قلبي يختارك الجزء الثالث
غيمة رمادية تحجب شمس الأمل
بقلم سارة العمري
ارتعشت أنامل لمياء وهي تمسك بفنجان قهوتها المرتعش. لم يكن الارتعاش في الفنجان وحده، بل كان يسري في عروقها كتيار بارد. جلست في ركن هادئ من المقهى، تستعيد كل كلمة نطقت بها قبل دقائق، كل نظرة تبادلها مع يوسف. هل حقًا قالت ذلك؟ هل حقًا سمحت لشكوكها بأن تتجسد على هيئة اتهامات، وأن تسري في شرايين علاقتها النابضة بالحياة كسم قاتل؟
كانت الأمسية قد بدأت براقة، تحت سماء زاخِرة بالنجوم، ورائحة الياسمين تفوح من بساتين المدينة. وعد يوسف بأنها ستكون ليلة لا تُنسى، ليلة تعززان فيها رباطهما، ليلة يقطعان فيها العهد على بناء مستقبل مشرق. لكن لمياء، التي اعتادت أن تكون صخرة صلبة في وجه تقلبات الأيام، وجدت نفسها اليوم غارقة في بحر من الريبة.
ذلك الاتصال الهاتفي الذي تلقته قبل ساعة، والذي تحدثت فيه مع امرأة غريبة، امرأة ادعت أن لها "علاقة سابقة" بيوسف، وأن هذه العلاقة لم تنتهِ بعد، بل إنها "لا تزال تتواصل معه". الكلمات كانت حادة، صادقة، ومريرة. حاول يوسف تهدئتها، شرح الأمر، لكن كلماته بدت لها كأنها محاولة لستر الحقيقة، كتبرير واهٍ لخطأ ارتكبه.
"كيف يمكن أن يحدث هذا يا يوسف؟" قالتها بصوت مختنق، وعيناها تلتمعان بدموع لم تسمح لها بالسقوط بعد. "كنت أظنك لي، كنت أظن أننا على وشك البدء ببناء بيت العمر، بيتٍ يقوم على الصدق والثقة. والآن.. الآن أسمع هذا! أتتوقع مني أن أصدق ما تقوله، أم ما قالته هي؟"
كان وجه يوسف قد غرق في مزيج من الحزن والدهشة. "يا لمياء، أرجوكِ. هذه المرأة... لا أدري من تكون، ولا كيف حصلت على رقمي. ربما هي مجرد... شخص يحاول إثارة المشاكل. حياتي كلها لكِ، ألم تشعري بهذا؟ كل تصرفاتي، كل كلمة أقولها، كل أحلامي، أليست موجهة إليكِ؟"
رفع يده ليلمس وجهها، لكن لمياء تراجعت خطوة، كمن لدغته أفعى. كان ذلك التراجع البسيط كفيلًا بأن يمزق روحه. "منذ متى وأنت تتلقى اتصالات من نساء غريبات، يا يوسف؟" سألته بحدة، لم تعد قادرة على كبت غضبها الممزوج بألم لا يُحتمل. "ومن تكون هي لتتحدث عن علاقة سابقة؟ هل كانت هناك علاقات؟"
انقبضت أسارير يوسف. "لمياء، أنا لم أخفِ عنكِ شيئًا. حياتي كانت واضحة لكِ قبل أن نلتقي، وأصبحت أكثر وضوحًا بعد لقائنا. أي علاقات كانت في الماضي، كانت قبل أن أعرفكِ، وقبل أن أرى فيكِ المستقبل. وهذه المرأة... لا أعرفها. أقسم لكِ، لم أتحدث معها في حياتي."
