قلبي يختارك الجزء الثالث

وهج الشوق في قلب الصحراء

بقلم سارة العمري

كانت الشمس تغرب، تاركةً خلفها سماءً ملتهبةً بألوانٍ لم يرَ مثلها إلا من عاش بين رمال الصحراء المترامية الأطراف. هذه الألوان، القانية كدمعٍ مسفوح، كانت تعكس صخب روحه التي تتقلب بين حنينٍ لا ينتهي وقرارٍ شجاعٍ اتخذه. وقفت "نور"، شابةٌ نحيلة الجسد، لكن عينيها الواسعتين تحملان بريقاً من العزم والقوة، على حافة تلٍ رملي، تتأمل الأفق الممتد. لم تكن تنظر إلى غروب الشمس بقدر ما كانت تبحث عن بصيص أملٍ يلوح في الأفق البعيد.

كانت الرياح الصحراوية، المعتادة على قسوتها، تلفح وجهها، تحمل معها غبار الأمس وأحلام الغد. بيدها اليمنى، التي ارتسمت عليها آثار الشمس والعمل، أمسكت بقطعة قماشٍ بالية، ربما كانت جزءاً من وشاحٍ قديم، تعتصرها وكأنها تمسك بزمنٍ مضى. تنهدت، تنهيدةً عميقةً حملت معها عبق التراب والورد البري الذي ينبت في بواطن الأودية.

"يا رب، يا من خلقت هذا الكون بأكمله، أنت وحدك تعلم ما في قلبي. أنت تعلم شوقي، وتعلم مرارتي، وتعلم ما يثقل كاهلي." همست بصوتٍ يكاد لا يسمع، لكنه كان يحمل قدسية الاعتراف والدعاء.

لم تكن "نور" مجرد فتاةٍ تعيش في صحراء قاحلة. كانت تحمل بداخله عالماً من الأحلام والرغبات، ورثت عن جدها شيئاً من حكمة السنين، وعن أمها طيبة القلب التي رحلت مبكراً، وشيئاً من روح والدها الذي ضحى بالكثير من أجل عائلته. كانت حياتها بسيطة، لكنها لم تخلُ من تحدياتٍ جعلتها تنضج قبل أوانها.

بعد أن قضت أياماً طوال في مساعدة أهل قريتها الصغيرة في جني التمر، وتجهيز المؤن للشتاء القادم، كانت هذه اللحظة هي لحظة الاختلاء بنفسها، لحظة التفكير في خطوتها الكبرى. إنها خطوةٌ لم تفكر فيها من قبل، خطوةٌ ستغير مسار حياتها، بل ربما مسار حياة أناسٍ آخرين.

تذكرت الكلمات التي قالها لها جدها في الليلة الماضية، وهو يحتسي الشاي على ضوء القمر: "يا ابنتي، إن القلب إذا اختار، فلا يمكن للعقل أن يقف حاجزاً أمام اختيار الله. ولكن، اختاري بقلبك، واجعلي اختيارك يحمل رضا الله ورضا أهلك." كانت كلماته بلسمًا لجراحها، ودليلاً لها في دروب الحياة المتعرجة.

لقد استقرت روحها أخيرًا على قرار. قرارٌ لم يكن سهلاً، فقد حمل معه تخوفاتٍ كثيرة، وتساؤلاتٍ لا نهاية لها. لكن في أعماقه، كان هناك يقينٌ ينمو، يقينٌ بأن هذا هو الطريق الصحيح، الطريق الذي ستقودها إليه مشيئة الله.

كانت تبحث عن دليل، عن إشارة. وفي تلك اللحظة، وبينما كانت الأشعة الأخيرة للشمس تتلاشى، رأت بصيصاً لامعاً من بعيد. لم يكن بريق الشمس، ولم يكن ضوء القمر الذي بدأ يتسلل. كان بريقاً مختلفاً، بريقاً يشبه لمعان عينيها حين تفرح.

نهضت مسرعة، وبدأت تنزل التل بخطواتٍ ثابتة، غير عابئةٍ بالحجارة المتناثرة أو الرمال التي تزحف. كل ما يشغلها هو ذلك البريق. هل هو وهم؟ هل هو سراب؟ أم أنه حقاً ما تنتظره؟

عندما اقتربت، أدركت أنه ليس سراباً. كان ضوءاً خافتاً ينبعث من قصرٍ قديمٍ مهجور، يقف شامخاً على حافة واحةٍ صغيرة، قصرٌ لطالما نسجت حوله الأساطير والحكايات. قصرٌ طالما سمعت عنه، لكنها لم تكن تتخيل أبداً أن تجد نفسها تتجه نحوه.

توقفت أمام بوابته الضخمة، المصنوعة من الخشب الثقيل المنقوش بزخارفٍ تعود لعهودٍ غابرة. تراجعت خطوةً إلى الوراء، وقلبها يدق بشدة. هل هذا هو المكان؟ هل هذا هو مفتاح البداية؟

ثم، تذكرت. تذكرت وعداً قطعته، وعداً بلقاءٍ مهم، وعداً بدأ كهمسةٍ في أذن الريح، ووعدٌ بأنها ستكون هناك.

دفعت البوابة بيدٍ مرتعشة، ففتحت بصوتٍ أنينٍ حزين. دخلت إلى ساحة القصر، حيث يكتنف الظلام معظم أرجائه، ولكن ذلك الضوء الخافت كان يوجهها إلى الداخل. كانت رائحة الغبار والعفن تعبق المكان، ممزوجةً بشيءٍ آخر، شيءٍ يشبه عبق البخور القديم.

كان قلبها يشعر بالرهبة ممزوجةً بالفضول. في هذا المكان المهجور، في هذه اللحظة بالذات، كان لابد أن يبدأ كل شيء. كانت الشمس قد اختفت تماماً، وبدأ القمر يلقي بظلاله الطويلة، وكأن الأرض نفسها تنتظر أن تُروى حكايةٌ جديدة.

واصلت المسير، متتبعةً الضوء. كانت خطواتها تصدح في السكون. وفجأة، سمعت صوتاً. صوتٌ رجلٍ، عميقٌ وهادئ، يصدح من إحدى الغرف المجاورة.

"هل أنتِ هي؟"

كان الصوت كالصاعقة. توقفت "نور" في مكانها، تتجمد للحظة. لم تتوقع أحداً. لم تتوقع أن تجد أحداً هنا.

"من أنت؟" سألت، وصوتها يرتجف قليلاً.

"الشخص الذي ينتظرك، يا ابنة الصحراء." أجاب الصوت، وكان يحمل نبرةً غامضة.

نظرت حولها، تبحث عن مصدر الصوت. ثم، في زاوية الغرفة، تحت ضوءٍ خافتٍ ينبعث من مصباحٍ قديم، رأت ظلاً. ظل رجلٍ يقف ساكناً، ينتظر.

هنا، في قلب هذا القصر المهجور، تحت سماء الصحراء المرصعة بالنجوم، بدأت حكايتها. حكايةٌ لم تكتب فصولها بعد، لكن بدايتها كانت تحمل وعداً بالحب، ووعداً بالمواجهة، ووعداً بالحياة.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%