قلبي يختارك الجزء الثالث

ظلال الماضي وهمسات الحاضر

بقلم سارة العمري

كانت أيام الخطوبة تتوالى، تحمل معها مزيجاً من الفرح والترقب، ومن الاكتشافات الخفية التي تلون مسار العلاقة. كانت فاطمة تلتقي بالرحمن في المناسبات العائلية، أو في لقاءاتٍ محدودةٍ تحت إشراف والدتها أو أمه. في كل لقاءٍ، كانت تزداد قناعةً بأنها اختارت الرجل المناسب. كان الرحمن لطيفاً، مهذباً، حكيماً في حديثه، ويحرص دائماً على إظهار احترامه وتقديره لفاطمة. كان يتحدث عن أحلامه، عن خططه للمستقبل، وعن رغبته في بناء أسرةٍ قويةٍ تقوم على التقوى والمودة.

ولكن، في كل هذه الأيام الجميلة، كانت هناك ظلالٌ خفيةٌ بدأت تتسلل إلى عقل فاطمة، ظلالٌ تستدعي بعض الأسئلة التي لم تجد لها جواباً حتى الآن. كانت تتذكر دائماً كلماته عن "الفرصة المناسبة" التي انتظرها، وعن "إعجابه بفاطمة منذ زمنٍ طويل". ما الذي كان يعنيه بالضبط؟ هل كان هناك شيءٌ ما حدث في الماضي، شيءٌ لم تخبر عنه؟

كانت أم الرحمن، السيدة أمينة، قد أصبحت قريبةً جداً من فاطمة. كانت تشاركها تفاصيل حياتها، وتستمع إلى همومها، وتقدم لها النصح والإرشاد. ولكن، في إحدى المرات، وبينما كانتا تتحدثان عن عادات العائلة وتقاليدها، سألت فاطمة السيدة أمينة عن عائلة الرحمن، وعن والده الذي توفي قبل سنوات.

"لقد كان رجلاً صالحاً جداً." قالت السيدة أمينة بحنين. "لقد علّمني كل شيءٍ عن الحياة، وعن التجارة. وقد أحببته كثيراً. وبعد وفاته، تولى الرحمن مسؤولية العائلة، وأثبت أنه رجلٌ كفءٌ، قادرٌ على تحمل المسؤوليات."

"هل كان لديكم أبناءٌ آخرون غير الرحمن؟" سألت فاطمة.

ترددت السيدة أمينة قليلاً، ثم قالت: "لا، كان الرحمن ابني الوحيد. ولكنه كان قرةَ عيني. وبعد وفاته... أقصد، بعد وفاة والده، كان الوحيد الذي تبقى لي. وقد أردتُ له أن يرتبط بفتاةٍ صالحةٍ، تعينه على دينه ودنياه، وتملأ عليه حياته."

شعرت فاطمة ببعض البرودة تسري في عروقها. "ابني الوحيد؟" كررت في نفسها. "ولكن، عندما تحدثتُ مع أختِكِ، السيدة زهرة، عن تفاصيل اللقاء الأول بين الرحمن وفاطمة، قالت إنها كانت مع الرحمن في ذلك اليوم، وأنها شاهدت فاطمة لأول مرةٍ عندما كانت في السوق مع والده."

فكرت فاطمة ملياً في هذه المفارقة. لم يكن لديها يقينٌ تامٌّ، ولكنها شعرت بأن هناك شيئاً غامضاً، شيئاً لم يتم الكشف عنه. هل كان حديث السيدة زهرة مجرد سوء فهم؟ أم أن هناك شيئاً أكبر؟

في أحد الأيام، قررت فاطمة أن تتحدث مع الرحمن مباشرةً. كانا يتناولان القهوة مع والدتها في منزل العائلة. بعد أن انصرفت والدتها لبعض الوقت، قالت فاطمة بصوتٍ هادئ: "رحمن، هل تسمح لي بسؤالٍ شخصيٍّ؟"

نظر إليها الرحمن بعينين لامعتين. "بالطبع يا فاطمة. اسألي ما تشائين."

"لقد سمعتُ من عمتكِ زهرة، أنها كانت معك ومع والدكِ في السوق، عندما رأيتني لأول مرةٍ. ولكن أمكِ، السيدة أمينة، ذكرت أنك كنتَ ابناً وحيداً. فمن كانت عمتكِ زهرة؟"

ارتسمت على وجه الرحمن علاماتٌ من الدهشة، ثم من القلق. بدت عليه علاماتٌ من الارتباك، وكأنه لم يتوقع هذا السؤال. صمت لعدة لحظات، ثم قال بصوتٍ منخفضٍ: "عمتي زهرة... نعم. هي أختُ والدي. وقد كانت قريبةً جداً من العائلة. ولكن... لا أعرف لماذا ذكرت السيدة أمينة أنني ابني الوحيد. ربما قصدت أنني ابنها الوحيد... لا أدري."

شعرَت فاطمة بأن إجابة الرحمن لم تكن مقنعةً تماماً. كان هناك شيءٌ من التردد في صوته، وشيءٌ من عدم الوضوح. لم تستطع أن تفهم لماذا يختلف قول أمه عن قول عمته.

"ولكن، هل كنتَ تعرف والدي جيداً؟" سألت فاطمة، وهي تحاول أن تتذكر آخر مرةٍ رأت فيها والدها.