"ولماذا تصر على أن تكون حياتك واضحة لي؟" رفعت صوتها قليلًا، جذب الانتباه من بعض الطاولات القريبة. "ولماذا لم تخبرني لو كان هناك أي اتصال، أي شيء قد يثير الشك؟ لماذا تنتظر حتى يأتي أحدهم ليخبرني؟"
"لأنني لم أرَ في الأمر شيئًا يستدعي الإخبار!" صاح يوسف، صوتٌ خالٍ من أي شبهة، ولكنه حمل في طياته يأساً عميقاً. "لم أتوقع أبدًا أن يأتي شخصٌ ليخترع قصةً وهميةً ويحاول تخريب علاقةٍ مقدسةٍ كهذه. هل تظنيني بهذه السذاجة؟ أو بهذه الخيانة؟"
"السذاجة أن لا ترى، والخيانة أن تخفي!" ردت لمياء، والصوت المرتعش بدأ يتكثف فيه مرارة. "لقد سمحتُ لشكي بأن ينمو، لآلاف الأسئلة التي بدأت تنخر في عقلي. هل كانت هذه المرأة التي تتحدث عنها هي سبب ترددك في بعض الأحيان؟ هل هناك جزءٌ من حياتك لم تشاركني إياه؟"
كانت كلماتها أشبه بطعناتٍ غائرة. نظر يوسف إليها، عينيه تحملان ألمًا لا يوصف. "يا لمياء، أنتِ تدمرين كل شيء. أنتِ تسمحين لشيطان الوسوسة بأن يعبث بعقولنا. أنا أحبكِ، أحببتكِ من اللحظة الأولى، وهذه المرأة... لا وجود لها في عالمي. إذا لم تصدقي كلمتي، فماذا تريدين مني؟"
ساد صمتٌ ثقيل، كأن الجدران بدأت تضيق عليهما. لمعت عينا لمياء بدموعٍ بدأت تتسلل على خديها. "أريد الحقيقة يا يوسف. أريد أن أتأكد أن البيت الذي سنبنيه لن يكون على أساسٍ من وهمٍ أو خداع. إذا كانت هذه المرأة... إذا كانت لها يدٌ في أي شيء، في أي تردد، في أي شيءٍ يتعلق بماضي لم تشاركني إياه... فكيف لي أن أثق بمستقبلك معي؟"
"ما هو الماضي الذي تتحدثين عنه؟" سأل يوسف، صوته يخفت كصدى بعيد. "لا يوجد ماضي. حياتي كانت لكِ. وإذا كانت هناك أفعالٌ سبقت لقاءنا، فما علاقتها الآن؟ ألا تؤمنين بأن الإنسان يتغير؟ بأن الماضي يطوى؟"
"التغيير جميل، والتوبة مقبولة. ولكن الثقة... الثقة تُبنى على الشفافية يا يوسف." قالت لمياء، وهي تمسح دموعها بخشونة. "عندما أسمع كلامًا كهذا، ولا أرى منك شفافية مطلقة، فكيف لي أن أطمئن؟"
"ولماذا لا أراكِ شفافة؟" سأل يوسف، بمرارةٍ تفوق مرارة ما تشعر به. "أنتِ من بدأتِ بالتشكيك، أنتِ من ألقتِ الاتهامات. لم أقل شيئًا، لم أفعل شيئًا. فقط تلقيتُ اتصالًا، وقمتِ أنتِ ببناء جدارٍ عظيمٍ بيننا."
وقفت لمياء. كان جسدها يرتجف، ولكن صوتها اكتسب صلابةً جديدة. "ربما هذا الجدار ضروري الآن يا يوسف. ربما نحتاج وقتًا لنفكر، لنعيد تقييم كل شيء. ما حدث اليوم... قد غير كل شيء. قد يكون هذا نقطة اللاعودة."
كلماتها الأخيرة هزت أركان يوسف. نظر إليها بعينين متوسلتين، لكن لمياء كانت قد اتخذت قرارها. لم تكن قسوة، بل كانت حاجة ماسة لحماية قلبها، لحماية ما آمنت به.
"أنا آسفة يا يوسف." قالتها بقلبٍ مفطور، ثم استدارت وخرجت من المقهى، تاركةً خلفها يوسف واقفًا وحيدًا، كمن فقد بوصلته في بحرٍ هائج. غيمةٌ رماديةٌ لم تكن متوقعة، قد ألقت بظلالها الكثيفة على شمس الأمل التي بدأت تشرق بينهما.
*
في تلك الليلة، لم تنم لمياء. جلست في غرفتها، والدموع تتساقط على وسادتها بصمت. حاولت أن تتذكر كل شيء، كل لحظة مرت مع يوسف. هل كان هناك شيءٌ يثير الشك؟ هل تجاهلت إشاراتٍ كانت واضحة؟
تذكرت محادثةً سابقة، عندما سألها يوسف عن ماضيها، وعن أسباب انفصالها عن خطيبها السابق. كانت قد أخبرته بالحقيقة كاملة، بكل شفافية، حتى لو كان ذلك مؤلمًا. لم تكن تخشى أن تظهر عيوبها، لأنها آمنت بأن الحب الحقيقي يقبل بالعيوب.
ثم عادت إلى كلمات تلك المرأة. "علاقة سابقة"... "لا تزال تتواصل معه". هل كان ذلك كذبًا؟ لماذا؟ ولماذا لم يشرح يوسف الأمر بوضوح أكثر، ببساطة أكبر؟ هل كانت كلماته الدفاعية مجرد محاولة لستر شيء؟
"أنا لا أستطيع أن أعيش في شك." همست لمياء لنفسها. "الحياة أقصر من أن أقضيها في تخمين نوايا الناس. إما أن يكون واضحًا، أو لا شيء."
