليلى، أشكرُكِ جزيلَ الشكرِ. أعدُكِ، أعدُكِ بأنّني لنْ أنسى تضحيتَكِ هذهِ أبداً. سأعملُ بجدٍّ لتعويضِكِ عنْ كلِّ ما فقدتِهِ."
"أنا لا أريدُ تعويضاً، يا مالك،" قالتْ ليلى بابتسامةٍ باهتةٍ. "أريدُ فقطْ أنْ نكونَ سعداءَ، وأنْ تبنيَ عائلتُنا القادمةُ مستقبلاً قوياً، خالياً منْ هذهِ الهمومِ."
وقفَ "مالك" واقتربَ منها، وأمسكَ بيدِها. "ليلى، أحبُّكِ. أحبُّكِ أكثرَ ممّا تتصورينَ. لا أستطيعُ أنْ أتصورَ حياتي بدونِكِ."
شعرتْ ليلى بدفءٍ يسري في عروقِها. لقدْ تجاوزا العاصفةَ الأولى. لقدْ اختارتْ قلوبُهما الثقةَ على الشكِّ، والتضحيةَ على الأنانيةِ. لكنّها لم تكنْ تعرفُ، أنّ هذهِ الكلمةَ، وهذهِ التضحيةَ، ما هيَ إلا بدايةُ طريقٍ قدْ يحملُ المزيدَ منَ المفاجآتِ، بعضُها سارٌّ، وبعضُها الآخرُ قدْ يُعيدُ رسمَ معالمِ حياتِهما.