قلبي يختارك الجزء الثالث
في دهاليز الشك
بقلم سارة العمري
كانَ الصمتُ الذي غلفَ منزلَ يوسفَ ثقيلاً، محملاً بما لا يُقال. جلسَ يوسفُ في مكتبهِ، تحتَ ضوءِ المصباحِ الخافت، ينظرُ إلى الأوراقِ المتناثرةِ أمامهُ دونَ أن يرى شيئاً. كانتْ صورتهُ تتشوهُ في عيونِ الناس، وكلماتُ الخيانةِ والفسادِ تُنسجُ حولهُ كشباكِ العنكبوت، تحاصرهُ وتخنقُ أنفاسه.
لقد جاءتِ الأخبارُ إليهِ كالصواعق، عن حملةِ التشهيرِ التي طالتْهُ، وعن الشكوكِ التي بدأتْ تتسربُ إلى عقلِ والدِ ليلى، ثمَّ إلى عقلِ ليلى نفسها. لم يكنْ يعرفُ كيفَ بدأَ كلُّ هذا، لكنه شعرَ بالمرارةِ تتغلغلُ في روحه. لقد كانَ على وشكِ أن يخطو خطواتٍ جادةٍ نحو مستقبلٍ معَ ليلى، مستقبلٍ لطالما حلمَ به، والآنَ يبدو أنهُ يبتعدُ عنه بخطواتٍ متسارعة.
دخلَ والدهُ، الحاجُّ إبراهيم، المكتبَ بهدوءٍ، وعيناهُ تراقبانِ ابنهُ بقلقٍ عميق. رأى في وجهِ يوسفَ إرهاقاً وشحوباً لم يعهدهُ فيهِ من قبل.
"يا بني،" قالَ الحاجُّ إبراهيم بصوتٍ حنون، "ما زلتَ جالساً هنا؟ لقد تأخرَ الوقت."
تنهدَ يوسفُ، ورفعَ رأسهُ ليقابلَ عينَ والده. "لا أشعرُ بالنعاسِ يا أبي. كلُّ ما يحدثُ... يجعلُ النومَ بعيداً."
"أعلمُ يا ولدي،" قالَ الحاجُّ إبراهيم، وجلسَ على مقربةٍ منه. "الأمرُ صعبٌ، ولكنهُ ليسَ نهايةَ العالم. هذهِ الاتهاماتُ الباطلةُ ستزولُ معَ الوقت. الحقيقةُ لا بدَّ أن تظهر."
"ولكنْ إلى متى يا أبي؟" تساءلَ يوسفُ، وقد اعتلتْ نبرةُ اليأسِ صوته. "إلى متى سأضطرُّ للدفاعِ عن نفسي وعن سمعتي؟ ومتى سيعودُ الشكُّ ليغادرَ قلوبَ الناس؟ خصوصاً... خصوصاً قلبَ ليلى."
كانَ ذكرُ ليلى هوَ الوجعَ الأكبر. لقد أحبها حباً خالصاً، رأى فيها شريكةَ حياته، ورفيقةَ دربه. كلُّ ما سعى إليهِ كانَ إرضاءً للهِ، وإرضاءً لقلبِ ليلى. أما الآن، فقد بدأتْ تترددُ في عقلهِ أصداءُ كلماتِ الشكِّ التي سمعها من هنا وهناك، والتي تلمحُ إلى أنَّ ليلى نفسها بدأتْ تتأثر.
"لا تقلقْ بشأنِ ليلى،" قالَ الحاجُّ إبراهيم، وقد لمحَ الاضطرابَ في وجهِ ابنه. "ليلى فتاةٌ واعيةٌ، وتحملُ قلباً سليماً. أعتقدُ أنها ستعرفُ الحقيقةَ في نهايةِ المطاف. إنها تعرفُك، وتعرفُ ما أنتَ عليه."
"ولكنْ ما الذي حدثَ بالضبط؟" سألَ يوسفُ، وقد عادتْ الأسئلةُ تتدافعُ في رأسه. "لم أفهمْ قطُّ ما سببُ هذهِ الحملةِ المفاجئة. كلُّ شيءٍ بدأَ فجأةً، وبقوةٍ شديدة. هل كانَ هناكَ شخصٌ ما يستهدفني؟"
صمتَ الحاجُّ إبراهيمُ للحظة، وبدتْ عليهِ علاماتُ التردد. كانَ يعرفُ ما حدثَ، وكيفَ بدأتْ الخيوطُ تتشابك. لكنه لم يكنْ متأكداً من كيفيةِ إخبارِ ابنه، أو ما إذا كانَ عليهِ أن يخبرهُ أصلاً.
"فيما يتعلقُ بهذا الأمرِ يا بني،" بدأَ الحاجُّ إبراهيمُ بصوتٍ خفيض، "لقد علمتُ بوجودِ بعضِ... بعضِ الأحاديثِ التي جرتْ خلفَ الكواليس. يبدو أنَّ هناكَ من كانَ يحاولُ إحداثَ فتنةٍ، وتشويهِ سمعتكَ."