في صباح اليوم التالي، لم تجد لمياء في هاتفها أي رسائل من يوسف. ولا حتى مكالمة. كان الصمت هو اللغة الوحيدة التي يتحدث بها القدر الآن. فتحت نافذتها، ورأت الشمس تشرق، لكن ألوانها بدت باهتة، خالية من البريق الذي كانت تراه بالأمس.
"هل أنا قاسية؟" سألت نفسها. "أم أنني أحمي نفسي؟"
نظرت إلى صورة يوسف التي كانت معلقة على حائط غرفتها. ابتسامته الهادئة، عينيه الصادقتين. هل كانت تسيء الظن به؟ هل كانت تترك شياطين الأوهام تتسلط على قلبها؟
لكن كلمات المرأة عادت تتردد في أذنها. "لا تزال تتواصل معه". هل كان ذلك يعني شيئًا؟ هل كانت هناك لقاءات سرية؟
شعرت بقلبها ينقبض. لم يكن الأمر يتعلق فقط بالماضي، بل بالمستقبل. كيف يمكن أن تبني بيتًا، أن تكون أسرة، مع رجلٍ لا تستطيع أن تثق فيه تمامًا؟
في تلك اللحظة، دخلت عليها والدتها، بوجهٍ يحمل مزيجًا من القلق والفضول. "لمياء، ما بكِ؟ لم أركِ منذ الأمس. هل حدث شيء؟"
نظرت لمياء إلى والدتها، رأت فيها بحرًا من الحنان والأمان. "يا أمي، هل يمكن أن أثق بشخصٍ لا أملك كل الحقيقة عنه؟"
تنهدت والدتها، وجلست بجوارها، ووضعت يدها الحانية على كتفها. "يا ابنتي، الحقيقة المطلقة نادرة. ولكن الثقة هي لبنة أساسية في كل علاقة. إن كنتِ تشعرين بصدقٍ من الطرف الآخر، فإن ذلك يكفي."
"ولكن ماذا لو كان هناك شيءٌ يخفيه؟" قالت لمياء، بصوتٍ يكاد يكون همسًا. "ماذا لو كانت هناك امرأةٌ أخرى؟"
اتسعت عينا والدتها. "امرأةٌ أخرى؟ من قال لكِ ذلك؟"
لمياء روت لوالدتها كل ما حدث، بدايةً من المكالمة الهاتفية، وصولاً إلى المواجهة مع يوسف. استمعت الأم بصبر، وعقلها يعمل بسرعة، تبحث عن تفسيرٍ منطقي، عن كلمةٍ حق.
"يا بنيتي، قد يكون هناك سوء فهم." قالت الأم أخيرًا. "لا تستعجلي في الحكم. يوسف رجلٌ طيب، ورأيتُ فيه الخير الكثير. ربما هذه المرأة مجرد كاذبة تحاول إيقاع الفتنة. أنتِ تعرفين أن الكثيرين يحاولون تخريب السعادة."
"ولكن يا أمي، لماذا لم يخبرني يوسف؟ لماذا لم يكن هناك شيءٌ واضح؟"
"ربما لم يعلم أنها ستتصل بكِ. وربما كان يظن أن الأمر لا يستحق الذكر، تفاهةٌ ستزول. لا أعرف. ولكن الشيء الوحيد الذي أعرفه، أن الشك يقتل الحب. حاولي أن تتواصلي معه، أن تفهمي منه مباشرةً."
"كيف؟" قالت لمياء، بشعورٍ من اليأس. "كل الطرق تبدو مسدودة."
كانت الغيمة الرمادية قد استقرت فوق قلبها، وحجبت شمس الأمل. لم تعد تعرف كيف تبدأ، ولا إلى أين تتجه. كان الفصل الجديد من قصة حياتها قد بدأ، فصلٌ يحمل في طياته صراعًا داخليًا، وصراعًا مع القدر، وصراعًا مع الشك.
*
في خضم هذه العاصفة الداخلية، لم يتوقف العالم عن الدوران. استمرت الحياة في ضواحي المدينة، حيث كانت بساتين البرتقال تمد أغصانها نحو السماء، وتفوح منها رائحةٌ منعشةٌ تملأ الأجواء. في بيتٍ قديمٍ أصيل، ذي جدرانٍ سميكةٍ تحكي قصص الأجداد، كانت فاطمة، جدة لمياء، تتابع أخبار حفيدتها بقلقٍ بالغ.
كانت فاطمة امرأةً حكيمةً، خبرت تقلبات الدهر، ورأت في لمياء بريقًا خاصًا، بريقًا يحمل في طياته إرثًا عريقًا من الصبر والقوة. كانت تعلم أن لمياء ليست ممن ينهارون أمام أول عاصفة، ولكنها كانت تعرف أيضًا أن قلب الفتاة مرهفٌ، وأن الخيانة، حتى لو كانت مجرد شك، يمكن أن تدمر عالمها.
