قلبي يختارك الجزء الثالث
كشف الأوراق ولحظة الحقيقة
بقلم سارة العمري
كانت نسمة الهواء الباردة في شرفة منزل الجدة تحمل معها أحياناً صدىً خفياً من الماضي، صدىً لم تكن فاطمة تدرك عمقه إلا مؤخراً. كانت تجلس مع جدتها، السيدة سلوى، في إحدى الأمسيات الربيعية، تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم، تتأمل في جمال الكون، وتفكر في تفاصيل حياتها التي بدأت تتغير بسرعةٍ مذهلة.
"يا جدتي، هل تتذكرين والد فاطمة؟" سألت فاطمة بصوتٍ حذرٍ، محاولةً أن تستشف رد فعل جدتها.
تنهدت السيدة سلوى بعمق، وبدت عيناها تلمعان بدموعٍ خفية. "كيف أنسى يا ابنتي؟ لقد كان ابني، وسندَ عائلتنا. لقد رحل في حادثٍ مفجعٍ، ولم أستطع نسيان ذلك اليوم."
"وهل كان له أعداءٌ؟" سألت فاطمة، وهي تشعر بأن قلبها يخفق بقوة.
نظرت السيدة سلوى إلى حفيدتها ببعض الدهشة. "أعداءٌ؟ لم يكن لوالدكِ أعداءٌ يا ابنتي. كان رجلاً طيباً، يحب الخير للجميع. كيف خطر هذا ببالكِ؟"
"لا شيء يا جدتي." قالت فاطمة، وهي تخفي قلقها. "فقط... أردتُ أن أعرف عن حياته أكثر. سمعتُ من الرحمن، أنه كان يعرف والدكِ جيداً، وأنه تعلم منه الكثير. وهذا جعلني أتساءل."
"الرحمن؟" تكررت السيدة سلوى. "هل تحدثتِ معه عن والدكِ؟"
"نعم." أجابت فاطمة. "قال إنه كان يعرفه جيداً، وكان معجباً بأخلاقه، وبالأمانة التي كان يتحلى بها. وأن والدكِ كان يقول له دائماً، أن يبني مستقبله على الوفاء والصدق."
نظرت السيدة سلوى إلى حفيدتها نظرةً طويلة، وكأنها تحاول أن ترى ما يدور في عقلها. "هذا غريبٌ بعض الشيء." قالت أخيراً. "لم أكن أعلم أن والدكِ كان على علاقةٍ وثيقةٍ بشخصٍ اسمه الرحمن. ربما كانا يعرفان بعضهما من العمل، أو من خلال أصدقاءٍ مشتركين. ولكن، بصراحة، لم يحدثني قط عن شخصٍ بهذا الاسم."
شعرت فاطمة بأن هناك شيئاً ما لا يزال خافياً، شيئاً لم يتم الكشف عنه. كلماته عن "الوفاء والصدق"، وعن "بناء المستقبل"، كانت تردد في ذهنها. هل كان الرحمن يتحدث عن علاقةٍ أعمق من مجرد لقاءاتٍ عابرة؟
في اليوم التالي، وبينما كانت فاطمة تتفقد بعض الأوراق القديمة في صندوق والدها، عثرت على رسالةٍ قديمة، مدفونةٌ بين الصور والذكريات. كانت الرسالة بخطٍ غريبٍ، لم تتعرف عليه. فتحتها بحذرٍ، وبدأت تقرأ.
"إلى صديقي العزيز... أرجو أن تكون بخير. لقد تعبتُ جداً من هذه التجارة، وأخاف أن أفقد كل شيء. أرجو أن تساعدني، وأن تعيد لي ما أخذته مني، قبل فوات الأوان. تذكر عهدنا، وتذكر ما وعدتني به. إنها حياتنا، وحياة أبنائنا."
كانت هذه الكلمات كصاعقةٍ نزلت على رأس فاطمة. "أخذته مني؟" "عهدنا؟" "أبنائنا؟" من كان المرسل؟ ومن كان المستقبل إليه؟
لم تستطع الانتظار. ذهبت مسرعةً إلى منزل السيدة أمينة، حاملةً معها الرسالة. كان قلبها يخفق بقوة، ويديها ترتجفان.
"عمتي أمينة، هل تسمحين لي بسؤالٍ؟" قالت فاطمة بصوتٍ مهتز.
نظرت السيدة أمينة إليها بعينين ملؤهما القلق. "ما بكِ يا فاطمة؟ هل حدث شيءٌ؟"
"لقد وجدتُ هذه الرسالة بين أوراق والدي." قالت فاطمة، وقدمت الرسالة إلى السيدة أمينة. "هل تعرفين من كتبها؟ وهل تعرفين من كان المرسل إليه؟"
أخذت السيدة أمينة الرسالة، وبدأت تقرأ. ظهرت على وجهها علاماتٌ من الصدمة، ثم من الحزن. كادت أن تسقط الرسالة من يدها.
"هذه... هذه رسالةٌ من الحاج عبد الله." قالت بصوتٍ متهدج.
"الحاج عبد الله؟" كررت فاطمة. "من هو الحاج عبد الله؟"
"الحاج عبد الله... هو والد الرحمن." قالت السيدة أمينة، وهي تحاول أن تجمع قواها. "لقد كان شريكَ والدكِ في التجارة."
"شريكَ والدي؟" تعجبت فاطمة. "ولكن، لم يذكر لي والدي قط أنه كان لديه شريكٌ في التجارة."
"هذا... هذا سرٌّ قديمٌ." قالت السيدة أمينة، وعيناها تفيضان بالدموع. "لقد كانا صديقين حميمين، وشريكين في العمل. ولكن، قبل سنواتٍ، حدث خلافٌ كبيرٌ بينهما. حدثت خسارةٌ فادحةٌ في التجارة، واتهم الحاج عبد الله والدكِ بأنه قد سرقه، وأنه قد أخذ كل أمواله."
"ماذا؟" صرخت فاطمة، غير مصدقةٍ ما تسمع. "والدي... أن يسرق؟ هذا مستحيلٌ!"
"لقد كان الأمر مؤلماً جداً." قالت السيدة أمينة. "لقد فقد الحاج عبد الله كل شيء. وقد اتهم والدكِ بأنه قد خانه. ولكنه لم يقدم أي دليلٍ. وقد انفصلت صداقتهما، وبدأت المشاكل بين العائلتين. لقد حاول والد الرحمن، لم أقصد... حاول الحاج عبد الله، أن يستعيد أمواله، ولكنه لم ينجح. وقد توفي وهو يحمل في قلبه حزناً وغضباً."
"ولكن... من كان المرسل إليه؟" سألت فاطمة. "من كان والدكِ؟"
"والدي... لم يكن اسمه عبد الله." قالت السيدة أمينة. "اسم والدي الحقيقي كان... سليمان. وقد كان يعمل مع الحاج عبد الله في نفس المشروع. ولكن، حدث شيءٌ ما، شيءٌ لم أكن أفهمه وقتها. وقد أخذ والدكِ، سليمان، كل شيءٍ، واختفى. ولم يعد أحدٌ يسمع عنه شيئاً. حتى توفي، تاركاً وراءه هذا السر."
شعرت فاطمة بأن كل ما كانت تعرفه عن حياتها، وعن والدها، قد انقلب رأساً على عقب. والدها، الرجل الصالح الذي وصفته جدتها، هل كان يمكن أن يكون قد فعل شيئاً كهذا؟ هل كان يمكن أن يكون قد خان صديقه، وسرق أمواله؟