"نعم." أجاب الرحمن. "كنتُ أعرف والدكِ جيداً. كان رجلاً طيباً، ومحترماً. وقد رأيته عدة مراتٍ في السوق، وكنتُ دائماً معجبٌ بأخلاقه. وقد كنتُ أتمنى أن ألتقي به مرةً أخرى، لأشكره على كل شيءٍ تعلمته منه."

"تعلمتَ منه؟" استغربت فاطمة. "ماذا تعلمتَ منه؟"

"لقد تعلمتُ منه الكثير عن الصبر، وعن الأمانة، وعن أهمية الالتزام بالعهود." قال الرحمن، ونظر إلى فاطمة بعينين مليئتين بالصدق. "لقد رأيتُ كيف كان يتعامل مع الناس، وكيف كان يكسب ثقتهم. وهذه الدروس لا تُنسى."

حاولت فاطمة أن تربط بين هذه الكلمات، وبين الصور المتناثرة في ذاكرتها. كانت تتذكر والدها، رجلاً قوياً، طيب القلب، يمتلك محلاً صغيراً في السوق. وكانت تتذكر أيضاً، وجوهاً غريبةً كانت تظهر في حياتها، ثم تختفي.

"هل يمكن أن تحدثني أكثر عن والدك؟" سألت فاطمة. "أريد أن أعرف عن حياته، وعن عمله."

"والدي... لقد كان تاجراً ناجحاً." قال الرحمن. "وقد كان دائماً يعلمني أهمية العمل الجاد، والاجتهاد. وكان يقول دائماً: 'يا بني، لا تعتمد على أحدٍ، كن قوياً بإرادتك، ومؤمناً بربك.' لقد كان رجلاً يؤمن بالكلمة، وبالوعد. ولم يكن يخذل أحداً."

شعرَت فاطمة ببعض الخفقان في قلبها. هل كان كل ما تقوله عن والد الرحمن، ينطبق أيضاً على والدها؟ هل كانت هناك قصةٌ خفيةٌ تجمع بين الرجلين؟

في تلك الأثناء، دخلت السيدة سلوى إلى المجلس. "ما هذا الحديث العميق الذي تتناقشون فيه؟" سألت بابتسامة.

"كنا نتحدث عن والد الرحمن." أجابت فاطمة، وعيناها لا تزالان معلقتين على وجه الرحمن، تبحثان عن المزيد من الإجابات.

"آه، والد الرحمن." قالت السيدة سلوى. "لقد سمعتُ عنه الكثير. كان رجلاً صالحاً، أليس كذلك؟"

"نعم يا جدتي." أجاب الرحمن. "لقد كان نعم الرجل. وقد تعلمتُ منه الكثير."

"هل كنتَ تعرفه جيداً؟" سألت السيدة سلوى.

"نعم." أجاب الرحمن. "لقد كنتُ أعرفه جيداً. وكان رجلاً يحظى باحترام الجميع."

نظرت السيدة سلوى إلى فاطمة، ثم إلى الرحمن، وبدت عليها علاماتٌ من الاستغراب. "لم أكن أعلم أنك تعرف والدكِ بهذه القوة. كنتُ أظن أن علاقتك به كانت سطحيةً."

"لا يا جدتي." أجاب الرحمن. "لقد كانت علاقةٌ عميقةٌ جداً. وقد كان يتحدث معي دائماً عن أهمية بناء مستقبلٍ قويٍّ، وعن بناء أسرةٍ صالحةٍ."

كانت فاطمة تشعر بأن كل قطعةٍ من المعلومات الجديدة، تزيد من تعقيد اللغز. كانت الظلال القديمة تتجمع، وتتداخل مع همسات الحاضر. شعرت بأن هناك قصةً تنتظر أن تكشف، قصةً قد تغير كل شيء.

نظرت فاطمة إلى وجه الرحمن، ورأت فيه صدقاً، ولكنها رأت أيضاً بعض الغموض. كان يملك مفتاحاً لبعض الأبواب المغلقة في ماضيها. هل ستتمكن من فتحه؟ وهل كانت مستعدةً لما ستجده خلفه؟

كانت الشمس تميل نحو المغيب، تلقي بظلالٍ طويلةٍ على حديقة المنزل. شعرت فاطمة بأنها تقف في مفترق طرق، طريقٌ مضيءٌ بالحب والوعد، وطريقٌ آخرٌ غامضٌ، مليءٌ بالأسئلة التي تنتظر إجاباتٍ قد لا تكون سهلة. ولكن، مهما كان ما ستكشفه الأيام، كانت تعلم شيئاً واحداً: أن قلبها قد اختار، وأنها مستعدةٌ لمواجهة أي شيءٍ، لكي تبني مستقبلها مع من أحبّت.

شارك هذا الفصل:

เว็บไซต์นี้ใช้คุกกี้

เราใช้คุกกี้เพื่อปรับปรุงประสบการณ์การอ่านนิยายของคุณ วิเคราะห์การเข้าชม และแสดงโฆษณาที่เกี่ยวข้อง รายได้จากโฆษณาช่วยให้เราให้บริการอ่านนิยายฟรีต่อไปได้ อ่านรายละเอียดเพิ่มเติมที่ นโยบายความเป็นส่วนตัว

ตะกร้า eBook

ตะกร้าว่างเปล่า

เพิ่ม eBook ลงตะกร้าเพื่อรับส่วนลดพิเศษ

ส่วนลด Bundle

ซื้อ 3-4 เล่มลด 10%
ซื้อ 5-9 เล่มลด 15%
ซื้อ 10+ เล่มลด 20%