"يا فاطمة، هل من جديد؟" سألتها ابنتها، والدة لمياء، وهي تدخل الغرفة بخطواتٍ ثقيلة.
هزت فاطمة رأسها ببطء. "لا شيء. لم تتصل بنا لمياء بعد. ربما هي غارقةٌ في أفكارها."
"إنها قلقةٌ جدًا يا أمي." قالت الأم، جلست على كرسيٍ خشبيٍ قديم، تتفحص صورًا قديمةً معلقة على الجدار. "كانت سعيدةً جدًا مع يوسف. لا أفهم كيف حدث كل هذا."
"الشيطان لا يترك الخير ينمو بسلام." قالت فاطمة، وهي تتأمل نافذة الغرفة التي تطل على بستانٍ واسع. "هناك من يحاول دائمًا إلقاء بذور الشك والفتنة. ولكن علينا أن نثق بحكمة لمياء، وبقدرتها على التمييز بين الحق والباطل."
"ولكن ما الذي حدث بالضبط؟" سألت الأم. "كل ما أعرفه هو أنها تلقت اتصالًا، ثم أصبح كل شيءٍ سيئًا."
"سألتها، يا ابنتي." قالت فاطمة. "وتحدثت معها. يبدو أن هناك امرأةً مجهولةً اتصلت بها، ادعت أن لها علاقةٌ سابقةٌ بيوسف، وأن علاقتهما لا تزال قائمة. بالطبع، لمياء شعرت بالصدمة. وربما... ربما لم يوفق يوسف في شرح الأمر بالطريقة التي تطمئنها."
"ولماذا لم يوفق؟" سألت الأم، ونبرة القلق تزداد في صوتها. "هل هناك حقًا ما يخفيه؟"
"لا أعرف. ولكن ما أعرفه هو أن قلب لمياء مليءٌ بالحب ليوسف. وفي الوقت نفسه، قلبها لا يحتمل الخداع. لقد طلبت مني أن أمنحها بعض الوقت، وأن لا أتدخل."
"ولكن كيف يمكنني ألا أتدخل؟ إنها ابنتي، وأرى الحزن في عينيها."
"الصبر يا عزيزتي. الصبر مفتاح الفرج. ولنصلي، ولندعو الله أن يكشف الحقيقة، وأن يوجه لمياء إلى الطريق الصحيح."
نظرت الأم إلى والدتها، ورأت فيها قوةً لا تتزعزع، إيمانًا راسخًا بأن الخير سينتصر في النهاية. "هل تعتقدين أن يوسف بريء؟"
"أرى فيه الخير، يا عزيزتي. ولكني لا أرى قلبه. الله وحده يعلم ما في القلوب. ولكن ما أراه في لمياء، هو قلبٌ نقيٌ، يحتاج إلى الصدق المطلق. إذا لم يكن يوسف صادقًا تمامًا، فإن هذه العلاقة لن تستمر. وهذا أفضل لها."
"ولكن ماذا عن مشاعرها؟"
"مشاعرها غالية، يا ابنتي. ولكنها أثمن من أن تُبنى على أساسٍ مهتز. الأهم الآن هو أن نمنحها المساحة التي تحتاجها. وأن ندعو لها بالتوفيق."
ابتسمت الأم ابتسامةً باهتة. "أتمنى أن يكون كل هذا مجرد سحابة صيفٍ عابرة."
"آمين." قالت فاطمة، وعادت بنظرها إلى الخارج، حيث كانت أشعة الشمس الذهبية تلامس أوراق أشجار البرتقال، تحمل وعدًا بغدٍ أفضل، إذا ما تجاوزنا غيوم اليوم.
*
في هذه الأثناء، كان يوسف يشعر وكأن الأرض انشقت وابتلعته. كان يجلس في مكتبه، وأمامه كومةٌ من الأوراق والمستندات التي فقدت بريقها. لم يكن لديه القدرة على التركيز. كانت صورة لمياء، وجهها المنقبض، عيناها المليئتان بالدموع، كل هذا كان يطارده.
"لماذا؟" كان يهمس لنفسه. "لماذا تسمح بذلك؟"
تذكر المكالمة التي تلقاها هو الآخر، المكالمة التي أجبرته على الكذب، ولو بشكلٍ غير مباشر. كانت تلك المرأة، ليلى، لا تزال تتسلل إلى حياته، رغم كل محاولاته لقطع حبل التواصل. لقد اتصلت به في وقتٍ كان فيه مع لمياء، وفي لحظةٍ لم يكن فيها قادرًا على الرد أو شرح الأمر بوضوح.
"من تكون هذه المرأة؟" كان سؤال لمياء يتردد في أذنيه كصدىً مشؤوم.
