قلبي يختارك الجزء الثالث
بصيص أمل في عتمة الذكريات
بقلم سارة العمري
لم تكن "نور" تملك سوى القليل من المعلومات عن الشخص الذي دعتها للقاء. كل ما عرفته هو رسالةٌ غامضةٌ وصلت مع قافلةٍ تجارية، مكتوبةٌ بخطٍ أنيقٍ على ورقةٍ قديمة، تحمل عبارةً واحدة: "أنتِ الوحيدة التي يمكنها إيجاد مفتاح الماضي. انتظري عند القصر المهجور في أول قمرٍ مكتمل بعد جني التمر." لم تذكر الرسالة اسماً، ولا سبباً، لكنها أثارت فضولها بشكلٍ لا يوصف، وفوق ذلك، شعوراً غريباً بأن هذه الدعوة تحمل إجابةً لأسئلةٍ طالما أسرت روحها.
عندما سمعت الصوت العميق، استجمعت شجاعتها. "أنا نور، ومن تدعوني؟" قالت، بصوتٍ ثابتٍ هذه المرة، تحاول إخفاء قلقها.
تزحزح الظل قليلاً، وظهر رجلٌ طويل القامة، يقف في ظل المصباح. لم تستطع رؤية ملامحه بوضوح، فالظلام كان يلعب دوره، لكنها أدركت أنه يرتدي لباساً عربياً أصيلاً، يعكس أناقةً وبساطةً في آنٍ واحد.
"لا يهم اسمي الآن،" قال الرجل، وصوته يزداد وضوحاً، "المهم هو هدفنا. لقد انتظرت طويلاً هذه اللحظة، وطويلاً هذه الفرصة."
تقدم بخطواتٍ مدروسة، وأصبح قريباً بما يكفي لتراه "نور" بشكلٍ أفضل. كان وجهه ينم عن وقارٍ وعمرٍ تجاوز الثلاثين، وشعره الداكن يتخلله بعض الشيب عند الصدغين، وكانت عيناه تبدوان وكأنهما تحملان عمق الصحراء نفسها، حكمةً وشيءٌ من الأسى.
"قلتِ في رسالتك أنني الوحيدة التي يمكنها إيجاد مفتاح الماضي. ما هو هذا المفتاح، وما هو الماضي الذي تتحدث عنه؟" سألت "نور"، وهي تشعر بأن حبل الغموض يزداد إحكاماً حول عنقها.
ابتسم الرجل ابتسامةً خفيفة، بالكاد ظهرت على شفتيه. "الماضي الذي يحمل أسرار عائلتك، يا نور. والماضي الذي يربطني بكِ بطريقةٍ لم تعرفيها بعد."
"عائلتي؟" كررت، وقد اشتعلت عيناها بالدهشة. "ماذا تعرف عن عائلتي؟"
"أعرف أكثر مما تتصورين،" قال الرجل، ثم مد يده نحو طاولةً خشبيةً قديمة، وضع عليها خنجراً فضياً صغيراً، كان يلمع في ضوء المصباح. "هذا الخنجر، هل تعرفينه؟"
نظرت "نور" إلى الخنجر، وشعرت بأن قلبها يخفق بعنف. كان مطابقاً تماماً للخنجر الذي رأته في صورةٍ قديمةٍ لوالدتها، صورةٌ احتفظت بها ككنزٍ غالٍ.
"هذا... هذا يشبه خنجر أمي!" قالت، وصوتها تملؤه الدهشة.
"إنه ليس شبهاً، يا نور. إنه هو نفسه. لقد كان هديةً من جدتكِ، والآن، سيعود إليكِ."
أخذت "نور" الخنجر بين يديها المرتعشتين. كان ثقيلاً، مصنوعاً من الفضة الخالصة، وعليه نقوشٌ عربيةٌ دقيقة. لقد حملت هذا الخنجر في ذكرياتها، ضمن تلك الصورة الباهتة، ولكن رؤيته بهذا الشكل، بين يديها، كان أمراً مختلفاً تماماً.
"كيف... كيف حصلت عليه؟" سألت، وعيناها لا تفارقان الخنجر.
"لقد جمعتُ قطعاً من الماضي، يا نور. قطعاً تائهةً في دروب الزمان، أحاول إعادة تركيبها. والآن، لقد وجدتُ الجزء الأخير."
