قلبي يختارك الجزء الثالث
هبوب رياح اليقين
بقلم سارة العمري
وقف قلبُ ليلى معلقاً بين السماء والأرض، ينبضُ بسرعةٍ محمومةٍ وهي تستمعُ إلى كلماتِ والدها التي تنسابُ كالحممِ البركانيةِ من فمه، تحرقُ كلَّ ما هو جميلٌ في عالمها. كانت قاعةُ الاستقبالِ الفسيحة، التي لطالما جمعتهم تحتَ سقوفها بصخبِ الأحاديثِ ودفءِ اللقاءات، تتحولُ الآنَ إلى ساحةِ معركةٍ صامتة، تتصادمُ فيها الحقائقُ المُرّةُ مع الأحلامِ الوردية.
"لا يا أبي! هذا مستحيل!" ترددتْ كلماتُ ليلى كصدىً ضعيفٍ في أذنها، بالكادِ تستوعبُ ثقلَ ما قال. كانَ والدها، الحاجُّ أحمد، رجلاً ذا هيبةٍ ورأيٍ لا يُشقُّ له غبار، قد اعتادَ في حياته أن تقرَّ لهُ الأمور، وأن تخضعَ لهُ الأرواح. لكنَّ اليوم، كانتْ هيبتهُ تنهارُ أمامَ وجهٍ يعرفُ الحزنَ جيداً، وأمامَ عينينِ تشعَّانِ بصدقٍ جارف.
"مستحيلٌ يا ابنتي؟" رفعَ الحاجُّ أحمد حاجبه، ولم يكنْ في صوتهِ غضبٌ بقدر ما كانَ يأسٌ ممزوجٌ بخيبةٍ لا تُحتمل. "بل هو الحقيقةُ المُرّةُ التي أردتُ أن أتجنبَ عنها، لكنَّ الأقدارَ شاءتْ غيرَ ذلك. زينبُ، أختُكِ الكبرى، كانتْ على علمٍ بكلِّ شيء. بل وأكثرَ من ذلك، هي التي رتبتْ كلَّ هذا."
شهقتْ ليلى، ورأتْ وجهَ أختها زينب، تلكَ الابتسامةُ الهادئةُ التي كانتْ تمنحها إياها، والكلماتُ العذبةُ التي كانتْ تهمسُ بها في أذنها. كيفَ يمكنُ لروحٍ لطالما اعتقدتْ أنها ملاذُها الآمن، أن تكونَ هي نفسها السَّمُّ الذي يُسقى ببطء؟
"زينب؟" تمتمتْ ليلى، وكأنها تخاطبُ شبحاً. "لا يمكن... زينبُ أحبتْني دائماً. كيفَ تفعلُ هذا؟"
"الحبُّ يا ليلى،" قالَ الحاجُّ أحمد بمرارة، "قد يرتدي ألفَ قناع. كانتْ تخافُ عليكِ، وكانتْ تعتقدُ أنَّ هذهِ الطريقَ هي الأفضلُ لكِ. هي... هي لم تكنْ تريدُ أن تراكِ تشاركينَها ما عاشتْه. كانتْ ترى في علاقتكِ معَ يوسفَ ظلالَ ماضيها الأليم."
كانَ الماضي الذي يقصدهُ الحاجُّ أحمد يتعلقُ بزواجِ زينبِ الأول، الذي لم يكللْ بالنجاح، وتركتْ فيهِ ندوباً عميقة. كانتْ ترى في كلِّ قصةِ حبٍّ قادمةٍ شبحَ الفشل، وكانتْ تخشى أن تجرَّ ليلى إلى نفسِ الدوامة.
"لكنَّ... لكنَّها لم تسألني!" هتفتْ ليلى، وعيناها تلمعانِ بالدموعِ المتجمعة. "لم تسمحْ لي أن أختارَ بنفسي. أنا... أنا أحبُّ يوسف. وهو يحبني. لم يكنْ لديَّ أيُّ شكٍّ في ذلك. كلُّ ما يحدثُ الآنَ... كلُّ هذهِ الاتهاماتِ الموجهةُ إليه... كلُّ هذهِ الشكوكِ التي زرعتْها في قلبي وقلبِ عائلتي... كلُّ هذا من فعلِها؟"
أومأَ الحاجُّ أحمد برأسه، وبدتْ عليهِ علاماتُ الثقلِ والندم. "نعم يا ابنتي. كانتْ تخشى أن تخذلَكِ الحياةُ كما خذلتها. كانتْ تظنُّ أنها تحميكِ. لقد... لقد تواصلتْ معَ بعضِ الأشخاصِ في عائلةِ يوسف، ونشرتْ بعضَ الأقاويمِ التي تسببتْ في هذهِ الضجة. ظلتْ تقولُ إنَّ يوسفَ ليسَ مناسباً لكِ، وإنَّ سمعتهُ قد تتأثرُ بهذهِ العلاقةِ قبلَ الزواجِ الرسمي. كانتْ تخشى على سمعتِكِ، وعلى سمعةِ عائلتنا."