"كانت صديقة قديمة." همس يوسف لجدران مكتبه. "لكنها لم تفهم يومًا أن الماضي مضى. حاولت مرارًا وتكرارًا، ولكنها لا تسمع. وحاولت أن أحمي لمياء من ذلك، لأنني كنت أعرف أنها لن تستطيع فهم الأمر."
"ولماذا لم تفهمه؟" سأل يوسف نفسه بمرارة. "لماذا لم أكن شجاعًا بما يكفي لأواجه الأمر؟ لو كنت قلت لها الحقيقة من البداية، لو أخبرتها عن ليلى ومحاولاتها، ربما ما حدث اليوم ما كان ليحدث."
كانت الغرور، أو ربما الخوف من فقدان لمياء، قد جعله يتخذ قرارًا خاطئًا. لقد ظن أنه يستطيع السيطرة على الوضع، بإبعاد ليلى وتجاهلها. ولكن ليلى، وكما هو متوقع، لم تسكت. لقد وجدت طريقها لتدمير سعادته.
"هل كان يجب أن أقول لها؟" سأل نفسه. "حتى لو كانت هناك فرصةٌ للشك؟"
نظر إلى ساعته، مرت ساعاتٌ طويلة منذ أن تركته لمياء. لم يتلقَ أي رسالة، أي اتصال. كان الصمت أقسى من أي اتهام.
"لمياء، أرجوكِ." تنهد يوسف. "صدقيني. أنا لم أخفِ شيئًا مهمًا. كنت أحاول أن أحميكِ. ولكن ربما حميتكِ بطريقةٍ خاطئة."
فتح هاتفه، وبدأ يبحث عن رقم ليلى. تردد لثوانٍ. هل يتصل بها؟ هل يهددها؟ هل يطلب منها أن ترحل؟
"لا." قال يوسف بصوتٍ حازم. "هذا لن يحل شيئًا. ما حدث بيني وبين لمياء، هو ما يجب أن أركز عليه الآن. يجب أن أجد طريقةً لأصل إليها، لأشرح لها، لأستعيد ثقتها."
ولكن كيف؟ لقد وضعت حدًا، لقد بنى جدارًا. هل تستطيع الكلمات وحدها أن تهدم جدارًا كهذا؟
نظر يوسف إلى صورة لمياء التي كانت على مكتبه. عينيها الواسعتين، ابتسامتها الرقيقة. "سأفعل كل ما بوسعي، يا لمياء." قال بصوتٍ متعهد. "حتى لو اضطررت أن أقف أمامكِ في كل يومٍ من الأيام، لأثبت لكِ أنني لكِ وحدكِ. وسأواجه هذه المرأة، وسأحسم هذا الأمر نهائيًا."
لقد أدرك يوسف أن نقطة اللاعودة قد تجاوزت. لقد كانت تلك المواجهة بينه وبين لمياء، ليست نهاية الطريق، بل بداية معركةٍ أكبر. معركةٌ لاستعادة الثقة، لاستعادة الحب. معركةٌ ستحدد مصير علاقتهما، ومستقبلهما.
*
في تلك الليلة، لم تستطع لمياء أن تنام. كل محاولةٍ للنوم كانت تفشل. ظلت تتأرجح بين الأمل واليأس، بين الثقة والشك. كانت تتذكر ابتسامة يوسف، وكلماته الرقيقة، ولكنها في الوقت نفسه، كانت تتذكر نبرة تلك المرأة الغامضة.
"لماذا؟" تساءلت. "لماذا كل هذا الألم؟"
حاولت أن تقنع نفسها بأن يوسف بريء، وأن المرأة مجرد كاذبة. ولكن شيئًا ما كان يمنعها. ربما كان ذلك الخوف العميق من الوقوع في فخ الوهم، الخوف من أن تتكرر مآسي الماضي.
"هل يمكن أن يكون قد أخفى شيئًا؟" سألت نفسها. "هل كان يخاف من ردة فعلي؟"
كانت تعرف أن يوسف لم يكن شخصًا يتخلى عن مبادئه بسهولة. كان يحمل في داخله قيمًا قوية، وكان ملتزمًا بالدين والأخلاق. ولكن حتى أصدق الناس قد يخطئون، قد يخفون شيئًا لسببٍ ما.
"إذا كان صادقًا، فلماذا لم يصر على تذكيرني بالاتصال؟" سألت نفسها. "لماذا لم يضع الأمور في نصابها فورًا؟"
نظرت إلى هاتفها، تنتظر رسالةً منه، تنتظر مكالمةً. كل دقيقة كانت تمر كأنها عام. كانت تتمنى لو أنها لم ترد على الهاتف، لو أنها لم تسمع تلك الكلمات. ولكن ذلك لم يكن ممكنًا.