"ولماذا أنا؟ لماذا أنا بالذات؟"
"لأنكِ تحملين سلالتها، تحملين نقاء روحها، وتحملين القدرة على فهم ما لم يفهمه الآخرون." قال الرجل، ثم اقترب خطوةً أخرى، حتى أصبحا قريبين بما يكفي لترى "نور" لمعةً في عينيه، لمعةً تحمل صدقاً وحزناً عميقاً.
"اسمك هو 'نور'، أليس كذلك؟ نورٌ يشع في وسط الظلام. وهذا ما نحتاجه الآن."
"ولكن، ما هو الظلام الذي تتحدث عنه؟ وما هي الحكاية التي تريد أن تكملها؟"
"الحكاية هي حكاية حبٍ قديم، حكاية تضحية، وحكاية وعدٍ لم يُوفَ به. حكايةٌ بدأت في هذه الصحراء، وانتهت بدموعٍ غزيرة. وأنا، جئت لأعيد كتابة نهايتها."
شعر "نور" بأن الأجواء تزداد ثقلاً. هذه اللقاء، وهذا الرجل، وكل هذه الأسرار، كلها كانت تفوق توقعاتها بكثير.
"أنا لا أفهم كل شيء،" قالت بصدق، "لكنني أرى الصدق في عينيك. من أنت حقاً؟"
"أنا 'سالم'. ابنٌ يبحث عن أبيه، وابنٌ وجد ما يكفي من الأدلة ليعتقد أن مصير أبيه قد يكون مرتبطاً بعائلةٍ تعيش في هذه المنطقة. امرأةٌ جميلةٌ، تحمل في قلبها أسراراً، وربما... رغبةً دفينةً في البحث عن العدل."
"أبي..." همست "نور"، وقد بدأت ملامح الفهم تتشكل في ذهنها. والدها، الذي كان يبتعد عنها شيئاً فشيئاً بعد رحيل والدتها، والذي كان يحمل في عينيه حزناً لا تعرف سببه.
"لقد كانت والدتكِ... إنسانةً استثنائية، يا نور. قلبها كان بحراً من الحب، وعقلها كان كالسيف. لقد أحبت أباكِ، وأحبها. لكن الظروف، والخيانات، والحقد، فرقت بينهما. وأنا، ابنهما، جئت لأصحح مسار التاريخ."
"ولماذا القصر المهجور؟ ولماذا تنتظرني أنا؟"
"لأن هذا القصر كان مسرحاً لجزءٍ كبيرٍ من حكايتهما. وبهذه الأوراق، وهذه الأدلة، وبهذا الخنجر، اكتشفت أن مفتاح فهم كل شيء يكمن في يدكِ، يا نور. أنتِ وريثة تلك الحكاية، وأنتِ من سيكملها."
أصمت "سالم"، ونظر إلى "نور" بعينين تملؤهما الأمل. "لقد اختار القدر أن يلتقي أبنائي. ابني الذي لم أعرفه، وابنتكِ التي تحمل إرث جدتها. وبقدر ما هو مؤلمٌ أن نتذكر الماضي، بقدر ما هو ضروريٌ أن نبني مستقبلاً يقوم على الحق والعدل."
أمسكت "نور" بالخنجر بإحكام. شعرت بأنها تحمل ليس فقط قطعةً من معدن، بل قطعةً من تاريخها، قطعةً من أسرار عائلتها، وقطعةً من مسؤوليةٍ كبيرة.
"أنا مستعدة،" قالت "نور"، وصوتها يحمل الآن قوةً لم تكن تمتلكها قبل دقائق. "أنا مستعدةٌ لأن أفهم. أريد أن أعرف كل شيء عن أمي، وعن أبي، وعن تلك الحكاية."
"هذا ما كنت أرجوه،" قال "سالم"، وعاد الأمل ليشع في عينيه. "سنبدأ غداً. سنبدأ رحلةً لاستعادة ما سُلب، ولإعادة الحق إلى أصحابه."
وقف الاثنان في صمتٍ لبرهة، يتبادلان نظراتٍ حملت الكثير من المعاني. نظراتٌ بدأت كغموضٍ، وتحولت إلى فضول، ثم إلى إدراك، وأخيراً، إلى قرار. قرارٌ اتخذ في قلب الصحراء، تحت سماءٍ مرصعةٍ بالنجوم، قرارٌ سيفتح أبواباً جديدة، ويختبر قلوباً، ويبدأ فصلاً آخر من قصة "قلبي يختارك".