شعرتْ ليلى بغصةٍ في حلقها، لم تعدْ تعرفُ ما الذي عليها أن تصدقه. أختها التي كانتْ ملجأها، هي نفسها التي نسجتْ خيوطَ هذهِ المؤامرة؟ كيفَ يمكنُ لقلبٍ أن يحتملَ هذا الكمَّ من الخداعِ والخذلان؟
"ولماذا لم تخبرني شيئاً يا أبي؟" سألتْ ليلى بصوتٍ مهزوز. "لماذا لم تواجهني؟"
"لقد حاولتُ يا ابنتي،" قالَ الحاجُّ أحمد، وقد بدتْ علاماتُ التعبِ باديةً على وجهه. "حاولتُ أن أفهمَ دوافعها، أن أثنيها عن رأيها. لكنها كانتْ مصرةً، ومتشبثةً برأيها. قالتْ إنها لا تريدُ أن ترى فيكِ نفسَ الألمِ الذي عاشتْه. كانتْ تخافُ أن يكونَ ما بينكِ وبينَ يوسفَ مجردَ حبٍّ عابرٍ قبلَ أن يكشفَ الزواجُ عن حقائقَ أخرى. ثم... ثمَّ كلُّ ما جرى معَ يوسفَ في الأيامِ الماضيةِ... أتى ليؤكدَ لها ظنونها."
كانَ الحاجُّ أحمد يشيرُ إلى المشكلاتِ التي تعرضَ لها يوسفُ في عملهِ، والاتهاماتِ الباطلةِ التي طالتْهُ، والتي تزامنتْ معَ حملةِ التشكيكِ في علاقتهِ بليلى. كلُّ هذهِ الأمورِ اجتمعتْ لتدقَّ إسفيناً في قلبِ العائلة، وتزيدَ من رغبةِ زينبَ في إبعادِ ليلى عن هذا الارتباط.
"لكنَّ هذا ليسَ عدلاً!" صاحتْ ليلى، وقد نفدَ صبرها. "يوسفُ لم يفعلْ شيئاً خاطئاً. إنهُ رجلٌ طيبٌ، ونقيٌّ. هذهِ الاتهاماتُ باطلةٌ، وأنا أعرفُ ذلك. وزينبُ... زينبُ حكمتْ عليهِ قبلَ أن تعرفَ الحقيقة. لقد دمرتْ كلَّ شيء."
شعرتْ ليلى ببرودةٍ تسري في عروقها. لقد كانَ كلُّ ما بنتهُ معَ يوسفَ، كلُّ أحلامهما، كلُّ وعودهما، مهدداً بالزوال. لم يعدْ الأمرُ مجردَ خلافٍ عائلي، بل أصبحَ معركةً شرسةً تخوضها ضدَّ أقربِ الناسِ إليها، وضدَّ الشكوكِ التي زرعتها أختها في عقولِ الجميع.
"يا بنيتي،" قالَ الحاجُّ أحمد، وقد مدَّ يدهُ ليلمسَ وجهَها، لكنه تراجع. "أنا... أنا لم أكنْ أعرفُ أنَّ الأمورَ تصلُ إلى هذا الحد. كنتُ أظنُّها مجردَ مخاوفٍ طبيعية. لكنَّ ما فعلتْهُ زينبُ... قد يكونُ سبباً في خسارتكِ ليوسف. وإذا حدثَ هذا..."
لم يكملْ الحاجُّ أحمد جملته، لكنَّ ليلى أدركتْ ما يعنيه. كانتْ العواقبُ وخيمة، وكانَ الثمنُ غالياً. إذا فقدتْ يوسفَ بسببِ دسائسِ أختها، فإنَّ حياتها لن تعودَ كما كانت.
"يجبُ أن أتحدثَ معَ يوسفَ،" قالتْ ليلى بحزمٍ متزايد. "يجبُ أن أخبرهُ بكلِّ شيء. لا يمكنُ أن أتركهُ يواجهُ هذهِ الاتهاماتِ وحيداً. ويجبُ أن أواجهَ زينبَ بنفسي."
"كوني حذرةً يا ابنتي،" حذرها الحاجُّ أحمد. "زينبُ عنيدةٌ، وقد لا تستمعُ إليكِ. وهي... ربما قد تقولُ أشياءَ أخرى تؤذيكِ."
"لن يهمَّني ما ستقوله،" قالتْ ليلى، وقد استجمعتْ كلَّ ما تبقى لديها من قوة. "الحقيقةُ واضحةٌ الآن. والوقتُ قد حانَ لكي أدافعَ عن حبّي، وعن يوسف. لن أسمحَ لأحدٍ بأن يدمرَ مستقبلنا."
خرجتْ ليلى من القاعةِ بخطواتٍ ثابتة، وقلبها ينبضُ بشجاعةٍ جديدة. لقد رأى الشكوكُ والحقائقُ الأليمةُ أوجُهها القبيحة، ولكنها بدلاً من أن تسحقها، أعطتها دفعةً قويةً لتكونَ أقوى. لم تعدْ الفتاةَ الهشةَ التي تتلقى الأوامر. لقد أصبحتْ امرأةً تعرفُ ما تريد، ومستعدةً للقتالِ من أجله. كانتْ رحلتها معَ يوسفَ قد وصلتْ إلى منعطفٍ خطير، ومنعطفٍ هو نقطةُ اللاعودة.