"يجب أن أكون قوية." همست لنفسها. "يجب أن أتصرف بعقل، لا بعاطفة. إذا كان يوسف لا يملك الشجاعة الكافية ليقول كل شيء، فهذا يعني أنه ليس الرجل الذي أستطيع أن أبني معه حياتي."
كانت تلك الكلمات قاسية، ولكنها كانت صادقة. لمياء كانت تبحث عن شريك حياة، عن سند، عن رجلٍ يشاركها كل شيء، في السراء والضراء. لم تكن تبحث عن شخصٍ يخفي عنها نصف الحقيقة.
"ولكن هل أعطيه فرصة؟" تساءلت. "هل أسمح له بالحديث؟"
كان قلبها يميل إلى الغفران، إلى الثقة. ولكن عقلها كان يتسلح بالحذر. كان ذلك الصراع الداخلي هو ما يجعلها تشعر بهذا القدر من التعب.
"ماذا لو كان كل هذا اختبارًا؟" فكرت. "اختبارًا لقوة حبي، لقوة ثقتي؟"
نظرت إلى السماء المظلمة من نافذتها، حيث كانت النجوم تلمع بصمت. "يا رب." دعت بصوتٍ متهدج. "يا رب، أرني الحق. أرني الطريق الصحيح. اجعل قلبي يطمئن، وألهم يوسف بما يجب أن يقول."
لم تكن تعلم ماذا سيأتي به الغد. ولكنها كانت تعلم شيئًا واحدًا: أن هذه الليلة كانت مفصلية. كانت ليلةً بدأت فيها غيمةٌ رماديةٌ كبيرةٌ تحجب شمس الأمل، ولكنها كانت أيضًا ليلةً بدأت فيها لمياء تفهم أن عليها أن تقاتل من أجل علاقتها، إذا كانت ترى فيها أملًا.
*
في صباح اليوم التالي، استيقظ يوسف مبكرًا. كان لديه خطة. خطةٌ لم يكن يعرف إن كانت ستنجح، ولكنها كانت كل ما يملك. بعد أن توضأ وصلى، أمسك هاتفه. لم يبدأ بالاتصال بلمياء. بل بدأ بالبحث عن رقم ذلك المحامي الذي تعامل معه سابقًا في قضيةٍ سابقة.
"أحتاج مساعدة قانونية." همس لنفسه. "سأحتاج إلى دليل."
اتصل بالمحامي، واتفق معه على موعد. ثم بدأ بتجميع كل شيء، كل رسالة، كل سجل اتصال، كل دليل يمكن أن يثبت أن ليلى كانت تحاول التحرش به، وأن علاقته بها انتهت منذ زمنٍ طويل.
"لن أدعها تدمر حياتي." قال يوسف بغضبٍ بارد. "لن أدعها تسلب مني لمياء."
بعد ذلك، بدأ بكتابة رسالةٍ طويلةٍ جدًا، رسالةٌ فيها كل كلمةٍ، كل تفصيل. كتب عن لقائه بليلى في الماضي، عن محاولاتها المستمرة، وعن قراره بحمايتها من ذلك. كتب عن حبه العميق لمياء، وعن ندمه الشديد لأنه لم يشاركها الأمر مبكرًا.
"ربما أكون قد أخطأت في طريقة تعاملي." كتب. "ربما كان واجبي أن أصارحكِ بكل شيء، حتى لو كنتِ ستشكين. لأن الثقة الحقيقية لا تخشى الشك، بل تتعزز به."
بعد أن انتهى من كتابة الرسالة، طبعها. وضعها في مظروفٍ أنيق. ثم التقط صورةً لها، وأرسلها إلى لمياء عبر البريد الإلكتروني. لم يكن متأكدًا إن كانت ستفتحه، ولكن كان عليه أن يحاول.
"قد يكون هذا ليس كافيًا." فكر يوسف. "ولكنه بداية."
ثم، وقبل أن يذهب إلى موعد المحامي، قرر أن يقوم بشيءٍ أخير. ذهب إلى محلٍّ للزهور. طلب أجمل باقةٍ من الياسمين، وباقةٌ أخرى من الورد الأحمر، رمز الحب.
"هل ستكون هذه كافية؟" تساءل، وهو ينظر إلى الزهور. "هل يمكن للحب أن ينتصر على الشك؟"
في طريقه إلى بيت لمياء، كان قلبه يخفق بقوة. كان يتوقع الرفض، كان يتوقع عدم الثقة. ولكن كان عليه أن يجرب. كان عليه أن يضع كل أوراقه على الطاولة.