"من؟" سألَ يوسفُ، وقد ارتفعتْ حدةُ صوته. "منْ يفعلُ هذا؟"
"الأمرُ ليسُ واضحاً تماماً،" أجابَ الحاجُّ إبراهيم، "لكنَّني سمعتُ بعضَ الهمساتِ التي تشيرُ إلى أنَّ هناكَ شخصاً قريباً من ليلى... ربما أختها الكبرى، زينب. كانتْ تخشى عليكما، وكانتْ تعتقدُ أنَّ زواجكما سيكونُ مضراً بسمعتِكِ وسمعةِ عائلتها."
ضربَ يوسفُ بيدهِ على الطاولةِ بقوة، وكادَ أن يقلبَ ما عليها. "زينب؟ أختُ ليلى؟" تعجبَ يوسف، فقد كانتْ علاقتهُ بزينبَ جيدةً في السابق، ولم يتوقعْ منها أيَّ ردِّ فعلٍ سلبي. "لماذا تفعلُ ذلك؟"
"كما قلتُ لكَ،" قالَ الحاجُّ إبراهيم، "كانتْ تخشى أن تتكررَ معَ ليلى تجربةُ زواجها الفاشل. ورأتْ في علاقتكما، وفي الضجةِ التي أثيرتْ حولك، سبباً قوياً لمنعِ هذا الزواج. ربما... ربما ظنتْ أنها تحمي ليلى."
"تحميني؟" تمتمَ يوسفُ بسخرية. "إنها تدمرني! إنها تدمرُ ليلى! إذا كانتْ ليلى تصدقُ هذهِ الأقاويم، فإنَّ كلَّ شيءٍ بيننا سينتهي."
"لا تظنْ ذلك يا ولدي،" قالَ الحاجُّ إبراهيم، وقد رأى اليأسَ يتملكُ ابنه. "ليلى تحبكَ. لقد رأيتُ ذلكَ في عينيها. هذهِ مجردُ شكوكٍ، وستتلاشى. الأهمُّ الآنَ هوَ أن تكونَ أنتَ قوياً. وأن تظهرَ الحقيقةَ بشكلٍ لا يدعُ مجالاً للشك."
"ولكنْ كيفَ؟" سألَ يوسفُ، وقد شعرَ بالعجزِ يحيطُ به. "كيفَ أواجهُ كلَّ هذا؟ الاتهاماتُ تنهالُ عليَّ من كلِّ جانب، وعائلتها بدأتْ تتراجع. وماذا عن زينب؟ ماذا سأفعلُ بها؟"
"لا تقلقْ من زينبَ الآن،" قالَ الحاجُّ إبراهيم. "ركزْ على نفسك. هناكَ بعضُ الأدلةِ التي تثبتُ براءتك، ولكنَّ استخراجها يتطلبُ وقتاً وجهداً. في هذهِ الأثناء، كنْ صبوراً، وادعُ اللهَ أن يظهرَ الحق."
"الصبرُ صعبٌ يا أبي،" قالَ يوسفُ، وقد ارتسمتْ على وجههِ علاماتُ الإرهاقِ الشديد. "خصوصاً عندما تشعرُ أنَّ كلَّ شيءٍ يقفُ ضدك. وخصوصاً عندما تشعرُ أنَّ الشخصَ الذي تحبهُ، قد بدأَ يشكُّ فيك."
"اعلمْ يا بني،" قالَ الحاجُّ إبراهيم، وهوَ يمسحُ على كتفِ ابنه، "أنَّ هذهِ الأوقاتُ الصعبةَ هيَ التي تصقلُ الرجال. إنها تختبرُ إيماننا، وصبرنا، وحبنا. تذكرْ دائماً أنَّ معَ العسرِ يسراً. وأنَّ اللهَ لا ينسى عبادَهُ الصابرين."
نهضَ الحاجُّ إبراهيم، وقالَ: "ارتحْ قليلاً يا بني. سأقومُ باللازمِ من جانبي، وسأحاولُ الوصولَ إلى بعضِ الأصدقاءِ الذينَ قد يساعدوننا في هذهِ الأزمة. لا تيأس."
تركَ الحاجُّ إبراهيمُ يوسفَ وحيداً مرةً أخرى، في صمتِ المكتبِ الموحش. كانَ يوسفُ يشعرُ بضغطٍ هائلٍ يلتفُّ حولَ صدره. هل كانَ فعلاً يواجهُ مؤامرةً مدبرةً، أم أنَّ هذهِ مجردُ أحداثٍ متتاليةٍ قادتهُ إلى هذا الوضع؟ كانَ التفكيرُ في زينبَ، وفي احتماليةِ أنها السبب، يسببُ لهُ ألماً مضاعفاً. لقد كانَ يريدُ علاقةً طيبةً معَ عائلةِ ليلى، ولم يكنْ يتوقعْ أن يأتيَ الخطرُ من داخلِها.
ارتفعتْ في ذهنهِ صورةُ ليلى، وجهها البريء، وعيناها التي كانتْ دائماً مليئةً بالثقةِ والحب. هل ستتمكنُ من رؤيةِ ما وراءِ هذهِ الشكوك؟ هل ستتمكنُ من تمييزِ الحقيقةِ من الباطل؟ كانَ يأملُ ذلك، ولكنهُ كانَ يعلمُ أنَّ الطريقَ أمامهُ سيكونُ مليئاً بالأشواك. لقد دخلَ دهاليزَ الشكِّ، وكانَ عليهِ أن يجدَ طريقهُ للخروج، سالماً، ومعَ ليلى.