كانت لحظة الحقيقة قد اقتربت. كانت لحظةٌ سيتم فيها الكشف عن كل شيء. هل سيتمكن يوسف من إقناع لمياء بصدقه؟ أم أن الغيمة الرمادية التي حجبت شمس الأمل، ستصبح سماءً داكنةً لا تشرق بعدها الأيام؟
*
كانت لمياء قد قضت ليلةً طويلةً وشاقة. عند شروق الشمس، شعرت بأنها أنهكت تمامًا، ولكنها لم تستطع الاستسلام. نهضت، وتوضأت، وأدت صلاتها. كان قلبها لا يزال مضطربًا، ولكنها حاولت أن تجد بعض الهدوء في مناجاتها لربها.
"يا رب، يا من تعلم السر وأخفى." دعت بصوتٍ خافت. "اجعل هذا اليوم خيرًا. إما أن تكشف الحقيقة، أو أن تهبني القوة لأتقبلها."
بعد صلاتها، وبينما كانت تشرب فنجانًا من الشاي، نظرت إلى بريدها الإلكتروني. لم تتوقع شيئًا. ولكنها رأت رسالةً من يوسف، مع عنوانٍ غريب: "حقيقتي لكِ".
ترددت للحظة. هل تفتحها؟ هل تغض الطرف؟ ولكن شيئًا ما في العنوان، شيئًا من الاستسلام، من الصدق، دفعها لفتح الرسالة.
عندما بدأت بقراءة الكلمات، شعرت بأن قلبها بدأ يتسارع. كانت الرسالة طويلة، ومليئة بالتفاصيل. روايةٌ كاملةٌ لما حدث، مع الأدلة التي أرفقها. لم يكن هناك أي تبريرٍ للكذب، بل اعترافٌ بالخطأ، واعتذارٌ صادق.
"لقد أخطأت في تقديري." قرأت. "ظننت أنني أحميكِ، ولكنني في الحقيقة كنت أبني جدارًا بيننا. كنت أخاف أن أخسر، فنسيت أن الثقة هي أساس كل شيء."
عندما وصلت إلى الفقرة التي تتحدث عن ليلى، عن محاولاتها، وعن محاولة يوسف إبعادها، شعرت لمياء ببعض الراحة، ولكن الألم لم يختفِ تمامًا. كانت لا تزال تشعر بأنها تستحق الشفافية الكاملة.
"لا أدري إن كانت هذه الكلمات كافية." كتبت في رسالة ردٍ قصيرة. "ولكنها بداية. سأكون في المقهى القديم، في نفس الوقت الذي تحدثنا فيه بالأمس. أريد أن أسمع منك. أريد أن أرى بعيني."
أغلقت حاسوبها، وشعرت بأنها قد قطعت شوطًا. لقد كانت مستعدةً لسماع المزيد. كانت مستعدةً لمواجهة يوسف، ليس بعين الشك، بل بعين الباحثة عن الحقيقة.
في الوقت نفسه، تلقت يوسف رسالتها. ابتسم ابتسامةً خفيفة، ابتسامةٌ اختلط فيها الأمل بالتوتر. لقد أعطته لمياء فرصة. فرصةٌ أخيرة.
وقف يوسف، وأخذ معه الزهور، والمظروف الذي يحمل الأدلة. كان يعلم أن هذه المواجهة لن تكون سهلة. ولكنها كانت ضرورية. كانت هي النقطة التي سيتم فيها تحديد ما إذا كانت علاقتهما ستستمر، أم أنها ستنتهي كقصةٍ لم يكتمل فصولها.
كانت الغيمة الرمادية لا تزال هناك، ولكن في الأفق، بدأت تظهر بقعةٌ صغيرةٌ من الضوء. ضوءٌ يحمل وعدًا بأن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، قد تكون هي المفتاح للشفاء.
*
عندما وصل يوسف إلى المقهى، وجد لمياء جالسةً في نفس المكان الذي جلست فيه بالأمس. كانت تبدو أكثر هدوءًا، ولكن عينيها لا تزال تحملان أثر الحزن.
اقترب منها، وقلبه يخفق بعنف. "لمياء." قال بصوتٍ خفيض، يحمل معه مزيجًا من الرجاء والندم.
نظرت إليه، وعيناها تبحثان عن شيءٍ ما. "يوسف." قالت بهدوء. "كنت أنتظرك."
وضع الزهور أمامها. "هذه لكِ." قال. "وهذا..." قدم لها المظروف الذي يحمل الأدلة. "هذا هو كل شيء. لا أريد أن أخفي عنكِ شيئًا بعد الآن. لقد أدركت خطئي. كان يجب أن أكون صادقًا تمامًا معكِ منذ البداية."
فتحت لمياء المظروف، وبدأت تتفحص الأوراق. لم تقاطع يوسف، بل تركته يتحدث.
"ليلى كانت شخصًا من الماضي." بدأ يوسف، وصوته يحمل ثقل الاعتراف. "لم تكن علاقةً رومانسيةً بالمعنى المفهوم. بل كانت... إعجابًا من طرفها، ومحاولةً للإلهاء. عندما عرفت أنها قد تتصل بكِ، وأن ذلك قد يسبب لكِ أذى، خفت. خفت أن أفقدكِ. فقررت أن أبعدها بنفسي، وأن أتصرف بحكمة."
"ولكن حكمتك لم تكن كافية." قالت لمياء، ببرودٍ نسبي. "لقد تركتِني في بحرٍ من الشك."
"أعلم." قال يوسف. "وأنا أعتذر عن ذلك. كل الاعتذار. لم أكن أعلم أن الأمر سيتحول بهذا الشكل. لم أتوقع أن تتصل بكِ بهذا الشكل. لو كنت أعلم، لكانت طريقتي مختلفة تمامًا."
"ولماذا لم تخبرني؟" كررت لمياء سؤالها. "حتى لو كانت تفاصيل صغيرة. كان يجب أن أعرف."
"كنت أخشى أن تشكّي بي." قال يوسف. "كنت أخشى أن ترى في الأمر شيئًا لا يوجد. وكنت أخطئ في تقديري. كنت أظن أن الحب بيننا قوي بما يكفي ليجعل هذه الأمور تبدو تافهة."
"الحب وحده لا يكفي، يا يوسف." قالت لمياء، ونبرة صوتها بدأت تتغير، تتكثف فيها المشاعر. "الحب يحتاج إلى الثقة، وإلى الشفافية. عندما أرى أن هناك شيئًا مخفيًا، حتى لو كان صغيرًا، يبدأ الشك في التسلل."
"ولكنكِ الآن ترين كل شيء." قال يوسف، بعينين تملؤهما الأمل. "لقد وضعت كل أوراقي على الطاولة. لم يعد هناك شيءٌ مخفي. حياتي لكِ، يا لمياء. وحبي لكِ صافٍ ونقي."
نظرت لمياء إليه، ورأت في عينيه صدقًا. رأت الندم. ورأت الحب. لقد كانت كلماته، مع الأدلة التي قدمها، كافيةً لتبديد معظم مخاوفها. ولكن الثقة، تلك اللبنة الأساسية، تحتاج إلى وقتٍ لتُبنى من جديد.
"لقد آذيتني يا يوسف." قالت لمياء، بصوتٍ مختنق. "لم يكن الأمر سهلًا عليّ."
"وأنا أعلم." قال يوسف. "وأنا مستعدٌ أن أعمل بكل طاقتي لأعيد لكِ ثقتكِ. لأثبت لكِ أنني أستحق حبكِ. أنني لم ولن أخونكِ أبدًا."
ساد صمتٌ طويل. كانت لمياء تتأمل الزهور، تتأمل الرسالة، تتأمل يوسف. كان قلبها لا يزال ينبض بقوة، ولكن هذه المرة، كان نبضًا مختلفًا. كان نبضًا يحمل في طياته قرارًا.
"هل أنت متأكدٌ مما تقول؟" سألت لمياء، وعيناها تثبتان في عينيه.
"متأكدٌ كتيقني بأن الشمس ستشرق غدًا." أجاب يوسف، بصوتٍ قويٍ وواثق. "أنا أحبكِ يا لمياء. وأريد أن أكمل حياتي معكِ. على أساسٍ من الصدق المطلق."
نظرت لمياء إليه. رأت فيه الرجل الذي أحبته، الرجل الذي آمنت به. لقد كانت الأزمة قد مرت. لقد كانت الغيمة الرمادية قد بدأت تتلاشى.
"حسنًا يا يوسف." قالت لمياء، وشيءٌ من الابتسامة بدأ يظهر على شفتيها. "أعتقد أننا بحاجةٍ إلى إعادة بناء الثقة. شيئًا فشيئًا."
كانت كلماتها كبلسمٍ شافٍ على روح يوسف. شعر بأن الحمل قد انزاح عن كاهله. ابتسم ابتسامةً صادقة، ابتسامةٌ أشرقت معها شمس الأمل من جديد.
"سأبنيها معكِ." قال يوسف. "وسنبني بيتًا، لا يقوم إلا على أساسٍ من الصدق والحب."
كان ذلك هو ذروة الصراع. كان هو أعلى نقطةٍ انفعالية. لقد واجهوا الشك، وتغلبوا عليه. لقد كشفوا الحقيقة، وتقبلوها. والآن، بدأ فصلٌ جديد، فصلٌ سيُكتب بحبر الثقة، وبقلم الحب، وبأيدي زوجين اختارا أن يبنيا مستقبلهما على أرضٍ صلبة، أرضٍ لا تهزها الرياح.
*